التوتر في مضيق هرمز بين إيران وأمريكا يشتد
تتصاعد التوترات بين طهران وواشنطن حول مضيق هرمز وسط تهديدات متبادلة وتصريحات انتقامية من إيران وردود أمريكية حازمة مع استمرار محاولات الوساطة الدبلوماسية للحفاظ على السلام واستقرار الملاحة في المنطقة خَبَرَيْن

-تتواصل روايتان متضاربتان بين طهران و واشنطن حول مصير الملاحة في مضيق هرمز، في ظلّ تبادلٍ مستمرّ للتهديدات حتى مع إبقاء الطرفَين قنوات التواصل مفتوحةً عبر الوسطاء.
نشرت وسائل الإعلام الإيرانية الرسمية يوم السبت أحدث بيانٍ يُنسب إلى مجتبى خامنئي، الذي لم يُرَ ولم يُسمَع منه منذ اختياره خلفاً للمرشد الأعلى من قِبَل هيئةٍ دينية في مارس الماضي. وقال خامنئي في بيانه متحدّثاً عن والده آية الله علي خامنئي، الذي اغتيل في اليوم الأول من الحرب التي أطلقتها الولايات المتحدة وإسرائيل في 28 فبراير: "نعاهد على الانتقام لدمائكم الطاهرة، ودماء شهداء هذَين الحربَين، من القتلة المجرمين المخزيين. هذا الانتقام مطلب شعبنا، ولا بدّ أن يتحقّق."
وشدّد على أنّ هذا الموقف سياسةٌ راسخة لا تتوقّف على أيّ مسؤولٍ بعينه، قائلاً: "قريباً، سيضطلع كلٌّ من أحرار العالم بجزءٍ من هذه المهمة الإلهية."
جاءت تصريحات خامنئي الابن متوافقةً مع نداءات الانتقام التي رفعتها التيارات المتشدّدة المدعومة دينياً خلال مراسم تشييع علي خامنئي هذا الأسبوع. ففي مشهد، حيث دُفن علي خامنئي يوم الجمعة، جلس كبير المفاوضين محمد باقر قاليباف وعددٌ من المسؤولين المؤيّدين للتفاوض مع واشنطن بينما كانت الحشود تهتف: "التفاوض مع العدو خيانةٌ للوطن". وفي خطابٍ متوتّر بثّه التلفزيون الإيراني، قال علي الخميني، حفيد روح الله الخميني مؤسّس الجمهورية الإسلامية إثر ثورة 1979، إنّ "كلّ من يريد التفاوض للتوصّل إلى سلامٍ مع أمريكا خائن."
في المقابل، أعلن الرئيس الأمريكي Donald Trump، دون أن يُفصح عن تفاصيل، أنّه يعتقد بأنّه يتصدّر "قائمة الاغتيالات الإيرانية"، مؤكّداً أنّه أصدر تعليماتٍ بالردّ الفوري في حال تعرّضه لأيّ محاولة اغتيال. وكتب على منصّته Truth Social: "ألف صاروخ جاهزةٌ ومصوَّبةٌ نحو الجمهورية الإسلامية الإيرانية"، مضيفاً: "الأوامر صدرت بالفعل، والجيش الأمريكي مستعدٌّ وقادرٌ على تدمير جميع مناطق إيران بالكامل لمدة عامٍ واحد قابل للتمديد."
وأعلن Trump أنّه يعتبر "وقف إطلاق النار" المنتهَك مراراً قد انتهى إثر آخر جولةٍ من الضربات المتبادلة بين الطرفَين في وقتٍ سابق من هذا الأسبوع، غير أنّه أشار إلى إمكانية استمرار المفاوضات عبر الوسطاء. وفي يوم الجمعة، زار وسطاء قطريون طهران في إطار مساعٍ لتهدئة التوتّر مع واشنطن، فيما توجّه وزير الخارجية الإيراني يوم السبت إلى مسقط لإجراء محادثات.
وقال Ali Vaez، مدير مشروع إيران في مجموعة الأزمات الدولية (Crisis Group)، إنّ خطاب الانتقام موجَّهٌ للاستهلاك الداخلي، بينما تهدف الدبلوماسية إلى تفادي جولةٍ أخرى من الحرب المدمِّرة. وأضاف: "إعلان Trump انتهاء وقف إطلاق النار يرفع تكاليف المفاوضات، لكنّه لا يُلغي جدواها بالضرورة. يبدو أنّ الطرفَين يُدركان أنّ البديل تصعيدٌ لا يستطيع أيٌّ منهما تحمّله أو السيطرة عليه بشكلٍ موثوق."
وفي يوم الجمعة، كشف مسؤولون رفيعو المستوى في إدارة Trump لم تُكشَف هويّاتهم خلال إحاطةٍ صحفية أنّ مسؤولين إيرانيين أبلغوا واشنطن سرّاً بأنّ "فصيلاً منشقّاً" من المتشدّدين يسعى إلى تقويض المفاوضات عبر شنّ هجماتٍ في مضيق هرمز. كما أشارت التقارير الأمريكية إلى أنّ فريق Trump كان يتوقّع من وزير الخارجية الإيراني عراقجي، عقب لقاءاته في مسقط، الاعتراف صراحةً أو ضمنياً بأنّ استهداف الناقلات والسفن التجارية في وقتٍ سابق من الأسبوع كان خطأً.
ورأى Vaez أنّ الرواية الأمريكية عن الرسائل الإيرانية السرّية غير مقنعة، لكنّها مريحةٌ لواشنطن لأنّ إلصاق المسؤولية بالتيار المتشدّد يُبقي باب الدبلوماسية موارَباً. وختم بالقول: "الاختبار الحقيقي ليس ما يُقال إنّ المسؤولين الإيرانيين أبلغوا به سرّاً، بل هل يستطيع الطرفان إيجاد سبيلٍ للتوقّف عن تبادل النيران والعودة إلى تبادل الكلمات."
