مقتل مكسيكي في أمريكا يهدد العلاقات الثنائية
مقتل مواطن مكسيكي على يد ICE يفاقم التوتر بين المكسيك والولايات المتحدة وسط دعوات مكسيكية لتحقيقات جنائية لحماية حقوق المهاجرين. هل تكشف الحادثة عن أزمة عميقة أم مجرد شرارة عابرة؟ تابع التفاصيل على خَبَرَيْن.






مقتل مواطن مكسيكي على يد عناصر دائرة الهجرة والجمارك الأمريكية (ICE) في مدينة هيوستن بات يُهدّد بتعميق الأزمة في العلاقات المكسيكية-الأمريكية التي تعاني أصلاً من توتّرٍ متراكم. والسؤال الذي يطرح نفسه: هل هذه الحادثة شرارةٌ عابرة، أم أنّها تكشف عن خللٍ بنيوي في العلاقة بين البلدين لم يعد بالإمكان تجاهله؟
أقدمت الرئيسة المكسيكية Claudia Sheinbaum في خطوةٍ غير مألوفة على الإعلان خلال مؤتمرٍ صحفي يوم الخميس عن مساعٍ مكسيكية لفتح تحقيقاتٍ مدنية وجنائية في الولايات المتحدة تتعلّق بوفاة 17 مواطناً مكسيكياً خلال عمليات تنفيذ قوانين الهجرة أو داخل مراكز الاحتجاز. وقالت الحكومة المكسيكية إنّ هذه التحقيقات تهدف إلى "حماية حقوق الإنسان للمكسيكيين في الولايات المتحدة".
كان الدافع المباشر لهذا الإعلان هو مقتل Lorenzo Salgado Araujo برصاص عناصر ICE في ولاية تكساس الأسبوع الماضي. وأفاد مسؤولو ICE بأنّ عناصرهم أطلقوا النار على Salgado Araujo، الذي وصفوه بأنّه مقيمٌ في الولايات المتحدة بصورة غير نظامية، بعد أن اصطدم بمركبة تابعة لجهات إنفاذ القانون ورفض الامتثال للأوامر الشفهية خلال إيقاف مروري.
غير أنّ عائلته طعنت في هذه الرواية، وأخبرت أنّ الرجل البالغ من العمر 52 عاماً وأب ثلاثة أطفال كان سيتوقف لو علم أنّ السيارة التي تبعته تعود لجهات إنفاذ القانون.
في المؤتمر الصحفي ذاته، طالبت Sheinbaum بتقديم شكاوى إلى اللجنة الأمريكية لحقوق الإنسان والمفوّض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان.
في المقابل، دافعت وزارة الأمن الداخلي الأمريكية عن تصرّفات ICE حين سُئلت عن تصريحات Sheinbaum، إذ قالت: "عناصر ICE مدرَّبون على استخدام الحدّ الأدنى الضروري من القوة للتعامل مع المواقف الخطرة، بما يكفل سلامة العامة وسلامة ضبّاطنا". وأضافت الوزارة أنّ المحتجزين في مراكز ICE "يتمتّعون بكامل ضمانات المحاكمة العادلة، ويُزوَّدون بالغذاء والماء والرعاية الطبية الكافية، ولهم حقّ التواصل مع ذويهم ومحاميهم".
رأى المحلّلون الذين تحدّثوا أنّ مقتل Salgado واستجابة المكسيك قد يُشيران إلى شرخٍ عميق في العلاقة بين السلطتين. وقال José Luis Valdés Ugalde، الأكاديمي في مركز أبحاث أمريكا الشمالية بالجامعة الوطنية المستقلة للمكسيك (UNAM): "هذه ليست حادثةً هامشية. إنّها تمسّ العلاقة الثنائية وملفّاتٍ عالقة بين المكسيك والولايات المتحدة"، في مقدّمتها "الأمن والهجرة والتجارة".
