نجاحات الاستسلام في نيجيريا بين الأمل والمخاطر الاجتماعية
في نيجيريا موجة استسلامات قيادات إرهابية تحت ضغط عسكري وبرامج إعادة تأهيل تدعم المصالحة لكن تتجاهل معاناة الضحايا والنازحين مما يثير جدلاً حول العدالة والتوازن بين الأمن والإنسانية خَبَرَيْن

في 29 يونيو، أعلن الجيش النيجيري استسلام عددٍ من القيادات الميدانية في الجماعات الإرهابية بمنطقة الشمال الشرقي. وأوضح النقيب Mohammed Goni، الضابط الإعلامي المكلّف في عملية Hadin Kai (OPHK) الموجّهة ضدّ هذه الجماعات، أنّ الاستسلامات جاءت في أعقاب ضغطٍ عسكري متواصل، وأنّ المستسلمين يُحتجزون في موقعٍ آمن لإجراء عمليات التوثيق والاستجواب.
وقد أعادت هذه الإعلانات تسليط الضوء على أزمة الإرهاب في نيجيريا، التي اتّسعت رقعتها اتّساعاً ملحوظاً منذ انتفاضة جماعة Boko Haram في يوليو 2009. فما بدأ تمرّداً تقوده Boko Haram في رقعةٍ جغرافية محدودة، تحوّل اليوم إلى نزاعٍ أشمل يضمّ فصائل إرهابية متعدّدة وشبكاتٍ مسلّحة متنوّعة. فلم تعد Boko Haram التهديدَ الوحيد؛ إذ تضمّ خريطة الجماعات المسلّحة أيضاً Islamic State West Africa Province (ISWAP)، وAnsaru، وMahmuda، وLakurawa، فضلاً عن جماعاتٍ أصغر متورّطة في أعمال النهب والسطو المسلّح والاختطاف.
وقد تطوّر الردّ النيجيري بدوره منذ عام 2009. فإلى جانب العمليات العسكرية كـ OPHK، طوّرت السلطات برامج لمعالجة ملفّات المنتسبين السابقين لهذه الجماعات، تشمل إزالة التطرّف وإعادة التأهيل والإدماج في المجتمع. وقد أُسّست عملية Operation Safe Corridor (OPSC) عام 2016 لدعم العمليات العسكرية عبر التعامل مع الأفراد المؤهّلين ذوي المخاطر المنخفضة المرتبطين بهذه الجماعات. أمّا OPHK نفسها فقد أُطلقت في أبريل 2021 خلفاً لعملية Operation Lafiya Dole (OPLD)، في حين تشمل الجهود الأخرى عمليات قوّة المهام المشتركة في الشمال الشرقي، وOperation Desert Sanity، والمبادرات متعدّدة الأطراف كـ Operation Lake Sanity.
وقد عزّزت موجات الانشقاق المتواصلة من صفوف Boko Haram وISWAP الحجج المساندة لبرنامج OPSC. إذ يرى المؤيّدون أنّ البرنامج، إلى جانب الضغط العسكري الذي تمارسه OPHK، يوفّر فرصةً حقيقية لإحداث تحوّل في ديناميكيات النزاع في حوض بحيرة تشاد. كما يعتبرونه داعماً لنهج حكومة ولاية Borno المحلّي غير العسكري القائم على المجتمع، والمعروف بـ«نموذج Borno»، وأساساً محتملاً للمصالحة الوطنية والعدالة الانتقالية.
وفي 12 يونيو، خلال احتفالات نيجيريا بيوم الديمقراطية 2026، أعلن الرئيس Bola Ahmed Tinubu أنّ أكثر من 124,000 مقاتلٍ وتابعٍ دخلوا مسار الاستسلام منذ توليه السلطة عام 2023. وأشارت هيئة الدفاع إلى أنّ إجمالي حالات الاستسلام بين عامَي 2016 و2025 تجاوز 300,000 حالة، فيما أُعلن عن إعادة إدماج 2,615 شخصاً في المجتمع بعد إتمامهم برنامج OPSC.
هذه الأرقام تعكس نجاحاً لا يُنكَر؛ فهي تُثبت أنّ الضغط العسكري المتواصل، مقروناً بفرص إعادة التأهيل، يُفضي إلى موجات انشقاق ويولّد معلوماتٍ استخباراتية تُمكّن قوّات الأمن من تسريع عملياتها وإنقاذ الأرواح.
غير أنّ الاستسلامات الجماعية وإعادة الإدماج، بصورتهما الراهنة، قد تُشكّلان قنبلةً موقوتة ذات أبعادٍ اجتماعية واقتصادية.
فإعادة إدماج المقاتلين السابقين في مجتمعاتٍ لا يزال كثيرٌ من ضحاياهم نازحين فيها ينطوي على مخاطر أخلاقية بالغة. فوفقاً لمرصد الحرية الدينية في أفريقيا، لقي 79,323 شخصاً حتفهم وخُطف 34,773 آخرون في أعمال العنف المرتبطة بالإرهاب في نيجيريا بين عامَي 2020 و2025، فيما بلغ عدد النازحين داخلياً 3.7 مليون شخص.
