الحياة تحت وطأة الجرذان في غزة
تعيش سماح الدبلة مع أطفالها في خيمةٍ مؤقتة وسط مخاوف من الجرذان التي تهاجمهم ليلاً. في ظل الحرب، تزداد معاناتهم مع نقص الطعام والموارد، بينما ينتشر الخوف من الأمراض. هل هناك أمل في تغيير هذا الواقع المرير؟ خَبَرَيْن.

-بجانب جبلٍ من الأنقاض، تعيش سماح الدبلة مع أطفالها في خيمةٍ مؤقّتة، وقد باتت تسكنها مخاوف لم تعرفها قبل الحرب: الجرذان التي تقتحم مأواها ليلاً ونهاراً.
تحرص سماح على إبقاء طفلَيها، ميّاسين ذات الثلاث سنوات وأسعد ذو الأربع سنوات، في مرمى بصرها دائماً، وتقضي معظم نهارها في التنظيف المتواصل في محاولةٍ يائسة لإبعاد الجرذان، غير أنّ جهودها لا تُجدي.
قبل أسبوع، أيقظها في جوف الليل صراخ ميّاسين: «حرامي، حرامي». لم تفهم سماح في البداية ما الذي يجري، لكنّها حين رفعت ابنتها لاحظت دماءً على يدها.
تقول سماح: «أضاء والدها مصباحاً، ورأينا الجرذ يركض داخل الخيمة… كان ضخماً جداً، كالأرنب».
أدرك الوالدان أنّ الحيوان هاجم ميّاسين وعضّ يدها، فبدت آثار الدم واضحةً على جسدها وعلى فراشها. لم تتمكّن العيادة الطبية المحلية من علاجها، فنُقلت إلى مستشفى الشفاء في وسط مدينة غزة. وعلى الرغم من تلقّيها العلاج، لا تزال الطفلة تعاني من صدمةٍ نفسية جرّاء ما مرّت به.
تقول سماح: «أصبحت خائفةً جداً. كلّ ليلة تريد أن تنام في حضني، وتستيقظ مذعورةً خشية أن تسمع أصوات الجرذان قريبةً منّا». وسماح نفسها تعجز عن النوم، خشية تكرار ما حدث.
شاهد ايضاً: حاملة طائرات أمريكية ثالثة تصل الشرق الأوسط وترامب يرفض تحديد موعد لإنهاء الحرب مع إيران
وتضيف سماح أنّها تعتقد أنّ الجرذان باتت أكثر شراسةً لأنّها «اعتادت على أكل الجثث تحت الأنقاض»، في ظلّ حربٍ إبادةٍ إسرائيلية استشهد فيها أكثر من 72,000 فلسطيني في غزة.
وتقول سماح مشيرةً إلى كومة أنقاض أمامها مليئة بالجحور التي تتّخذها القوارض مأوىً لها: «الوضع مخيفٌ جداً... الجرذان والفئران في كلّ مكان».
وتضيف بصوتٍ متعب: «كلّ يوم حين يحلّ المساء، أشعر بالرعب لأنّ الجرذان تنتشر بشكلٍ مرعب».
شاهد ايضاً: خمسة شهداء أثر غارة إسرائيلية بينهم ثلاثة أطفال
«أمس عدت إلى خيمتي ليلاً فوجدتها تملأ ذلك التلّ... مشهدٌ مرعب لا يستطيع إنسانٌ أن يتخيّله».
ملاذٌ للقوارض
مئات الآلاف من سكّان غزة يعيشون في خيام، بعد أن اضطرّوا إلى مغادرة منازلهم جرّاء الغارات الإسرائيلية وأوامر الإخلاء القسري.
ومع غياب أيّ أفقٍ للإعمار، رغم بدء سريان وقف إطلاق النار في أكتوبر، باتوا مضطرّين إلى التعامل مع ظروف المعيشة على ما هي عليه.
ويعني ذلك السعي إلى تأمين مياهٍ نظيفة، وإيجاد مصادر للكهرباء والإنترنت، وتدبير الغذاء، والتعامل مع الآفات الناقلة للأمراض كالجرذان، وهي مشكلةٌ تزداد تفاقماً مع اقتراب فصل الصيف.
