تحديات وقف إطلاق النار وتأثيره على لبنان
تساؤلات حول صمود وقف إطلاق النار في لبنان بعد استئناف الهجمات الإسرائيلية. كيف يؤثر "الخطّ الأصفر" على الأوضاع؟ وما هي تبعاته على السيادة اللبنانية؟ اقرأ المزيد عن الوضع المتأزم في المنطقة على خَبَرَيْن.

-وفّر وقف إطلاق النار أملاً في إنهاء أسابيع من القصف الإسرائيلي المتصاعد على لبنان، غير أنّ استئناف الهجمات الإسرائيلية وإنشاء منطقة عسكرية تُشبه «الخطّ الأصفر» المعمول به في غزة باتا يُلقيان بظلالٍ كثيفة من الشكّ على صمود هذا الاتفاق.
دخل وقف إطلاق النار الذي امتدّ عشرة أيام حيّز التنفيذ مساء الخميس، وذلك في أعقاب 46 يوماً من القصف الإسرائيلي المتواصل وعمليات التوغّل البري في جنوب لبنان. وفي غضون ساعاتٍ من بدء سريانه، رصدت التقارير قيام القوات الإسرائيلية بعمليات هدم وقصف مدفعي وتجريف للأراضي في عدد من المناطق الحدودية، في ما وُصف بأنّه انتهاكٌ صريح لشروط الاتفاق.
وفي صلب الخلاف يقع ما تُسمّيه إسرائيل «الخطّ الأصفر»، وهو شريطٌ عسكري يمتدّ نحو 10 كيلومترات شمال الحدود داخل جنوب لبنان. ويؤكّد المسؤولون الإسرائيليون نيّتهم إبقاء هذه المنطقة تحت سيطرتهم العسكرية، مع احتفاظهم بحقّ ضرب أيّ هدف فيها بذريعة اجتثاث حزب الله. في المقابل، رفضت بيروت وحزب الله هذا الإجراء بوصفه احتلالاً للأراضي السيادية اللبنانية يُناقض الجوهر ذاته لوقف إطلاق النار.
ما «الخطّ الأصفر»؟
شاهد ايضاً: مضيق هرمز: 24 ساعة من التصعيد والتراجع المتسارع
أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أنّ قواته «تبقى في لبنان في منطقة عازلة أمنية مُعزَّزة»، مضيفاً: «هذا شريطٌ أمني بعمق عشرة كيلومترات، أكثر متانةً وكثافةً واستمراريةً وصلابةً ممّا كان لدينا سابقاً. هذا هو موقعنا ولن نغادره».
وقد استدعى هذا الخطّ مقارناتٍ مباشرة مع ما يجري في غزة، حيث قسّمت إسرائيل الأراضي الفلسطينية إلى مناطق منفصلة، تحتلّ القوات الإسرائيلية منطقةً شرقية تُمثّل 60 بالمئة من مساحة القطاع، فيما يُكتظّ النازحون في الجزء الغربي المتبقّي.
وفي غزة، تُطلق القوات الإسرائيلية النار بشكلٍ اعتيادي على كلّ من يقترب من هذا الخطّ، وهدمت مئات المنازل في المنطقة العازلة الفعلية. وقد أودت الهجمات الإسرائيلية بحياة أكثر من 700 شخص وأصابت نحو 2000 آخرين منذ إبرام «وقف إطلاق النار» الذي رعته الولايات المتحدة في أكتوبر الماضي.
وخلال إحاطةٍ صحفية يوم السبت، أكّد كبار المسؤولين العسكريين الإسرائيليين أنّ «النموذج الذي طُبِّق في غزة عبر الخطّ الأصفر سيُعمَّم على لبنان، وقد أرست القوات الإسرائيلية (IDF) هذا الخطّ وتعمل حالياً على تثبيته». وأضاف هؤلاء المسؤولون أنّه لن يُسمح للسكّان بالعودة إلى 55 بلدةً وقريةً لبنانية تقع ضمن نطاق هذه المنطقة.
وفي السياق ذاته، أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس يوم الجمعة أنّ الجيش الإسرائيلي «سيواصل الإمساك بجميع المواقع التي أخلاها وأمّنها والسيطرة عليها».
