تداعيات تدنيس الرموز المسيحية في إسرائيل
تسبب جندي إسرائيلي بتدنيس تمثال مسيحي، مما أثار ردود فعل غاضبة في إسرائيل والعالم. بينما تسعى الحكومة لتبرير أفعالها، يتزايد القلق حول دعم المسيحيين لإسرائيل في ظل الانتهاكات المستمرة. تفاصيل مثيرة في خَبَرَيْن.

لم يكن بمقدور المؤسسة السياسية الإسرائيلية تجاهل مشهد جندي إسرائيلي يهوي بمطرقته على تمثال مسيحي يصوّر صلب المسيح عيسى عليه السلام في جنوب لبنان. فإسرائيل دأبت على تقديم نفسها حاميةً للمسيحيين، وهي تحتفظ بتحالف وثيق مع تيار الصهيونية المسيحية النافذ في الولايات المتحدة.
غير أنّ إسرائيل، في ظلّ تراجع دعمها في الغرب جرّاء حربها على غزة وعملياتها في لبنان وإيران، باتت تفقد أيضاً جزءاً من تأييد المسيحيين لها، وذلك قبل أن تنتشر مقاطع تدنيس التمثال انتشاراً واسعاً.
وفي ردّه على الحادثة يوم الاثنين، بعد يومٍ من انتشار المقطع، لجأ رئيس الوزراء الإسرائيلي Benjamin Netanyahu إلى خطابه المعتاد القائل بأنّ إسرائيل تحترم جميع الأديان، في حين يُشير منتقدوه إلى أنّ حكومته تنتهج في الواقع عكس ذلك باستمرار.
وبينما أبدى بعض المؤيدين لإسرائيل غضبهم من تصرّف الجندي، أعلنت إسرائيل يوم الثلاثاء سجنه لمدة 30 يوماً، إلى جانب جندي آخر كان يصوّر المشهد. كما استُدعي ستة جنود آخرون للتحقيق.
تجدر الإشارة إلى أنّ هذا الإجراء يبدو استثنائياً قياساً بالنمط السائد في التحقيقات العسكرية الإسرائيلية، التي تنتهي في الغالب إلى تبرئة الجنود. بل إنّه لم يُوجَّه حتى الآن أيّ اتهام لجندي إسرائيلي بقتل فلسطيني خلال هذا العقد، على الرغم من سقوط آلاف الشهداء خارج سياق حرب غزة، من بينهم اغتيال مراسلة قناة الجزيرة في الضفة الغربية المحتلة شيرين أبو عقلة عام 2022، وهي نفسها مسيحية.
وأشار Yossi Mekelberg، الباحث الأول الاستشاري في Chatham House، إلى أنّ الاستجابة الإسرائيلية العلنية لحادثة تدنيس تمثال المسيح جاءت في سياقٍ بالغ الحساسية، لا سيما أنّ المؤيدين المسيحيين لإسرائيل يحتلّون مكانةً محورية في إدارة الرئيس Donald Trump، من بينهم السفير الأمريكي لدى إسرائيل Mike Huckabee.
وكثيراً ما يستند هؤلاء المؤيدون في تبرير دعمهم إلى التفسيرات الصهيونية المسيحية للكتاب المقدّس، مع التشديد على منظومة القيم «اليهودية-المسيحية» والتراث الحضاري المشترك.
بيد أنّ الإجراء الرسمي الإسرائيلي في هذه القضية يُسلّط الضوء بصورةٍ أشدّ على حالات التقاعس في قضايا أخرى مماثلة.
وقال Mekelberg: «هذا الاعتداء على تمثال المسيح، والاعتداءات على المساجد من قِبَل المستوطنين، وقتل الفلسطينيين، كلّها جرائم حرب. المشكلة أنّنا لا نعرف حجمها الحقيقي. لم نعلم بهذه الحادثة إلا لأنّهم صوّروها».
سجلّ من الانتهاكات
على امتداد النزاعَين في غزة ولبنان، رصد المراقبون والمحللون تبايناً صارخاً بين ردود الفعل الإسرائيلية على الاعتداءات التي تطال الرموز والمواقع المسيحية، وما شهدته المواقع الإسلامية من دمارٍ واسع النطاق.
في مارس الماضي، وجد Netanyahu نفسه مضطرّاً إلى تبرير قرار منع الكاردينال Pierbattista Pizzaballa، بطريرك اللاتين في القدس، من دخول كنيسة القيامة للاحتفال بأحد الشعانين، أحد أقدس الأيام في التقويم المسيحي. ولم تمضِ ساعات حتى نشر Netanyahu على وسائل التواصل الاجتماعي توضيحاً أكّد فيه أنّه لم تكن ثمّة «أيّ نية خبيثة على الإطلاق، بل مجرّد حرصٍ على سلامته».
