ألمانيا تفشل في الحصول على مقعد بمجلس الأمن الدولي
فشلت ألمانيا في الحصول على مقعد مؤقت في مجلس الأمن، حيث أرجع وزير خارجيتها الهزيمة لدعم برلين لإسرائيل. انتقادات داخلية تتصاعد، وسط تساؤلات حول تأثير مواقفها على مكانتها الدولية. اكتشف التفاصيل في خَبَرَيْن.

فشلت ألمانيا، الأربعاء، في الحصول على مقعد مؤقّت في مجلس الأمن الدولي، وأشار وزير خارجيتها يوهان فاديفول إلى أنّ دعم برلين لإسرائيل ربّما كلّفها أصواتاً حاسمة.
يتألّف مجلس الأمن من 15 عضواً، منهم خمسة أعضاء دائمون وعشرة أعضاء منتخبون لفترات مدّتها سنتان. وكانت ألمانيا تتنافس مع النمسا والبرتغال على مقعدَين مخصَّصَين لمجموعة "أوروبا الغربية وسواها"، إلّا أنّ الدولتَين الأخريَين حصدتا المقعدَين في نهاية المطاف.
حصل مرشَّح فاديفول على 104 أصوات في الجمعية العامة للأمم المتحدة، أي بفارق 23 صوتاً عن أغلبية الثلثين المطلوبة للفوز. وهذه المرّة الأولى التي تخفق فيها ألمانيا في الحصول على مقعد دوري في مجلس الأمن بعد عقود من النجاح في تأمين أحد المقاعد الأوروبية الغربية كلّ ثماني سنوات.
ما ردّ الفعل في ألمانيا؟
سافر فاديفول إلى نيويورك الأسبوع الماضي للتواصل الشخصي مع الدول لصالح ترشيح ألمانيا، وأجرى لقاءات مع نحو 80 وزيراً وسفيراً في الأمم المتحدة، كما استضاف حفل استقبال مساء الاثنين.
غير أنّ الهزيمة أشعلت على الفور موجة انتقادات داخلية ضدّ المستشار فريدريش ميرتس، الذي تولّى منصبه واعداً باستعادة نفوذ ألمانيا في أوروبا والساحة الدولية.
وصفت أليس فايدل، المشاركة في قيادة حزب "البديل من أجل ألمانيا" (AfD) اليميني المتطرّف، النتيجةَ بأنّها "إحراج"، فيما قال أديس أحمتوفيتش، المتحدّث باسم السياسة الخارجية في الكتلة البرلمانية للحزب الاشتراكي الديمقراطي، إنّ التصويت "مقياسٌ لكيفية نظر العالم إلى ألمانيا".
وعزا وزير الخارجية الألماني الهزيمة إلى مواقف بلاده من أوكرانيا وإسرائيل على حدٍّ سواء، قائلاً للصحفيين: "اتّخذنا دائماً مواقف واضحة في قضايا بعينها، وهي مواقف لا تشاطرنا إيّاها جميع الدول الأعضاء"، مضيفاً أنّه "ليس سرّاً" أنّ روسيا عملت على تأليب الرأي ضدّ ترشيح ألمانيا.
وقال: "ثمّة دعمنا الراسخ لأوكرانيا؛ و روسيا لا تريد صوتاً كهذا في مجلس الأمن."
لكنّه أقرّ في الوقت ذاته بأنّ دعم ألمانيا لإسرائيل ربّما أضرّ بحظوظها، مشيراً إلى الإرث التاريخي المرتبط بالمحرقة النازية إبّان الحرب العالمية الثانية: "إنّ تحمُّل ألمانيا دائماً مسؤوليةً خاصّة تجاه إسرائيل في الصراع في الشرق الأوسط ربّما كلّفنا أصواتاً أيضاً."
لماذا أخفقت ألمانيا في الحصول على مقعد في مجلس الأمن؟
رفض بعض المحلّلين الادّعاء بأنّ دعم ألمانيا لأوكرانيا كان عاملاً مؤثّراً في التصويت، مُرجِّحين أنّ المعارضة الدولية لموقف برلين من إسرائيل كانت العامل الحاسم.
