احتجاجات كينية ضد مركز الإيبولا العسكري الأمريكي
في نانيوكي بكينيا، تثير منشأة الحجر الصحي الأمريكية للإيبولا جدلاً واسعاً، حيث يتظاهر المواطنون خوفاً من استيراد الفيروس. الحكومة تدافع عن المشروع رغم قرار المحكمة بتعليق البناء. كيف ستؤثر هذه الأزمة على كينيا؟ خَبَرَيْن.

في بلدةٍ هادئة وسط كينيا، حيث تمتدّ السافانا وتتقاطع مسارات الحياة البرية مع الطرق العسكرية، تُشيَّد منشأةٌ طبية باتت في قلب أزمةٍ دبلوماسية وشعبية لم تهدأ بعد. محطّة الحجر الصحّي الأمريكية المخصّصة للمواطنين المصابين بالإيبولا في الخارج، والتي تُقام داخل قاعدة عسكرية كينية، أشعلت غضباً شعبياً واسعاً في البلاد، في وقتٍ تشهد فيه المنطقة تفشّياً خطيراً لهذا المرض.
نزل المئات إلى شوارع بلدة نانيوكي (Nanyuki) يومَي الاثنين والثلاثاء، واحتشدوا أمام الموقع المقرّر للمنشأة، التي ستستقبل الأمريكيين المصابين بالإيبولا خارج بلادهم بدلاً من السماح لهم بالعودة إلى الوطن. وقد أسفرت الاحتجاجات عن سقوط قتيلَين وإصابة شخصٍ واحد حين تحوّلت الأمور إلى عنف يوم الاثنين.
وكان مسؤولون أمريكيون قد أكّدوا للصحفيين أنّ المنشأة ستُقام في قاعدة Laikipia الجوية بالبلدة ذاتها، وهي قاعدةٌ تابعة للجيش الكيني، وستكون مخصّصةً للأمريكيين الذين يتعرّضون لفيروس الإيبولا.
لماذا يحتجّ الكينيون؟
القلق الأعمق الذي يسكن الشارع الكيني هو خطر استيراد الإيبولا إلى بلدٍ لم يسجّل حتى اليوم أيّ حالة إصابة بالمرض. ويزيد من حدّة هذا القلق ما يجري في جمهورية الكونغو الديمقراطية (DRC)، حيث أدّى نقص اللقاحات ومستلزمات الحماية إلى إصابة عددٍ كبير من العاملين في القطاع الصحّي بالفيروس.
ولم تتردّد نقابة الأطباء والصيادلة وأطباء الأسنان الكينيين في الإعلان عن موقفها بوضوح، إذ قالت في بيانٍ الأسبوع الماضي إنّها لن "تقف مكتوفة الأيدي بينما تُعامَل كينيا كمستعمرةٍ للاحتواء". وأضاف البيان: "إذا كان الأمر خطيراً جداً على أمريكا، فهو خطيرٌ جداً على كينيا أيضاً."
وكانت وسائل الإعلام الأمريكية قد نقلت عن مسؤولين أنّ المنشأة ستضمّ وحدات عزلٍ وأجنحةً للاحتواء البيولوجي لاستيعاب الحالات المشتبه بها والمؤكّدة، وستبدأ بـ50 سريراً. وقد غادر نحو 30 ضابطاً من فيلق الخدمة الصحّية العامة الأمريكية (US Public Health Service Commissioned Corps) إلى كينيا الأسبوع الماضي عقب ثلاثة أسابيع من التدريب.
وكان وزير الخارجية Marco Rubio قد صرّح في اجتماع مجلس الوزراء يوم الأربعاء بأنّ الولايات المتحدة "لا تستطيع ولن تسمح بدخول أيّ حالة إيبولا" إلى أراضيها. وفي اليوم التالي، أكّد المتحدّث باسمه Tommy Pigott أنّ Rubio أجرى محادثاتٍ مع الرئيس الكيني William Ruto، وأنّ واشنطن تعتزم تخصيص 13.5 مليون دولار لـ"جهود كينيا في التأهّب لمواجهة الإيبولا"، فضلاً عن 112 مليون دولار إضافية للاستجابة الإقليمية.
وفي سياقٍ ذي صلة، كان طبيبٌ أمريكي أصيب بالفيروس في الكونغو بعد أن أجرى عملية جراحية لمريضٍ مصاب دون علمه، قد نُقل إلى ألمانيا للعلاج قبل أسبوعَين.
هل هذا قانوني؟
الأسبوع الماضي، طعنت كلٌّ من منظمة Katiba Institute المدنية ونقابة المحامين الكينيين بشكلٍ منفصل في هذه الخطط أمام المحكمة العليا في نيروبي، مستندَتَين إلى مخاطر التعرّض التي يواجهها المواطنون، وغياب التشاور مع الشعب الكيني، إضافةً إلى محدودية القدرات الصحّية في البلاد على التعامل مع الإيبولا.
