عطر قاتل يحول حياة عاديين إلى مأساة حقيقية
في قصة مأساوية تكشف عن تداعيات تسميم بغاز عصبي روسي عثر عليه في زجاجة عطر، يحكي Charlie Rowley معاناته وفقدانه لصديقته Dawn Sturgess في معركة دولية بين الاستخبارات عبر خَبَرَيْن.

في لحظةٍ لم يكن يتوقّع فيها أيّ شيء غير عادي، التقط Charlie Rowley ما بدا له زجاجةَ عطرٍ عاديّة، فكان ذلك بداية كابوسٍ لم يُفِق منه حتى اليوم.
كان ذلك في فترة ما بعد الظهر، في مدينة Amesbury الإنجليزية. كان Rowley يبحث في صندوق تبرّعاتٍ خيري حين لفت نظره صندوقٌ كرتوني صغير، بداخله عبوةٌ ملفوفة بالبلاستيك تحمل اسم Nina Ricci. اقتنع بأنّ أحدهم تخلّص من زجاجة عطرٍ فرنسي فاخر، فأخذها إلى المنزل هديةً لصديقته Dawn Sturgess.
لم يكن يعلم أنّ تلك الزجاجة تحتوي على المادة العصبية ذاتها التي يعتقد المحقّقون أنّ عملاء روس استخدموها قبل ثلاثة أشهرٍ لتسميم جاسوسٍ سابق في مدينة Salisbury المجاورة. ما تلا ذلك كان سلسلةً من الأحداث المأساوية أودت بحياة Sturgess وأدخلت Rowley المستشفى، ليصبحا ضحيّتَين عارضتَين في قصّة تجسّسٍ دولية تمحورت حول محاولة اغتيال عميلٍ مزدوج.
يقول Rowley في مقابلةٍ أجريت معه مؤخّراً: "اعتقدت أنّها هديةٌ حقيقية ورائعة، وقد سعدت بها. لكنّ الأمور انحدرت نحو المأساة بسرعةٍ مروّعة. رشّت العطر واستنشقته ووضعت بعضه على معصمها. وبعد وقتٍ قصير، أخبرتني أنّها تشعر بشيءٍ غريب. شكت من صداع... ثمّ لم تعد تستجيب البتّة. حاولت إنعاشها. كان كلّ شيءٍ يجري بحركةٍ بطيئة."
في وقتٍ لاحق من ذلك اليوم، كان Rowley نفسه يتصبّب عرقاً ويتمايل ذهاباً وإياباً وهو يتمتم بكلماتٍ غير مفهومة، إذ بدأ السمّ الذي جرى تحديده لاحقاً بوصفه Novichok، وهو عاملٌ عصبي (نيرف أجنت) روسي المنشأ يسري في جسده. سقط في غيبوبةٍ ومكث في المستشفى أسابيع، وقال إنّه لم يكن يتذكّر في البداية ما جرى. وبعد خروجه، أُصيب بجلطةٍ دماغية أعادته إلى المستشفى لفترةٍ مطوّلة أخرى.
جرّت هذه المحنة Rowley، دون إرادةٍ منه، إلى معركةٍ بين أجهزة الاستخبارات الروسية والبريطانية.
قال Rowley: "من كان يعلم أنّ جاسوساً يقطن في Salisbury؟ كانت صدمة. من كان يتخيّل أن يعود السمّ ليظهر في زجاجة عطر؟"
بعد ثماني سنوات، لا يزال يجاهد ليجد الكلمات التي تصف ما جرى. في فيلم وثائقي جديد "The Salisbury Poisonings: A Spy Next Door"، يروي Rowley قصّته إلى جانب آخرين غيّرت حياتهم تلك الهجمات إلى الأبد. كثيراً ما يتوقّف في منتصف الجملة وعيناه تمتلئان بالدموع.
قال :"حاولت أن أدفع ذلك إلى الخلف في ذهني. لم أكن أتوقّع أن يحدث هذا لي أو لـ Dawn. ولم تعد الأمور كما كانت منذ ذلك الحين."
ما لفت انتباهه في الزجاجة
كان الاثنان أصدقاء منذ نحو عام، بعد أن التقيا في مرفقٍ لإيواء المشرّدين حيث كانت Sturgess تقيم. كان Rowley قد انتقل للتوّ إلى مسكنٍ جديد وكان يُعدّه لتنضمّ إليه. كانت حياتهما تدور حول متعٍ بسيطة، من بينها ما يعثر عليه Rowley في صناديق التبرّعات الموضوعة أمام الأماكن العامة.
قال: "كان ثمّة شيءٌ من الوصمة في رؤيتك تبحث في صندوق قمامة. لكنّه كان يُثمر في معظم الأحيان. كنت دائماً أخرج بشيء، كبيراً كان أم صغيراً. أيّ شيءٍ جميل أجده يذهب مباشرةً إلى Dawn. وكنت أحفر دائماً حتى القاع، علّني أجد ذلك الخاتم."
