سوريا تخرج من قائمة الإرهاب وتبدأ رحلة التعافي الاقتصادي
رفع الولايات المتحدة سوريا عن قائمة الدول الراعية للإرهاب خطوة مهمة نحو إعادة دمج دمشق في الاقتصاد والسياسة الدولية لكن التحديات الاقتصادية والسياسية والفساد ما زالت تعيق تدفق الاستثمارات وفرص التعافي على الأرض خَبَرَيْن

رفعت الولايات المتحدة سوريا عن قائمة الدول الراعية للإرهاب، في خطوةٍ وصفها المراقبون بأنّها العقبة الأخيرة أمام إعادة دمج دمشق في المنظومة الاقتصادية والسياسية الدولية. غير أنّ الأرقام على أرض الواقع تُذكّر بأنّ رفع التصنيف لا يعني بالضرورة تدفّق الاستثمارات بين عشيةٍ وضحاها.
عقودٌ من العزلة الاقتصادية
عاش السوريون عقوداً من الحكم القمعي في ظلّ عائلة الأسد حافظ الأسد من 1971 حتى 2000، ثمّ نجله بشار من 2000 حتى 2024 قبل أن تنزلق البلاد إلى حربٍ أهلية استمرّت أكثر من عقد. لكنّ الإرث الأثقل وطأةً كان اقتصادياً بامتياز: منظومة عقوبات قادتها الولايات المتحدة أفضت إلى عزل سوريا شبه التام عن النظام الاقتصادي العالمي.
وبعد سقوط بشار الأسد الديكتاتور في ديسمبر 2024 إثر هزيمته أمام فصائل المعارضة المسلّحة، ظلّت كثيرٌ من العقوبات سارية، في مقدّمتها تصنيف «الدولة الراعية للإرهاب». وقد حال هذا التصنيف دون عودة سوريا إلى المجتمع الدولي، وأثّر تأثيراً مباشراً على حياة المواطنين؛ إذ بات تحويل الأموال من الخارج يستلزم المرور عبر دولٍ مجاورة كلبنان وتركيا، فيما يحتاج الوصول إلى بعض المنصّات والخدمات الرقمية من بينها Netflix وSlack إلى شبكات VPN.
وجاء إعلان الرئيس الأمريكي Donald Trump يوم الأربعاء برفع سوريا عن هذه القائمة ليُقابَل بترحيبٍ واسع. وقال إيهاب، صاحب محلّ حلويات في وسط دمشق: "إن شاء الله، ستتحسّن الأمور."
إعادة الاندماج الدولي
وفق البنك الدولي، أسفرت العقوبات منذ عام 2011 عن انهيارٍ حادّ في الصادرات السورية وتوسّعٍ ملحوظ في العجز التجاري. وقد حدّدت حكومة الرئيس أحمد الشرع رفعَ جميع العقوبات الدولية والأمريكية هدفاً رئيسياً لإنعاش الاقتصاد.
والشرع، الرئيس السابق لجبهة النصرة المرتبطة بتنظيم القاعدة، كان هو نفسه مدرجاً على قوائم عقوبات الأمم المتحدة ومطلوباً بتهمة الإرهاب من قِبَل الولايات المتحدة. بيد أنّه بذل جهوداً ملموسة للتخلّص من هذه الارتباطات وبناء الثقة دولياً، شملت التعهّد بالمشاركة في مكافحة تنظيم داعش (ISIS). وقد آتت هذه الجهود أُكُلها إلى حدٍّ بعيد؛ إذ رفعت كلٌّ من الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة كثيراً من العقوبات المفروضة على سوريا وعلى الشرع شخصياً.
وتعود أولى إدراجات سوريا على قائمة الدول الراعية للإرهاب إلى عام 1979، إبّان حكم حافظ الأسد، بسبب دعم الحكومة لفصائل مسلّحة فلسطينية. ثمّ تراكمت العقوبات لاحقاً على الدولة وعلى أفراد من النظام بسبب الاستخدام الممنهج للتعذيب والأسلحة الكيميائية، فيما طالت عقوباتٌ أخرى فصائل مسلّحة بسبب ارتباطاتها بتنظيم القاعدة.
وكان الشرع قد أنهى ارتباط جبهة النصرة بالقاعدة عام 2016، وتخلّى فعلياً عن أيديولوجية التنظيم، قبل أن يُعيد تشكيل قوّاته ضمن تحالفٍ وطني أوسع عُرف لاحقاً بهيئة تحرير الشام.
وفي مايو 2025، حين التقى Trump بالشرع في الرياض، وعد الرئيس الأمريكي برفع كثيرٍ من العقوبات عن الحكومة السورية. غير أنّ الرفع المرتقب عن قائمة الدول الراعية للإرهاب يُعدّ الأهمّ، لأنّه يُزيل أحد أكبر الحواجز أمام البنوك والشركات الدولية.
وقال Rob Geist Pinfold، المحاضر في الدراسات الأمنية بـ King's College London، في تصريحاتٍ : "هذه خطوةٌ بالغة الأهمية، لأنّها تُزيل آخر عقبةٍ رئيسية أمام الانخراط الاقتصادي والسياسي الدولي مع سوريا ومع إدارة الشرع، وأمام إعادة دمج سوريا في النظام الدولي السياسي والاقتصادي."
اقتصادٌ يتعافى ببطء
بيد أنّ Pinfold يستدرك بحذر: "هذه عقبةٌ كبيرة تمّ تجاوزها، لكنّ ذلك لا يعني انتفاء العقبات الأخرى أمام الاستثمار أو الانخراط مع سوريا." وأشار إلى مخاوف قد تساور المستثمرين الدوليين، من بينها قدرة الحكومة على ضبط بقايا نظام الأسد، واحتمال عودة تنظيم داعش، فضلاً عن العوائق البيروقراطية والفساد.
وفي الشارع الدمشقي، تتباين ردود الفعل. قال صاحب سوبرماركت في دمشق، رفض الإفصاح عن اسمه: "هذا يحتاج نفَساً طويلاً. لا يمكنك أن تنام وتصحو وتتوقّع التغيير." وأشار إلى استمرار المشكلات الاقتصادية وارتفاع التكاليف وأزمة الوقود الأخيرة، مضيفاً: "لا اقتصاد ولا استثمار."
في المقابل، ثمّة من يرى في القرار بارقةَ أمل، وإن اقترن ذلك بإقرارٍ بأنّ الصبر لا يزال مطلوباً. عند عربة عصير في وسط دمشق، كان زاهر يعدّ المال الذي تسلّمه من أحد الزبائن. قال: "أنا في الشارع مع عربتي ولا أحد يضايقني. الكهرباء تتحسّن، لكنّ الأمور لا تتغيّر في يومٍ واحد." وأضاف الخمسيني بنبرةٍ هادئة: "الله عزّ وجلّ خلق الأرض في ستّة أيام. هذه الأمور تحتاج وقتاً."
أخبار ذات صلة

الذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل الاقتصاد على حساب ملايين الأمريكيين

معركة مستقبل أوبك تبدأ الآن

توسيع إنتاج النفط الشهري: دول أوبك+ تؤكّد خطتها الجديدة