سماح، النازحة من بيت لاهيا شمال غزة، حاولت شراء سمّ للجرذان، لكنّها تقول إنّ الأسعار مرتفعةٌ جداً، فيما تكاد أموال الأسرة لا تكفي لتأمين الطعام.
قبل الحرب، كان زوجها يعمل مزارعاً لزراعة الفراولة، وكانت أحوالهم المادية مستقرّةً نسبياً. أمّا اليوم، فقد توقّف دخل الأسرة كلياً، وأصبح تأمين الغذاء الشاغل الأوّل.
والمشكلة أنّ أيّ طعامٍ تحضره لأسرتها قد يجذب المزيد من الجرذان.
تقول سماح: «كثيراً ما أحضر طعاماً من مطبخ الجمعية، وأغطّيه، ثمّ أعود بعد وقتٍ قصير فأجد عليه فضلات الجرذان. أضطرّ إلى رميه كلّه... إنّها تفسد أكياس الطحين دائماً».
كما تدمّر الجرذان الملابس والمتعلّقات الشخصية وحتى الخيام. تضيف سماح: «أكلت الجرذان ملابسنا وحقائبنا... وأطراف خيمتنا، كلّ شيء».
وعلى الرغم من جهودها المتواصلة في التنظيف، تؤكّد سماح أنّ الجرذان لا تتوقّف عن الغزو. وتشدّد على أنّ المشكلة عامّةٌ ولا تقتصر على خيمتها.
وتلفت إلى أنّ المحاولات الفردية لإزالة الأنقاض تؤدّي أحياناً إلى انتشار القوارض في المناطق المحيطة.
تقول: «الجميع من حولي يعاني... الجيران والأقارب، الكلّ يشكو من الجرذان... في كلّ مرّة ينظّفون مكاناً، تأتي الجرذان إلينا... المسألة تحتاج إلى جهدٍ رسمي منظّم للسيطرة عليها».
ومن المتوقّع أن يزيد فصل الصيف من حدّة الأزمة، مع تصاعد انتشار الحشرات والبعوض.
لكنّ الخوف الأكبر يبقى من الجرذان التي تتكاثر أعدادها بوتيرةٍ متصاعدة.
وترى سماح ومن حولها أنّ الحلّ يستلزم تدخّلاً جماعياً عاجلاً، تضطلع فيه البلديات والمؤسّسات بإزالة الأنقاض وتوفير مواد مكافحة الآفات والسموم اللازمة للقضاء على القوارض.
مواجهةٌ شبه مستحيلة
يصف الدكتور أيمن أبو رحمة، مدير الطبّ الوقائي في وزارة الصحة، غزة بأنّها «بيئةٌ صحية خطرة» أفضت إلى انتشارٍ غير مسبوق للقوارض.
ويعزو ذلك إلى ثلاثة أسبابٍ رئيسية: تراكم النفايات، وتدمير البنية التحتية لشبكات الصرف الصحي، ووجود الأنقاض والجثث المتحلّلة تحتها.
ويوضح أبو رحمة أنّ ثمّة ارتفاعاً مستمرّاً في حالات الطوارئ والرعاية الأولية الناجمة عن عضّات القوارض، لا سيّما بين الأطفال وكبار السن. ويُعدّ مرضى السكّري الأكثر عرضةً للخطر، إذ قد لا يشعرون بالعضّات، ممّا يفضي إلى مضاعفاتٍ بالغة الخطورة.
ويضيف أنّ الجرذان تنقل الأمراض أيضاً عبر البول والفضلات، ممّا يتسبّب في الحمّى وأعراضٍ أخرى.
في السياق ذاته، يقول مسؤولون في بلدية غزة إنّ الأوضاع تزداد سوءاً بفعل الحظر الإسرائيلي على استيراد مواد مكافحة الآفات، بما فيها سمٌّ كان يُستخدم سابقاً لمكافحة القوارض، فيما باءت جهود إيجاد بدائل بالفشل.
