كارثة الزلازل في فنزويلا قصص من تحت الأنقاض
في لا غوايرا الفنزويلية كارثة زلازل مروعة خلفت آلاف الضحايا والمفقودين وسط انهيار المباني وتقصير حكومي في الإنقاذ. قصص الناجين والمعاناة الإنسانية في وجه الدمار والتحديات على خَبَرَيْن.

في مدينة لا غوايرا الفنزويلية، تشتدّ رائحة الموت كلّما صعدنا نحو قمّة مبنًى منهار على الواجهة البحرية لهذه الولاية التي دمّرتها زلازل متتالية في يونيو الماضي. رافقتُ المراسلة زين بصراوي في رحلةٍ جوّية مع مجموعة قطر الدولية للبحث والإنقاذ، لتوثيق تداعيات هذه الكارثة الطبيعية المروّعة.
تتعلّق الرائحة الكريهة بالهواء بينما يعمل الفريق القطري إلى جانب الخوذ البيضاء السورية على انتشال جثّةٍ من تشابك الخرسانة والبلاط، في ظلّ شمسٍ حارقة تُضاعف من وطأة المشهد. حين أُخرج الجسد من تحت الأنقاض، انتشرت موجاتٌ من الرائحة النتنة في الهواء، فلم أستطع رغم الكمّامة أن أكبح رغبةً ملحّة في الابتعاد.
منذ أن ضربت الزلازل في 24 يونيو، لا يزال عدد الضحايا في ارتفاع مستمر، إذ تجاوز حتى الآن 4,300 حالة وفاة. وبينما كنّا نتنقّل على طول ساحل لا غوايرا باتّجاه مدينة كاتيا لا مار، بدا هذا الرقم أقلّ بكثير من الحجم الحقيقي للكارثة.
كانت سيّارتنا تشقّ طريقها ببطءٍ وسط ركام يملأ الطريق. المباني من حولنا لا تكاد تُعرف: منازل ذات طوابق منخفضة انهارت حتى باتت أسطحها ملاصقةً لأرضيّاتها، وبنايات طويلة سقطت على جانبها كعمالقةٍ صريعة. ومجمّعٌ سكني كبير انكشفت واجهته الخارجية فكشفت عن التفاصيل المنزلية التي كانت مخفيّةً بداخله، بينما يتمايل على أعمدةٍ مُنحنية على وشك الانهيار.
وقد قدّرت الأمم المتحدة أنّ 50,000 فنزويلي في عداد المفقودين تحت أنقاض هذه المناطق المدمّرة.
خانيت فيانا، مقيمة تبلغ 72 عاماً نجت من الزلازل، تأمل في استعادة جثّة ابنها. حين التقيتها، كانت تُحدّق في برجٍ فوق تلّةٍ مطلّة على البحر، انهارت جدرانه وانسكب منه الحديد الملتوي المُغلَّف بكتل الخرسانة. أخبرتنا فيانا أنّ الحكومة لم تُقدّم أيّ مساعدة أو آليات ثقيلة لانتشال الجثث من داخله، ومن بينها جثّة ابنها، وأنّ الجهات الرسمية أبلغت السكّان بأنّ المبنى سيُهدم خلال أيام.
قالت: "أتمنّى أن أستعيد جثّة ابني قبل أن يهدموا كلّ شيء. هذا كلّ ما أتمنّاه. ماذا يمكننا أن نأمل حين لا يوجد أيّ ردّ فعل؟"
وإن كانت الزلازل قد أشعلت موجة غضب شعبي على الحكومة الاشتراكية في فنزويلا، فإنّ المؤيّدين يُشيرون إلى جملةٍ من الإجراءات التي اتّخذتها السلطات لمواجهة الأزمة. نشر الجيش الفنزويلي قوّاته في عددٍ من المواقع بولاية لا غوايرا، وأنشأت الحكومة نقاط إغاثة وفّرت فيها الغذاء والمياه والإمدادات الطبية والمعدّات كالخوذات والمجارف والمناشير.
