الكونغو بين حلم الاستقلال وواقع التحديات المستمرة
في ذكرى استقلال الكونغو نروي قصة نضالها بين خطاب استعماري متعالي وصوت لومومبا القومي الذي تحدى الظلم. رغم الحرية المعلنة ما زالت البلاد تواجه تحديات كبيرة في تحقيق استقلال حقيقي وتنمية مستدامة خَبَرَيْن

- في يوم الخميس، 30 يونيو 1960، تجمّع مسؤولون بلجيكيون وكونغوليون في قصر الأمّة بكينشاسا، التي كانت تُعرف آنذاك باسم ليوبولدفيل، لحضور حفل رسمي يُعلن انتهاء أكثر من سبعة عقود من الحكم الاستعماري.
في ذلك اليوم، أعلن الملك بودوان الأوّل رسمياً استقلال جمهورية الكونغو الديمقراطية.
في الشوارع الخارجية، اكتظّت كينشاسا بمشاهد الابتهاج وهي تستقبل حرّيةً طال انتظارها، وإن أعلنها الاستعمار البلجيكي على مضض.
يقول أكرم تومسيفو، باحث متخصّص في تاريخ جمهورية الكونغو الديمقراطية في منطقة البحيرات الكبرى، : "لم يكن البلجيكيون يقصدون الإعلان عن استقلال الكونغو. كان كثيرون في الأوساط البلجيكية يعتقدون أنّ الاستقلال لا ينبغي أن يتحقّق قبل ثمانينيات القرن الماضي. وبشكل عام، أرادوا مواصلة استغلال الموارد الطبيعية لبلادنا."
ويرى تومسيفو أنّ خطاب الملك بودوان الأوّل جاء "أبوياً" بامتياز، يعكس رغبة بلجيكا في الإبقاء على نفوذها على الكونغو.
وقد قال الملك بودوان الأوّل مخاطباً النخبة الكونغولية: "على مدى 80 عاماً، أرسلت بلجيكا أفضل أبنائها إلى أرضكم؛ أوّلاً لتحرير حوض الكونغو من تجارة الرقيق البشعة التي كانت تُفتّك بسكّانه، ثمّ لجمع شعوب كانت متناحرة لتتهيّأ معاً لتشكيل أكبر دولة مستقلّة في أفريقيا."
أمّا المؤرّخ الكونغولي داني كاييي المقيم في غوما، فيرى أنّ هذا الخطاب كان يفيض بالاستعلاء، في ظلّ ما عاناه الكونغوليون من معاملة لا إنسانية طوال حقبة الاستعمار.
ويستذكر كاييي أنّ جوزيف كاسافوبو، الذي كان مقرّراً أن يصبح أوّل رئيس للكونغو المستقلّة، "اعتمد على حسن نيّة البلجيكيين لقيادة البلاد، فاختار خطاباً دبلوماسياً مؤسّسياً مليئاً بالاعتدال تجاه المستعمِرين."
ويضيف : "في وقتٍ كانت فيه أصوات الكونغوليين مكتومة وآمالهم مهدرة، كان المشهد يستدعي شخصاً ذا شخصية حقيقية يجرؤ على مواجهة البيض الذين كانوا يُعامَلون كآلهة."
تمرّد لومومبا
كان باتريس إيميري لومومبا أوّل رئيس وزراء للكونغو وأحد أبرز وجوه حركة الاستقلال. قومي كاريزمي ومؤسّس الحركة الوطنية الكونغولية (MNC)، غدا أشدّ المنتقدين للحكم البلجيكي صوتاً. ناضل لومومبا من أجل السيادة الكاملة، وطالب بإنهاء ما وصفه بالاستغلال الاستعماري والظلم العنصري، فكانت خطابته وشعبيّته الواسعة في صميم مسار الاستقلال عام 1960، وجعلت منه رمزاً للنضال ضدّ الاستعمار في كلّ أرجاء أفريقيا.