يكشف هذا الواقع عن تناقضٍ صارخ بين الدعم المقدَّم للمقاتلين «التائبين» أو المستسلمين، والظروف التي يعيشها ضحاياهم. فبرنامج OPSC وغيره من البرامج الحكومية يوفّر للمقاتلين السابقين الإرشاد النفسي والتعليم والتدريب المهني، وفي بعض الحالات أدواتٍ ودعماً لمساعدتهم على إعادة بناء حياتهم بعد التخرّج. في المقابل، يرزح كثيرٌ من النازحين داخلياً في مخيّماتٍ أو مجتمعاتٍ مضيفة تشحّ فيها الغذاء والرعاية الصحية والتعليم وفرص العمل.
هذا الاختلال في المعاملة يُرسّخ رسالةً بالغة الخطورة: مفادها أنّ العنف والإرهاب قد يفضيان إلى إعادة التأهيل والدعم الاقتصادي، بينما يُترك الضحايا في مواجهة الفقر والتشرّد والإهمال. وقد أذكى ذلك موجةً من الرفض في بعض المجتمعات المتضرّرة، حيث يُنظر إلى إعادة الإدماج باعتبارها منحاً للمقاتلين السابقين مساراً للعودة إلى المجتمع، في حين يظلّ الضحايا دون اعترافٍ كافٍ أو إنصافٍ أو دعم.
ويرفض مسؤولو OPSC الادّعاء بأنّ البرنامج يُكافئ المتورّطين في الإرهاب، مؤكّدين أنّ المستسلمين يخضعون للفرز والتوثيق، وأنّ وزارة العدل هي التي تحدّد من يستحقّ إعادة التأهيل ومن يستوجب الملاحقة القضائية. بيد أنّ الظلم يبقى واضحاً في نظر كثيرٍ من الضحايا؛ إذ يرون مقاتلين سابقين يتلقّون الدعم للعودة إلى المجتمع، بينما يُتركون هم لمواجهة حزنهم على ذويهم ومنازلهم وسُبُل رزقهم المفقودة دون عونٍ يُذكر أو إنصاف.
وتزداد هذه المظالم حدّةً حين يعود المقاتلون السابقون إلى المجتمعات ذاتها التي تقطنها ضحاياهم. فبالنسبة للنازحين وسائر الناجين، العيشُ جنباً إلى جنب مع أشخاصٍ مرتبطين بجماعاتٍ ارتكبت جرائم القتل والاختطاف والاغتصاب يُعيد فتح جروح الصدمة النفسية ويُعمّق المخاوف من صدق «توبتهم»، أو احتمال عودتهم إلى العنف. وفي ظلّ ضعف الدعم المقدَّم للضحايا والمجتمعات المحلّية، يُطلب من كثيرٍ منهم قبول العائدين قبل أن يحظوا بالمساعدة التي يحتاجونها للتعافي.
وقد كشفت تقاريرُ صدرت في يناير 2025 عن مخاوف جدّية من أنّ بعض المنشقّين من Boko Haram وISWAP يتحايلون على برامج إعادة التأهيل الرسمية ويعودون مباشرةً إلى مجتمعاتهم. وأعرب سكانٌ جرى التحقيق معهم في تلك التقارير عن مخاوف من العودة إلى الإجرام، والتمرّد على السلطة، وتداعيات هذه العودة على الاستقرار الاجتماعي والأمني.
وهذه المخاوف لا تقتصر على الفقر أو الوصمة الاجتماعية أو غياب الدعم بعد الإفراج، وإن كانت كلّها تُصعّب عملية الإدماج. فهي تطرح أيضاً تساؤلاتٍ جوهرية حول آليات الفرز والمتابعة. فإذا تمكّن أفرادٌ لم يخضعوا للتقييم الصحيح من العودة إلى المجتمعات، أو احتفظ بعضهم بقناعاتٍ متطرّفة بعد استسلامهم، فإنّ العملية برمّتها قد تُفرز مخاطر طويلة الأمد على الأمن الداخلي والتماسك الاجتماعي.
وثمّة ثغرةٌ كبرى أخرى تتمثّل في ضعف دور المجتمعات المحلّية والنازحين في خطط إعادة الإدماج والتنمية. فحين يشعر الضحايا بأنّ تجاربهم وهواجسهم مُهمَّشة، تفقد هذه البرامج شرعيّتها الأخلاقية، ممّا يُعقّد مسار المصالحة ويجعل المجتمعات أكثر عرضةً للاستياء والانتقام أو العدالة الشعبية.
هذا هو التوازن العسير الذي تواجهه الحكومة النيجيرية والجيش. فتشجيع المقاتلين على الانشقاق قد يكون ضرورةً لإضعاف الجماعات المسلّحة والاقتراب من نهاية النزاع. لكنّ ذلك لا يجوز أن يكون على حساب العدالة للضحايا. وستظلّ إعادة الإدماج هشّةً ومثيرةً للإشكاليات الأخلاقية ما دام أشدّ المتضرّرين نازحين ومنسيّين ودون إنصاف.
لا يمكن لبرامج الاستسلام وإعادة التأهيل في نيجيريا أن تُسهم في تحقيق سلامٍ دائم إلّا إذا اقترنت بالتزامٍ جادّ تجاه الضحايا: تعويضاتٌ ودعمٌ نفسي ومشاركةٌ مجتمعية وإعادةٌ لبناء الحياة المحطّمة. فالسياسة الرامية إلى إنهاء العنف لن تنجح إذا جعلت ضحاياه يشعرون بأنّهم طُووا في صفحة النسيان.
أخبار ذات صلة

انفجار بالقرب من فندق Four Seasons بدمشق أثناء لقاء الرئيس الفرنسي نظيره السوري

الحوثيون يهددون السعودية عقب اتهامهم بانتهاك الأجواء

تشييع شهداء تفجير مقهى بدمشق