هل يُجيز وقف إطلاق النار لإسرائيل مواصلة الهجمات؟
أثار نصّ اتفاق وقف إطلاق النار خلافاً فورياً؛ إذ يُشير إلى أنّ إسرائيل ولبنان «ستُنفّذان وقفاً لإطلاق النار»، ثمّ يُورد لاحقاً أنّ إسرائيل «تحتفظ بحقّها في اتخاذ جميع التدابير اللازمة للدفاع عن النفس، في أيّ وقت، في مواجهة أيّ هجماتٍ مخطَّطة أو وشيكة أو جارية».
ويرى المحلّلون أنّ هذه البنود تنطوي على تناقضاتٍ صارخة وتُفسح المجال لتأويلاتٍ واسعة. وأفادت مصادر بأنّ الصياغة التي أصدرتها وزارة الخارجية الأمريكية تبدو وكأنّها تُجيز لإسرائيل التصرّف وفق تعريفها هي للدفاع عن النفس. و: «وإسرائيل تُعرِّف ذلك بمدلولٍ واسع جداً، فلا يقتصر الأمر على التهديدات الوشيكة والجارية، بل يمتدّ ليشمل حتى التهديدات المخطَّطة».
وأشارت المصادر إلى أنّ القوات الإسرائيلية واصلت عمليات الهدم في القرى اللبنانية، وأطلقت نيران المدفعية والرشاشات على التجمّعات السكانية القريبة من خطّ المواجهة أو «الخطّ الأصفر».
وفي هذا الإطار، أعلنت إسرائيل شنّ غاراتٍ جوية بعد دخول وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ؛ استهدفت الأولى، وفق الرواية الإسرائيلية، مقاتلين كانوا يقتربون من قواتها قرب «الخطّ الأصفر»، فيما ادعت في أنّ الثانية استهدفت أشخاصاً يدخلون نفقاً داخل المنطقة ذاتها.
و «يبدو أنّ إسرائيل تفرض هذا الخطّ بالأسلوب ذاته المتّبع في غزة، عبر إطلاق النار بل والغارات الجوية»، مضيفةً: «وتُصرّ إسرائيل على أنّ هذه الإجراءات لا تُشكّل انتهاكاً لشروط وقف إطلاق النار».
على الصعيد الميداني، إنّ القوات الإسرائيلية فجّرت منازل في بلدة حانين يوم السبت، بينما استُهدفت بيت ليف والقنطرة وتول بقذائف مدفعية، فضلاً عن استمرار الجرّافات الإسرائيلية في عمليات الهدم وتجريف الأراضي في مناطق عدة من جنوب لبنان.
وفي السياق ذاته، وُجِّهت اتهاماتٌ لحزب الله بتنفيذ كمينٍ استهدف قوات حفظ السلام الأممية في لبنان يوم السبت، أسفر عن مقتل جنديٍّ فرنسي وإصابة ثلاثة آخرين. وقد حمّل الرئيس الفرنسي Emmanuel Macron الحزبَ المسؤولية عن الهجوم، في حين نفى حزب الله أيّ صلةٍ له بالحادثة.
كيف ردّ حزب الله؟
وصف حزب الله اتفاق وقف إطلاق النار بأنّه «إهانةٌ لبلدنا» و«منحدرٌ زلق لا نهاية له»، مُعلناً: «وقف إطلاق النار يعني وقفاً كاملاً لجميع الأعمال العدائية. ولأنّنا لا نثق بهذا العدو، سيبقى المقاومون في الميدان جاهزين للردّ على أيّ انتهاك. ولا يمكن أن يكون وقف إطلاق النار من جانبٍ واحد؛ لا بدّ أن يكون متبادلاً».
وأكّد الحزب لاحقاً أنّ مقاتليه سيبقون في مواقعهم وسيردّون على الانتهاكات الإسرائيلية، مُصرّاً على ضرورة انسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي اللبنانية المحتلة حتى الحدود. وتُشير هذه المواقف إلى أنّ الحزب لا يعتبر وقف إطلاق النار مُلزِماً له في حال استمرار الهجمات الإسرائيلية أو بقاء القوات الإسرائيلية داخل لبنان. غير أنّ الطرفين يُصرّان رسمياً على أنّ وقف إطلاق النار لا يزال سارياً، على الرغم من الانتهاكات المتواصلة.