وفي يوليو الماضي، اضطرّ Netanyahu مجدّداً إلى الاعتذار عن ضربةٍ طالت كنيسةً ثالثة في غزة، وذلك تحت ضغطٍ من إدارة Trump، إثر ارتقاء ثلاثة من المئات الذين كانوا يلجؤون إليها، وإصابة عددٍ آخرين من بينهم كاهن الرعية الذي كان يتواصل بانتظام مع البابا الراحل فرنسيس.
وفي بيانٍ صادر عن مكتبه، أعرب رئيس الوزراء الإسرائيلي عن «أسفه العميق» لما وصفه بضربةٍ غير مقصودة، قائلاً: «كلّ روحٍ بريئة تُزهَق مأساة. نتشارك حزن العائلات والمؤمنين»، دون أن يُشير إلى ما يقارب 60,000 من الرجال والنساء والأطفال الفلسطينيين الذين قتلتهم قواته حتى تلك اللحظة.
وطوال فترة الحرب، حرص المدافعون عن إسرائيل على توظيف مفهوم «القيم اليهودية-المسيحية» لتبرير العمليات الإسرائيلية وتجاوزاتها المتكرّرة للقانون الدولي. غير أنّ الاعتداءات على الرموز المسيحية في لبنان، وما يعانيه المسيحيون الفلسطينيون من تهجيرٍ واحتلال لا يختلف عمّا يواجهه جيرانهم المسلمون، تطرح تساؤلات جدية حول مصداقية هذا الخطاب الحضاري المشترك.
وقال HA Hellyer، الباحث الأول في Center for American Progress والباحث الأول المشارك في Royal United Service Institute: «أعتقد أنّ كثيراً من المدافعين عن إسرائيل في الغرب يحبّون تصويرها على أنّها "نحن"، لكن هناك، كما لو أنّ غابةٌ مظلمة من نوعٍ ما».
شاهد ايضاً: لبنان وإسرائيل يلتقيان الخميس في محادثاتٍ مباشرة
وأضاف Hellyer: «لذا يمكنهم تبرير قتل الإسرائيليين للعرب بالآلاف. بل يمكنهم حتى تبرير قتل المسيحيين. لكن حين ترى جنوداً إسرائيليين يدمّرون رموزاً مسيحية، يصبح الدفاع عن هذه الأفعال أمراً عسيراً، ويصعب كبح الموجة المتنامية من المؤيدين الأمريكيين، ديمقراطيين وجمهوريين على حدٍّ سواء، الذين يتحوّلون عن إسرائيل».
ما مستقبل العلاقة بين إسرائيل والمسيحيين؟
في حين تحرص الحكومة الإسرائيلية على صون صورة الرابطة اليهودية-المسيحية، تتصاعد شكاوى التحرّش التي ترفعها الجماعات المسيحية داخل إسرائيل، لا سيما في ظلّ صعود اليمين الإسرائيلي المتطرّف وتمدّده داخل الحكومة.
ففي عام 2025، رصد مركز Rossing للتعليم والحوار بين الأديان 155 حادثة استهدفت مسيحيين في إسرائيل، في ارتفاعٍ لافت مقارنةً بالعام السابق. وكان الاعتداء الجسدي الأكثر شيوعاً، إذ شكّل 39 بالمئة من الحوادث، فضلاً عن حوادث بصق ورشّ بالفلفل الحار وضرب.
وأشار التقرير إلى أنّ الأعياد المسيحية، وتحديداً تلك المرتبطة بموسم عيد الفصح، باتت مصدراً خاصاً للتوتر، إذ يتعرّض رجال الدين والراهبات الذين يرتدون الزيّ الديني المسيحي في القدس الغربية والقدس الشرقية المحتلة لخطر التحرّش في كلّ مرة يدخلون فيها الأماكن العامة.
وقال عالم الاجتماع الإسرائيلي البارز Yehouda Shenhav-Shahrabani: «لقد دخلنا مرحلةً ما يسمّيه، الباحث الأسترالي في دراسات الإبادة الجماعية، Dirk Moses بـ"الأمن الدائم"، حيث يجب تدمير كلّ ما هو مختلف، كلّ ما قد يشكّل تهديداً، أو حتى ما قد يكون تهديداً في المستقبل».
وهذا الاختلاف متجذّر في صميم الهوية المسيحية ذاتها.
وأوضح Shenhav-Shahrabani: «الأمر لا علاقة له باليمين أو اليسار. بل يصل إلى مستوى اللغة. في العبرية اليومية، يُشار إلى المسيح بـ"Yeshu"، وهي كلمة شتيمة، عوضاً عن "Yeshua" وهو الاسم الصحيح».
وتابع: «هذا أمرٌ شائع، هكذا يُستخدَم في الإعلام اليومي. إذا كان هذا هو نقطة البداية، فلا فرق حينئذٍ بين الغباء والجهل، كلاهما يُفضي إلى المكان ذاته».
أخبار ذات صلة

ترامب يناقش إعادة بناء غزة مع "مجلس السلام" و"DP World" الإماراتية