قال تريتا بارسي، نائب الرئيس التنفيذي لمعهد Quincy Institute for Responsible Statecraft: "لنكن صريحين: دعم ألمانيا لأوكرانيا لم يكن له أيّ علاقة بالأمر. فالبرتغال والنمسا اللتان تفوّقتا على ألمانيا ليستا أقلّ دعماً لأوكرانيا."
وأضاف: "الأمر كلّه متعلّق بدعم ألمانيا لإبادة إسرائيل الجماعية، وبالطريقة التي كانت الحكومة الألمانية مستعدّة من خلالها لتقويض القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة لصالح إسرائيل. دعم ألمانيا الأعمى للجرائم الإسرائيلية كلّفها مقعدها في مجلس الأمن. وهذا ما تستحقّه."
ورأى بارسي أيضاً أنّ السياسة الخارجية الألمانية الأخيرة أضرّت بمكانة البلاد الدولية، على الرغم من ثقلها الدبلوماسي ومساهماتها المالية في الأمم المتحدة، مستطرداً: "لست مندهشاً البتّة من خسارة ألمانيا ترشّحها لمقعد منتخب في مجلس الأمن، رغم كونها ثاني أكبر مساهم مالي في الأمم المتحدة ودورها القيادي في التفاوض على ميثاق المستقبل… آمل أن يدفع ذلك برلين إلى مراجعة جدّية لسياساتها."
كذلك ربط كريغ موخيبر، المدير السابق لمكتب نيويورك التابع لمفوّضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، الهزيمةَ بموقف ألمانيا من إسرائيل وفلسطين، قائلاً: "في لحظة نادرة من العدالة في الجمعية العامة للأمم المتحدة اليوم، خسرت ألمانيا ترشّحها لمقعد في مجلس الأمن."
وأضاف: "دعم ألمانيا الفاضح للإبادة الجماعية في فلسطين والعدوان على إيران، وقمعها للمدافعين عن حقوق الإنسان داخل أراضيها، كلّها أمور كانت حاضرة للعيان حين منحت الهيئة ألمانيا هذه الخسارة غير المسبوقة."
ومنذ اندلاع الحرب الإسرائيلية على غزّة في أكتوبر 2023، شدّدت ألمانيا قبضتها على الاحتجاجات المؤيّدة لفلسطين وأصدرت أوامر ترحيل بحقّ عدد من الناشطين، ما استقطب انتقادات دولية واسعة.
هل تربط ألمانيا بإسرائيل علاقة "خاصّة"؟
اتّبع الدبلوماسيون الألمان في الجمعية العامة للأمم المتحدة نهجاً حذراً تقليدياً إزاء إسرائيل، إذ كثيراً ما امتنعوا عن التصويت على القرارات المتعلّقة بإسرائيل وفلسطين، مع إبقائهم على دعمهم لحلّ الدولتَين والقانون الدولي.
منذ أكتوبر 2023، صوّتت الجمعية العامة على سبعة قرارات على الأقلّ تتعلّق بغزّة والقضية الفلسطينية. امتنعت ألمانيا عن التصويت في أربعة منها، بما فيها قراران عام 2023 طالبا بهدنة إنسانية أو وقف لإطلاق النار.
كما امتنعت برلين عن التصويت على دعم طلب فلسطين للحصول على عضوية أممية معزَّزة، وعلى قرار يطالب إسرائيل بإنهاء وجودها غير المشروع في الأراضي الفلسطينية المحتلّة. وصوّتت لاحقاً لصالح قرارات وقف إطلاق النار، بما فيها قرار عام 2024 وآخر عام 2025. وبحلول ذلك الوقت، كان عشرات الآلاف من الفلسطينيين قد استشهدوا في غزّة. وقد تجاوز عدد الشهداء في القطاع في ما تصفه منظّمات حقوق الإنسان بالإبادة الجماعية الإسرائيلية 70,000 شهيد ، فضلاً عن آلاف آخرين في عداد المفقودين ويُرجَّح أنّهم ارتقوا تحت الأنقاض.
ومنذ وقف إطلاق النار في أكتوبر الماضي، زار المستشار فريدريش ميرتس إسرائيل والتقى بنيامين نتنياهو، على الرغم من إصدار المحكمة الجنائية الدولية (ICC) مذكّرة توقيف بحقّ رئيس الوزراء الإسرائيلي عام 2024، وأمر محكمة العدل الدولية (ICJ) إسرائيلَ بالامتناع عن ارتكاب أعمال إبادة جماعية في غزّة في العام ذاته، في إطار تحقيقها في الدعوى التي رفعتها جنوب أفريقيا. وقد انضمّت دول عدّة منذ ذلك الحين إلى الدعوى القانونية التي أقامتها جنوب أفريقيا ضدّ إسرائيل.