شاهد ايضاً: لبنان وإسرائيل يلتقيان الخميس في محادثاتٍ مباشرة
وتتفاقم مشكلة إدارة النفايات كذلك، إذ تحتوي مكبّ النفايات الرئيسي في مدينة غزة على نحو 300,000 متر مكعب من النفايات، ممّا يوفّر بيئةً خصبةً لتكاثر القوارض في منطقةٍ مكتظّة بالسكّان.
ويدرس المسؤولون تحويل النفايات إلى سمادٍ عضوي، لكنّ الحلول تبقى محدودةً بسبب تدمير الحرب لمعظم المعدّات التي تحتاجها البلدية لتنفيذ مثل هذا المشروع.
تداعياتٌ صحية متراكمة
مع شُحّ الحلول، يرزح سكّان غزة تحت وطأة معاناةٍ متصاعدة.
كان باسل الدحنون يعاني أصلاً من أمراضٍ متعدّدة حين أضافت عضّة جرذٍ مفاجئة إلى آلامه عبئاً جديداً.
يقول الرجل البالغ من العمر 47 سنة إنّه كان عائداً من جلسة غسيل كلوي في المستشفى حين أخذه النعاس من شدّة الإرهاق.
استيقظ لاحقاً على وخزٍ خفيف في قدمه، فلاحظت زوجته جرذاً داخل الخيمة، وأضاءت مصباحاً كهربائياً، لتخبره أنّ قدمه تنزف بغزارة.
يقول باسل و هو جالسٌ على كرسيّه المتحرّك داخل خيمته: «نظرت إلى قدمي، فإذا بالفراش والحصيرة مليئَين بالدم... ثمّ التفتت زوجتي ورأت الجرذ فطاردته... عندها أدركت أنّه عضّ قدمي».
ويضيف: «بسبب مرضي، فقدت الإحساس تدريجياً في أطرافي، لذلك لم أشعر بعضّة الجرذ».
باسل الذي يعاني من الفشل الكلوي والسكّري وضعفٍ حادّ في البصر يكاد يُفقده الرؤية كلياً، نُقل فوراً إلى المستشفى حيث تلقّى العلاج.
يقول: «من المعروف أنّ جروح مرضى السكّري تلتئم بصعوبة وقد تتفاقم. أخذ الأطباء عيّناتٍ من كعبي وأصابع قدمي للتحقّق من وجود عدوى... وللأسف، جُدول موعدٌ لإجراء جراحةٍ خلال يومَين بسبب الجرح».
منذ تلك الليلة، يعيش باسل في خوفٍ دائمٍ على نفسه وأطفاله الأربعة، لا يكفّ هو وزوجته عن التفقّد المتواصل رغم محدودية قدرته الجسدية.
يقول: «طوال الليل أسمع الجرذان خارج الخيام تحاول الاقتحام أو تمزيق القماش... أسمعها حتى وأنا مستلقٍ».
في المخيّم الذي يقطنه باسل، لا بنية تحتية، ولا فصل بين مناطق النوم والطهي والصرف الصحي والنفايات، وهو ما أتاح للقوارض أن تتكاثر وتنتشر دون رادع.
يقول: «أريد أن يأتي أحدٌ ويصوّر هنا ليلاً... الأعداد ضخمةٌ جداً، ليس جرذاً واحداً أو اثنَين... نحاول مقاومتها بالعصي والمكانس، لكن لا يوجد سمٌّ ولا أيّ حلٍّ حقيقي».
ويختم باسل بكلماتٍ تختصر واقع آلاف المهجَّرين: «أنا منهكٌ نفسياً... منهكٌ حقاً. لم أطلب مالاً... لا شيء... أريد فقط أن أعيش باستقرار... في مكانٍ نظيف... هذه ليست حياة».
أخبار ذات صلة

جنود إسرائيليون في السجن بعد تحطيم تمثال اليسوع في لبنان

الاتحاد الأوروبي يواجه ضغطاً لإعادة النظر في اتفاقية إسرائيل

جندي فرنسي يخدم مع يونيفيل يقتل في هجوم لبناني