وقد ربط حزب الله وقف إطلاق النار بمسار الدبلوماسية الإقليمية الأشمل المتعلّق بإيران، في ظلّ توقّعاتٍ بعقد محادثاتٍ أمريكية-إيرانية في إسلام آباد خلال الأيام المقبلة. وقد أوضح المسؤولون الإيرانيون أنّ وقف إطلاق النار في لبنان شرطٌ أساسي لأيّ تقدّمٍ حقيقي في مفاوضاتهم مع واشنطن، محذّرين من أنّ استمرار الهجمات الإسرائيلية هناك سيُعرّض السلام بين البلدين للخطر.
وفي المقابل، تُجري الحكومة اللبنانية محادثاتٍ موازية مع إسرائيل، وصفها حزب الله بأنّها «مهانة» و«مشهدٌ مُخجل». ويُخاطر قرار بيروت بالانخراط في هذه المفاوضات بتعميق الهوّة بين الحكومة والحزب.
شاهد ايضاً: العالم يرحب بوقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران، ويدعو إلى سلام دائم في الشرق الأوسط
وقد طالب المسؤولون الإسرائيليون واللبنانيون على حدٍّ سواء بنزع سلاح حزب الله، إلّا أنّ الأخير يُصرّ على أنّ أسلحته ضرورةٌ لحماية لبنان والمجتمعات في الجنوب، ولن يتخلّى عنها دون التوصّل إلى استراتيجية دفاع وطني متكاملة، مشترطاً أن تنسحب إسرائيل أوّلاً من الأراضي اللبنانية.
تجدر الإشارة إلى أنّ القوات الإسرائيلية لم تنسحب كلياً من جنوب لبنان في أعقاب وقف إطلاق النار الذي أُبرم في نوفمبر 2024 بين إسرائيل وحزب الله، إذ واصلت شنّ هجماتٍ داخل الأراضي اللبنانية في انتهاكٍ صريح لشروط الاتفاق، في حين التزم حزب الله بعدم الردّ عليها في إطار اتفاق 2024.
لماذا تتصاعد المخاوف من احتلالٍ دائم؟
يرى عددٌ من المحلّلين أنّ إسرائيل تسعى إلى تعزيز أوراق ضغطها استعداداً لمفاوضاتٍ مستقبلية. وفي هذا الإطار، قال المحلّل السياسي عابد أبو شهادة إنّه يلمح إلى استراتيجيةٍ إسرائيلية جديدة، لا في لبنان وحده بل في سوريا أيضاً، تستهدف تكريس النفوذ من خلال التوسّع الجغرافي. وأضاف: «في أيّ مفاوضاتٍ مستقبلية، ستسعى إسرائيل إلى التمسّك بهذه الأراضي واستخدامها ورقةَ ضغطٍ بأقصى ما يمكن».
وكانت إسرائيل قد احتلّت جنوب لبنان لسنواتٍ قبل انسحابها عام 2000، مع استمرار سيطرتها على منطقة مزارع شبعا. كما تواصل احتلال مرتفعات الجولان السورية والأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية المحتلة.
وبالنسبة لكثيرٍ من اللبنانيين، يُثير «الخطّ الأصفر» مخاوف جدية من أن تتحوّل المنطقة العسكرية المؤقتة إلى احتلالٍ مطوَّل تحت غطاء وقف إطلاق النار. وفي ظلّ استمرار تمركز القوات الإسرائيلية داخل لبنان ومواصلة العمليات العسكرية، يرى المنتقدون أنّ الهدنة باتت آليةً لتشريع الاحتلال لا لإنهائه.
أخبار ذات صلة

العودة إلى الجنوب المدمّر: اللبنانيون يختبرون الهدنة الهشّة

لماذا يمكن أن تؤدي هجمات إسرائيل على لبنان إلى إفشال الهدنة بين الولايات المتحدة وإيران

ترامب عن إيران: "حضارة كاملة ستنقرض الليلة"