وفي الجمعة الماضية، علّقت المحكمة أعمال البناء في المنشأة وحظرت وصول أيّ مرضى إليها، ثمّ مدّدت هذا التعليق يوم الثلاثاء لمدّة ثلاثة أسابيع على الأقلّ. غير أنّ المسؤولين الحكوميين لم يتراجعوا، وواصلوا الدفاع عن المشروع هذا الأسبوع رغم قرار المحكمة.
ماذا قال الرئيس Ruto؟
يوم الاثنين، دافع الرئيس Ruto عن المشروع محتجّاً بالدعم الصحّي الأمريكي الواسع لكينيا على مرّ السنين. وقال للصحفيين: "حين طلب الرئيس Trump من حكومة كينيا دعمه بإنشاء مركزٍ في قاعدة Laikipia الجوية، وافقتُ على ذلك، لأنّه كان اتفاقاً وشراكةً مع أصدقاء رافقوا كينيا لـ30 و40 عاماً."
وفي سياقٍ أشمل، كانت الولايات المتحدة قد أبرمت اتفاقياتٍ ثنائية مثيرة للجدل مع كينيا ودولٍ أفريقية أخرى، طلبت فيها واشنطن بياناتٍ صحّية أو معادن مقابل تمويلٍ أقلّ بكثير ممّا كانت تقدّمه سابقاً، وذلك بعد أن جمّدت معظم مساعداتها الصحّية الخارجية في مطلع العام الماضي، وأغلقت وكالة USAID فعلياً إثر بدء الولاية الثانية للرئيس Donald Trump.
وأكّد Ruto أنّ حكومته وظّفت "كلّ الأسلحة" لحماية كينيا من أيّ تفشٍّ، داعياً الكينيين إلى عدم الانشغال بمخاوف تتعلّق بقدرة البلاد على التعامل مع الإيبولا. ولم يُشِر إلى قرار المحكمة، ولم يوضّح ما إذا كان البناء سيستمرّ رغمه. وقال: "نحن حكومةٌ مسؤولة، نعرف ما نفعله. على الناس أن يطمئنّوا، وعلى السياسيين أن يتجنّبوا الكلام المتهوّر الذي لا معنى له."
وزاد من ضبابية المشهد أنّ وزير الصحّة Aden Bare Duale كتب في منشورٍ على X يوم الأربعاء بأنّ المنشأة ستكون مفتوحةً للأمريكيين والكينيين على حدٍّ سواء، وهو ما لم توضّحه الولايات المتحدة حتى الآن. وأشار الوزير إلى أنّ هذا المركز واحدٌ من 23 منشأةً ستُقام في المقاطعات الأكثر عرضةً للخطر.
ماذا قال المسؤولون الأمريكيون؟
لم يكن الانتقاد خارجياً فحسب؛ فقد كشف أنّ مسؤولين من داخل مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها (CDC) أبدوا اعتراضاتٍ على الخطّة. وأفيد نقلاً عن مصدرٍ داخل الـCDC يعمل على ملفّ الإيبولا، بأنّ المدير بالإنابة Jay Bhattacharya نصح المسؤولين بعدم المضيّ في الخطّة، وأنّ بعض موظّفي الوكالة "غاضبون منها" ويرون أنّها "ستُصعّب التجنيد والتوظيف في أنشطة الاستجابة لمواجهة الإيبولا". وأضاف المصدر أنّ المنشآت الأمريكية ستكون أنسب للعلاج، وأنّ المرضى سيرغبون في الاقتراب من عائلاتهم وشبكات الدعم.
والجدير بالذكر أنّ المواطنين الأمريكيين الذين أُصيبوا بالإيبولا في الماضي كانوا دائماً يُنقلون إلى الولايات المتحدة للعلاج.
السياق الأوسع: ما الذي يجري في المنطقة؟
أعلنت منظمة الصحّة العالمية (WHO) حالة الطوارئ الصحّية العامة الدولية في 17 مايو، بعد اكتشاف سلالة Bundibugyo النادرة للفيروس التي تبيّن أنّها كانت تنتشر منذ أسابيع في جمهورية الكونغو الديمقراطية. وعلى عكس سلالة Zaire الأكثر شيوعاً، لا توجد حتى الآن لقاحاتٌ أو علاجاتٌ معتمدة ضدّ سلالة Bundibugyo.
وقد امتدّ الفيروس إلى أوغندا المجاورة، حيث تُوفّي شخصٌ واحد وتأكّدت 9 حالات. أمّا في الكونغو، فقد بلغ عدد المصابين 321 شخصاً، وسجّلت الوفيات 48 حالة. وتتصاعد المخاوف من أن يتحوّل هذا التفشّي إلى واحدٍ من أسوأ الموجات المسجّلة في التاريخ، بسبب التأخّر في الكشف عنه، وتراجع التمويل الصحّي الأمريكي والغربي في الفترة الأخيرة.
أخبار ذات صلة

إيران والأزمة المائية: كيف فاقمت الحرب الجفاف

موزمبيق: مقتل 5 مواطنين في هجمات عنصرية بجنوب أفريقيا

كيف خذل العالم ريان ويمان