في أوقات فراغهما، كانا يستمعان إلى الموسيقى ويشاهدان الأفلام. كانت Sturgess مولعةً بـ Bob Marley وأفلام الحركة. قال Rowley: "لم تكن تميل كثيراً إلى أفلام الرومانسية. أحياناً، إذا كانت بيئة المرح الترفيهية (fun fair) موجودةً في المدينة، كنّا نذهب معاً ونتجوّل بين الأكشاك ونضحك."
ثمّ جاءت تلك البادرة التي قادتهما إلى مسارٍ لم يخطر ببال أحد. في 28 يونيو، بعد يومَين من عثور Rowley على الصندوق في صندوق التبرّعات، أهداه إلى Sturgess. كان ذلك يوم السبت قرابة منتصف النهار، وكانا يشاهدان التلفزيون بعد أن قضيا اليوم السابق في حديقة Queen Elizabeth Gardens، تلك الحديقة الخضراء المطلّة على النهر التي تُشرف على كاتدرائية Salisbury ذات البرج الأعلى في بريطانيا.
عرفت Sturgess الماركة فوراً وبدت متحمّسة، كما يقول Rowley.
يتذكّر أنّه لاحظ شيئاً غريباً: الرذاذ (النوزل) كان منفصلاً عن الزجاجة ولم يكن مثبّتاً بها، واضطرّ إلى إزالة الغطاء وتركيبه بنفسه.
رشّت Sturgess العطر واستنشقته ووزّعت بعضه على معصمها. كانت له قوامٌ زيتي ولا رائحة له البتّة. يقول Rowley: "غريبٌ جداً عطرٌ بلا رائحة."
بعد وقتٍ قصير، أخبرته أنّها لا تشعر بخير وذهبت إلى الحمّام، حيث سمع دويّاً. وجدها فاقدةً الوعي في حوض الاستحمام فاتّصل بالطوارئ.
قال: "في لحظةٍ كنت أتحدّث مع Dawn، وفي اللحظة التالية لم تعد هي ذاتها، لم تكن تستجيب. دخلت في حالةٍ من الذعر التام. لم أكن أعرف ماذا أفعل."
سارعت فرق الإسعاف بنقل Sturgess إلى المستشفى. ولأنّه لم يكن يعلم أنّها تعرّضت للتسميم أو أنّ الأمر مرتبطٌ بالتجسّس الروسي، قرّر Rowley إنجاز بعض المشاوير قبل أن يلحق بها.
قال: "أتمنّى لو ذهبت معها. كنت أخطّط لأن أجمع لها حقيبةً صغيرة فيها بعض الأغراض والملابس لأحملها إلى المستشفى. لكنّ كلّ شيءٍ جرى بسرعةٍ شديدة."
لم يرَ Sturgess مجدّداً. بعد خمس ساعاتٍ من إغمائها، عادت سيارة الإسعاف إلى العنوان ذاته لنقل Rowley، الذي أصيب بدور بعد عودته إلى المنزل.
ماتت Sturgess بعد عشرة أيام، فيما كان Rowley في غيبوبة. كانت في الرابعة والأربعين من عمرها.
تقول Neil Basu، الرئيس السابق لوحدة مكافحة الإرهاب في الشرطة البريطانية، في الفيلم إنّ الزجاجة الصغيرة كانت تحتوي من السمّ ما يكفي لقتل 10,000 شخص.
تسميمٌ في مدينة هادئة
بتعداد سكّاني يبلغ نحو 44,000 نسمة، تبدو مدينة Salisbury الجميلة ذات الطابع الكلاسيكي أقرب إلى لوحةٍ بريدية منها إلى مسرحٍ لفضيحة تجسّسٍ دولية.
تكشّفت القضية كما لو أنّها خرجت من رواية جاسوسية. في فترة ما بعد الظهر من يومٍ بارد في مارس 2018، عُثر على شخصَين فاقدَي الوعي على مقعدٍ في مجمّعٍ تجاري مفتوح في وسط المدينة.
حدّد المحقّقون هويّتهما: Sergei Skripal، ضابط استخباراتٍ عسكرية روسي سابق يُتّهم بالتجسّس لصالح MI6 البريطاني، وابنته Yulia التي كانت تزوره قادمةً من موسكو. كما نُقل إلى المستشفى ضابط الشرطة الذي عثر عليهما أوّلاً.
قال Rowley: "كان بيننا جاسوسٌ في Salisbury" كأنّه لا يزال يصعب عليه تصديق ذلك بعد ثماني سنوات. "كانت لـ Salisbury أسرارها."
في غضون أيام، خلص المحقّقون البريطانيون إلى أنّ الاثنَين تعرّضا للتسميم بمادة Novichok، وهو عاملٌ عصبي طوّره الاتحاد السوفيتي.