أمّا خبير الشؤون الدولية والكاتب الصحفي Fausto Pretelin، فقد وصف العلاقة بين البلدين بأنّها تمرّ بـ"أسوأ لحظاتها" في أعقاب مقتل Salgado Araujo. بيد أنّه يرى أنّ خطوات Sheinbaum ستزيد الأمور تعقيداً دون أن تُحقّق سوى مكاسب سياسية داخلية محدودة. وقال Pretelin واصفاً إعلان Sheinbaum: "إنّه أداءٌ مسرحي. الفرصة لمعالجة هذه القضايا بجدّية ضائعة. وحين أقول بجدّية، أعني أنّ القنوات الدبلوماسية هي السبيل الصحيح".
ولكن هل هذا صحيحٌ فعلاً؟ ثمّة من يحتجّ بأنّ القنوات الدبلوماسية استُنزفت بما يكفي، لا سيّما في هذا الملف تحديداً. فقد أفاد وزير الخارجية المكسيكي Roberto Velasco بأنّ بلاده أرسلت 11 مذكّرة احتجاج دبلوماسية إلى الولايات المتحدة بشأن وفيات مواطنيها، وأنّ المكسيك باتت مضطرّة للذهاب إلى "ما هو أبعد من النطاق الدبلوماسي".
هل كان ينبغي فعل أكثر من ذلك؟
في حين يحذّر Pretelin وValdés Ugalde من أنّ إعلان Sheinbaum سيُلقي بظلاله السلبية على العلاقات بين البلدين، يذهب بعض الخبراء إلى أنّ الرئيسة المكسيكية لم تذهب بعيداً بما يكفي أصلاً.
يقول الأكاديمي والكاتب Tomás Milton Muñoz Bravo، أستاذ العلاقات الدولية في UNAM، إنّ هذا النوع من الاستجابة كان ينبغي أن يأتي في وقتٍ أبكر بكثير. وقال Muñoz Bravo: "الأمر لا يُصدَّق كان لا بدّ من سقوط 17 قتيلاً حتى تُعلن السلطات المكسيكية أخيراً عن استراتيجيةٍ تتجاوز الدبلوماسية إلى المسار القضائي. الإعلان جاء، لكنّني ما زلت أنتظر أن تتحوّل الكلمات إلى أفعال فعلية".
ويُشير Valdés Ugalde من جهته إلى أنّ الولايات المتحدة لا تُبدي أيّ اكتراثٍ بالانتقادات المكسيكية لسياستها في الهجرة. ويرى في الوقت ذاته أنّ المكسيك هي الأخرى لم تُحسن الدفاع عن مجتمع المهاجرين، وارتكبت ما يصفه بـ"أخطاء" في سياستها الخارجية. ومن أبرز هذه الأخطاء وفق Valdés Ugalde رفضُ طلبات تسليم سياسيين يُشتبه في ارتباطهم بتهريب المخدّرات بذريعة السيادة الوطنية، وهو ما أتاح لإدارة Trump ذريعةً للردّ في ملفّاتٍ أخرى، من بينها إعادة التفاوض على اتفاقية التجارة بين الولايات المتحدة والمكسيك وكندا (USMCA) التي تحمي كثيراً من الصادرات المكسيكية من الرسوم الجمركية الأمريكية.
وقال Valdés Ugalde: "لا توجد أيّ مؤشّراتٍ على إعادة بناء العلاقة؛ فهي متضرّرةٌ بشدّة جرّاء مواقف الحكومتين معاً وبسبب الموقف الدفاعي الذي تتبنّاه المكسيك".
في المقابل، يرى Muñoz Bravo أنّ انتخابات التجديد النصفي الأمريكية في نوفمبر قد تُتيح للمكسيك هامشاً من الفرص إذا خسر الجمهوريون سيطرتهم على الكونغرس. وقال: "ما سنشهده في نوفمبر بالغ الأهمية. فإن لم يملك Trump أغلبيةً في مجلسَي الكونغرس، ستكون هناك ضوابط وتوازنات تُتيح حتى مساحةً للتفاوض مع أطرافٍ أخرى في الولايات المتحدة".
حتى ذلك الحين، يبقى التوتّر بين البلدين الجارين مرتفعاً، وأيّ وفاةٍ جديدة لمهاجرٍ مكسيكي ستظلّ وقوداً يُعمّق الشرخ ويُصعّب ردمه.
أخبار ذات صلة

المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية معلّق عن العمل قبل التصويت على اتهامات بسوء السلوك الجنسي

شيربا مفقود أسبوعاً على إيفرست يعود إلى الحياة

ألمانيا تفقد مقعدها في مجلس الأمن: هل دعمها لإسرائيل السبب؟