وأكّد لنا حاكم ولاية لا غوايرا، خوسيه أليخاندرو تيران، أنّ استجابة الحكومة جاءت فوريّة، وأنّ العمّال أسهموا في إنقاذ أكثر من 6,000 شخص من تحت الأنقاض.
غير أنّ كثيراً من الفنزويليين أخبرونا بأنّهم اضطرّوا إلى تولّي عمليات الإنقاذ بأيديهم دون انتظار أيّ مساعدةٍ حكومية.
حين التقينا بخافيير فيّيغاس البالغ من العمر 30 عاماً، كان يتردّد على مبنًى يميل كأنّه على وشك السقوط في أيّ لحظة. قال إنّ نحو 38 جثّةً محاصرةٌ بداخله، لكنّ الحكومة "لن ترسل أحداً لأنّهم سيتعرّضون للخطر". وأضاف: "نعم، أعرف أنّهم سيتعرّضون للخطر، لكنّ هناك أناساً ما زالوا بداخله، ولا أفهم إنسانية هذه الحكومة"، مشيراً إلى أنّه يبحث عن عمّته كلّ يومٍ منذ وقوع الزلزال.
وقال: "لم أفقد الأمل في إنقاذها حيّة. مضت تسعة أيام ولم نسمع شيئاً. كلّ ما نراه هو التحلّل، لكنّنا ما زلنا نقاتل لإخراج أحبّائنا."
رغم أنّ فيّيغاس وفيانا لم يستسلما، فإنّهما يدركان أنّ الوقت ينفد. قريباً ستصل الآليات الثقيلة، وستُسوَّى المباني بالأرض وتُزال، مع كلّ ما تحتويه من أثاثٍ وصورٍ وأحبّاء ما زالوا محاصرين في الداخل.
مع مرور الأيام وتواصل جولات فريق التغطية وسط الدمار، كانت الجثث تتوالى في الاكتشاف. وبات استخدام الجير الحيّ شائعاً لإخفاء الرائحة وإبطاء التحلّل.
في أحد الأيام، لاحظنا أنّ أعمال الحفر والتنقيب توقّفت في أحد المواقع لاستكمال انتشال جثّة امرأةٍ لقيت حتفها تحت الأنقاض. تجنّبتُ النظر إليها مباشرةً حين رُفعت من الموقع، إذ كانت عدسة الكاميرا تمثّل حاجزاً ماديّاً بيني وبين ما كان يجري أمامي.
كان جسدها لا يُعرف، وقد استُعين بعقدٍ في رقبتها للتعرّف على هويّتها. بعد لحظاتٍ، اقترب منّا رجلان بوجوهٍ جادّة يرتديان السواد. قال أليكس، المنتج في فريقنا، إنّهما ربّما من الشرطة، وترجم لنا طلبهما بمراجعة مقاطع الفيديو على كاميرتي.
طمأنّاهما بهدوءٍ بأنّ سياستنا الواضحة تحظر بثّ مشاهد الجثث. نظر أحد الرجلين إليّ مباشرةً في عينيّ، ثمّ نطق بأربع كلماتٍ بالإنجليزية: "She is my mother". كانت رغبته في صون كرامة والدته وحمايتها من الاستغلال الإعلامي.
في تلك اللحظة، احتجتُ إلى التوقّف، مغلوباً على أمري أمام هول المأساة. احتجتُ إلى الابتعاد. لكنّ سكّان ولاية لا غوايرا لا يملكون هذا الخيار؛ إذ يواجهون وطأة هذا الواقع الجديد المرير كلّ يوم.
أخبار ذات صلة

الزلازل في فنزويلا غيّرت مستقبل هؤلاء الأطفال

الفنزويليون المرحّلون من الولايات المتحدة قبل ساعات من الزلزال المميت في عداد المفقودين