وخلال زيارته لإسرائيل في ديسمبر الماضي، صرّح ميرتس بأنّ ألمانيا لا تعتزم الاعتراف بدولة فلسطينية "في المستقبل المنظور".
وجاءت زيارته بعد أيّام قليلة من رفع ألمانيا تعليقاً مدّته ثلاثة أشهر على موافقات تصدير الأسلحة التي يمكن استخدامها في غزّة. وكشف تحقيق نشر مؤخّراً أنّ أسلحة ذات منشأ ألماني واصلت تدفّقها إلى إسرائيل حتّى خلال فترة تعليق الصادرات.
كما واجهت ألمانيا انتقادات من منظّمات حقوق الإنسان بسبب تعاملها الداخلي مع الناشطين المؤيّدين لفلسطين، إذ أظهرت مقاطع مصوّرة قوّات الشرطة الألمانية تستخدم أساليب مفرطة في القسوة لاعتقال محتجّين سلميّين.
ما الأسباب الأخرى لخسارة ألمانيا مقعدها في مجلس الأمن؟
يرى المراقبون أنّ ثمّة عوامل إضافية ساهمت في هذه الهزيمة إلى جانب الموقف من إسرائيل.
فالبرتغال، التي حصدت أحد المقعدَين المتنافَس عليهما، دخلت السباق بعلاقات دبلوماسية متينة مع الدول الناطقة بالبرتغالية والإسبانية، كما تنامت مكانتها الدولية في السنوات الأخيرة. يُضاف إلى ذلك أنّ أنطونيو كوستا يتولّى رئاسة المجلس الأوروبي، وأنطونيو غوتيريش يشغل منصب الأمين العام للأمم المتحدة، ممّا رسّخ صورة البرتغال بوصفها طرفاً دبلوماسياً محايداً نسبياً قادراً على استقطاب قاعدة واسعة من الدول، لا سيّما في الجنوب العالمي.
أمّا النمسا، فقد أفادها حيادها العسكري المكرَّس دستورياً؛ فخلافاً لألمانيا، لا تنتمي النمسا إلى حلف NATO، وهو موقف قد يستقطب الدول غير المنحازة في أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية. كما أسهمت مكانة فيينا بوصفها أحد المراكز الأممية الكبرى في بناء سمعة النمسا بوصفها فاعلاً متعدّد الأطراف ملتزماً.
وقد يكون التوقيت عاملاً إضافياً؛ إذ بدأت النمسا حملتها للحصول على مقعد لدورة 2027-2028 قبل سنوات من انضمام ألمانيا إلى السباق، ممّا منحها أفضليّة واضحة في بناء الدعم الدبلوماسي.
بيد أنّ الخبراء يرون أنّ فوز النمسا قد يعكس شيئاً أعمق: تراجع مكانة ألمانيا لدى شرائح من المجتمع الدولي، لا سيّما بسبب دعمها الثابت لإسرائيل.
فعلى الرغم من أنّ النمسا كانت تاريخياً من أشدّ المؤيّدين لإسرائيل في أوروبا شأنها شأن ألمانيا، إلّا أنّها بوصفها دولة أصغر حجماً ومحايدة عسكرياً، نجحت في تجنّب المستوى ذاته من التدقيق الموجَّه نحو برلين، ولم تتحوّل إلى رمز للدفاع عن السياسة الإسرائيلية على الساحة الدولية بالقدر ذاته.
وقد جسّد هذا الفارق في الإدراك وفق ما يُروى ما قاله دبلوماسي نمساوي رفيع لدول متردّدة خلال حملة الترشيح: صوّتوا للنمسا، قال، "تحديداً لأنّنا لسنا ألمانيا".
أخبار ذات صلة

خليل الرحمن: وزير خارجية بنغلاديش الذي فاز برئاسة الجمعية العامة للأمم المتحدة

إسرائيل ولبنان يتفقان على وقف إطلاق نار مشروط

قرار أمريكي نادر: مجلس النواب يقيّد صلاحيات ترامب في الحرب ضد إيران