وأفاد المحقّقون بأنّ عميلَين من الاستخبارات العسكرية الروسية سافرا إلى بريطانيا تحت أسماءٍ مستعارة، ودهنا السمّ على باب منزل Skripal الأمامي، ثمّ عادا على متن طائرةٍ إلى موسكو.
اكتظّت شوارع Salisbury العريقة بمحقّقين جنائيين يرتدون بدلات الوقاية من المواد الخطرة. أغلقت الشرطة الحدائق والحانات والمطاعم فيما كانت الفرق تمشّط المنطقة بحثاً عن آثار العامل العصبي الفتّاك. وفي كلّ مرّة أُصيب فيها أحدٌ بوعكةٍ صحية، انتشر الهلع من أن يكون Novichok قد ضرب مجدّداً. وبلغ الأمر حدّ أن لجأ أحد رجال الدين إلى تطهير المدينة بالماء المقدّس لطمأنة مجتمعٍ مرعوب.
بعد أسابيع في حالةٍ حرجة، نجا الأب وابنته من الهجوم.
قال Mark Sedwill، مستشار الأمن القومي البريطاني آنذاك:"منذ البداية، كان واضحاً لي أنّ هذا لم يكن مجرّد تسميم، بل كان محاولة اغتيال."
بعد ثلاثة أشهر، كانت المدينة تستعيد شيئاً من حياتها الطبيعية. ثمّ، على بعد نحو ثمانية أميال شمال Salisbury، التقط Rowley دون أن يدري الزجاجة المُهمَلة التي استُخدمت لنقل السمّ.
وبدأ الكابوس من جديد.
قالت Amber Rudd، وزيرة الداخلية البريطانية آنذاك، إنّ التسميمَين أثارا تساؤلاتٍ مقلقة. وتقول في الفيلم: "الرأي العام لا يريد أن يسمع أنّنا لسنا متأكّدين تماماً ما هذا أو من أين جاء أو ما الذي قد يكون غيره. يريد الناس أن يعلموا أنّ حكومتهم ستحفظ أمنهم."
تخلٍّ عن المطالبة بالعدالة
رأى بعض المراقبين أنّ محاولة الاغتيال الفاشلة لـ Skripal شكّلت إحراجاً للرئيس Vladimir Putin، الذي نفى أيّ صلةٍ لروسيا بعملية التسميم، واصفاً تلك الاتهامات بـ"الهراء".
بعد جهودٍ مضنية لإزالة التلوّث، أعلنت السلطات أنّ Salisbury باتت خاليةً من العامل العصبي بعد عامٍ من الحادثة. ويُفيد بأنّ Skripal وابنته يعيشان في مكانٍ مجهول تحت هويّاتٍ جديدة حفاظاً على سلامتهما.
غير أنّ المحنة لم تنتهِ بالنسبة لـ Rowley. استيقظ من غيبوبته وذاكرته شبه فارغة ممّا جرى. وجاءه أحد الأطباء بخبر وفاة صديقته جرّاء السمّ.
قال: "كنت في حالة صدمة لأنّ تلك كانت الزجاجة التي أهديتها لـ Dawn. شعرت بذنبٍ فادح... ولا يزال هذا صعباً عليّ حتى اليوم."
لا يزال Rowley يقيم قرب Salisbury، ومعه ذكريات السمّ التي لا تفارقه. عانى بعد الهجوم من اضطراباتٍ في التوازن ومشاكل في الرؤية، وفقد القدرة على تحريك ذراعه اليسرى. وبعد سنوات، يقول إنّ ذاكرته لم تتعافَ كاملاً.
قال: "أعزو ذلك إلى Novichok، وإن كنت لا أعرف إن كان قد خلّف أضراراً دائمة."
جرى تحديد هويّة العميلَين الروسيَّين لكنّهما لم يُعتقلا قطّ. وأصرّا على أنّهما زارا Salisbury سياحةً للإعجاب بكاتدرائيتها الشهيرة.
بعد عامٍ من الهجوم، التقى Rowley بالسفير الروسي في لندن على أملٍ في الحصول على إجاباتٍ حول ما جرى.
قال: "أردت أن أسمع الحقيقة من مصدرها مباشرةً... وأن أحصل على إجابة. لكنّني لم أحصل على أيّ إجابة حقيقية، بدا الأمر مجرّد أعذار وتهرّب من المسؤولية."
وأفصح عن أنّه تخلّى عن توقّع أن ينال العدالة لصديقته التي فقدها.
قال: "الأمر خارجٌ عن يدي. لا شيء بإمكاني فعله."
أخبار ذات صلة

سرقة هوية رقمية تعطّل انتقال لاعب إنجليزي.. فريق هولندي يقع ضحية احتيال متقدّم

نيجيريا تحقق مكاسب أمنية لكن التحديات الأساسية تبقى

انفجار بالقرب من فندق Four Seasons بدمشق أثناء لقاء الرئيس الفرنسي نظيره السوري