"لا حصّة لأحد"
في حين تحرص الرواية الأمريكية على إبقاء مخرجٍ دبلوماسي متاحاً مع تصعيد الضغط على طهران، يُؤكّد الموقف الإيراني الرسمي عزم طهران على فرض قدرٍ من السيطرة على حركة العبور في المضيق.
وتعتبر طهران أنّ أيّ حركةٍ عبر مسارٍ جنوبي مدعومٍ أمريكياً يمرّ قرب عُمان، فضلاً عن إلغاء الإعفاءات من عقوبات النفط، يتعارض مع مذكّرة التفاهم (MoU) التي أبرمتها الدولتان الشهر الماضي. كما تُصرّ إيران على حقّها في إدارة إعادة الفتح الكامل للمضيق أو إزالة الألغام منه، وهو ممرٌّ تمرّ عبره في أوقات السلم خُمس صادرات النفط والغاز الطبيعي المسال عالمياً.
وصرّح السفير الإيراني لدى الأمم المتحدة Amir Saeid Iravani للصحفيين خارج مجلس الأمن في نيويورك يوم الجمعة بأنّ أيّ محاولةٍ من أطرافٍ خارجية للتدخّل أو "فرض ترتيبٍ للسلطة" ستُشكّل انتهاكاً لمذكّرة التفاهم وستُعيق استعادة الملاحة البحرية الكاملة.
وفي بيانٍ أصدره يوم الخميس، أعلن سلاح البحرية في الحرس الثوري الإسلامي (IRGC) أنّ حركة الملاحة في مضيق هرمز استعادت تدريجياً نحو 50 بالمئة من مستوياتها قبل الحرب بفضل التعاون الإيراني، قبل آخر الضربات، لكنّه أكّد أنّ السفن ملزَمةٌ بالسير في مسارات محدّدة، وأنّ الأجانب "لن يكون لهم أيّ حصّة" في إدارة المضيق. وكان القيادة المركزية للقوات المسلّحة قد أكّدت قبل يومٍ واحد أنّها لن تسمح "بأيّ حالٍ من الأحوال" بأيّ تدخّلٍ أمريكي أو أجنبي في إدارة المضيق.
ولتنفيذ هذه السياسة وتنسيق العبور المرخَّص، أسّست إيران "هيئة مضيق الخليج الفارسي".
غير أنّ مجلس إدارة وكالة الأمم المتحدة للشحن البحري، المنظّمة البحرية الدولية (IMO) ومقرّها لندن، أعلن يوم الجمعة "إدانته الشديدة" لقرار إيران "إنشاء هيئةٍ تدّعي صلاحية التحكّم في حركة المرور عبر المضيق". ودعا المنظمةُ الدول الـ176 الأعضاء فيها إلى عدم الاعتراف بـ"ادّعاء إيران السيادة على مضيق هرمز، وادّعاءاتها بالولاية القضائية على المناطق البحرية لدولٍ ثالثة في المضيق وحوله، وهي ادّعاءاتٌ تنتهك سيادة هذه الدول وحقوقها السيادية واختصاصها الحصري"، كما دعتها إلى عدم الاعتراف بأيّ قراراتٍ إيرانية تستهدف "إغلاق أو عرقلة أو إعاقة أو التدخّل بأيّ شكلٍ في الملاحة الدولية وحقّ المرور العابر".
وفي السياق ذاته، فرضت وزارة الخزانة الأمريكية يوم الجمعة أولى عقوباتها المرتبطة بإيران منذ توقيع مذكّرة التفاهم في 17 يونيو، إذ استهدفت عدداً من الأفراد والكيانات رداً معلَناً على الهجمات التي استهدفت الملاحة الدولية في المضيق، من بينهم Ali Ansari، الموصوف بأنّه "ميسِّر مالي" تربطه صلاتٌ مُبلَّغٌ عنها بمجتبى خامنئي، إضافةً إلى عددٍ من مكاتب الصرافة.
وقالت Negar Mortazavi، الباحثة الأولى في مركز السياسات الدولية (Center for International Policy)، إنّه "قد تكون ثمّة خلافاتٌ داخلية في طهران حول التكتيكات ومستوى الضغط العسكري"، مشيرةً إلى أنّ المواجهة حول هرمز تعكس في جوهرها "نزاعاً أشمل" حول تفسير مذكّرة التفاهم. وأوضحت: "إيران ترى أنّ المرور التجاري عبر المضيق يجب أن يتمّ بالتنسيق معها، في حين يبدو أنّ الولايات المتحدة تسعى إلى فرض تفسيرها الخاصّ دون هذا التنسيق."
وأشارت Mortazavi إلى أنّ إيران "لم تُغلق باب المفاوضات"، مؤكّدةً أنّ طهران ستوظّف الضغط العسكري المُحسَب لترسيخ تفسيرها لمذكّرة التفاهم مع مواصلة المفاوضات، وختمت بالقول: "تعتقد إيران أنّ الدبلوماسية دون الردع ستمنح الولايات المتحدة وإسرائيل وقتاً لإعادة تنظيم صفوفها واستئناف الحرب لاحقاً."
أخبار ذات صلة

الطائرات الإسرائيلية بدون طيار تستهدف لبنان رغم اتفاق وساطة أمريكي

انفجارات دمشق خلال زيارة ماكرون: ما المعروف حتى الآن

الحرب على المزارعين: كيف تقوم إسرائيل بشن الحرب على مزارعي الضفة الغربية؟