وفق ما يرويه كاييي، لم يكن لومومبا مقرّراً له أن يتكلّم في الحفل أصلاً.
يقول كاييي: "ربّما كان تطرّفه وجرأته في التعبير هما السبب في إقصائه من برنامج الخطابة في ذلك اليوم. غير أنّه فاجأ الحضور بإلقاء خطاب لا يُنسى."
تحدّث لومومبا في خطابه عن الضرب والتمييز العنصري والقمع الذي عاشه الكونغوليون في ظلّ الاستعمار، مؤكّداً أنّ الاستقلال انتُزع انتزاعاً بالنضال.
وقال لومومبا: "لقد عانينا من الظلم والضرب الذي كنّا نتحمّله صباحاً وظهراً وليلاً لمجرّد أنّنا سود."
وأضاف: "عانينا من آلامٍ لا تُطاق؛ نُبذنا بسبب آرائنا السياسية أو معتقداتنا الدينية، ونُفينا في وطننا ذاته؛ وكان مصيرنا أشدّ قسوةً من الموت نفسه."
وفق تومسيفو، أثار الخطاب غضب المسؤولين البلجيكيين وكشف عمق التوتّرات المصاحِبة لنقل السلطة، وكان إشارةً مبكّرة إلى تعقيدات العلاقة بين البلدين في مرحلة ما بعد الاستقلال.
وعدٌ لم يتحقّق
بعد ستّة وستّين عاماً على الاستقلال، يرى كثير من الكونغوليين أنّ وعد الحرّية لم يتجسّد بعد على أرض الواقع.
داود كالومي، ناشط في مجال حقوق الطفل يبلغ 26 عاماً من بُونيا، يرى أنّ ذكرى الاستقلال ينبغي أن تكون مناسبةً للمراجعة والتأمّل.
يقول : "حين نتحدّث عن الاستقلال، نعني دولةً تطوّرت وتعتمد على نفسها وتُدير شؤونها بإمكاناتها الذاتية. هذا ليس حال الكونغو؛ فالحرب لا تزال مشتعلة في الشرق، ونحن عاجزون حتّى عن السيطرة على أجزاء من أراضينا."
ويضيف: "لو كانت الكونغو مستقلّةً حقّاً، لما تحدّثنا عن العنف المسلّح والهشاشة الاجتماعية والاقتصادية والفقر والتمييز. حيث يكون الاستقلال الحقيقي، يكون التنمية والأمن. مجتمعاتنا منقسمة، ونحن أبناء الشرق نشعر بأنّ سلطات كينشاسا تتخلّى عنّا."
وكان لومومبا قد ختم خطابه عام 1960 برسالة أمل:
"سنُريَ العالم ما يستطيع الإنسان الأسود أن يُنجزه حين يعمل في حرّية."
يعتقد كالومي أنّ هذه الرؤية لا تزال حبيسة الأدراج.
ويقول: "لدينا قادة يستغلّون الشعب لمصالحهم الخاصّة. نحن الكونغوليين لم نبلغ بعد النضج الكافي لحمل الأحلام التي رسمها لومومبا لهذه الأمّة."
نوي كابيونا، أبٌ لسبعة أبناء من بُونيا وُلد عام 1963، يتساءل هو الآخر عن معنى الاستقلال.
يقول : "لسنا مستقلّين بأيّ معنى حقيقي. حتّى في التعليم، ثمّة علماء يواصلون مسيرتهم في الخارج لأنّ بلادهم لا تمنحهم أيّ فرصة. من المؤسف أنّهم يجدون حياةً أفضل خارج وطنهم."
تأتي هذه الشهادات على خلفية عدم الاستقرار المزمن في شرق الكونغو، حيث أجبرت عقود من النزاعات المسلّحة مجتمعاتٍ بأكملها على النزوح، وجعلت شريحة واسعة من السكّان رهينة المساعدات الإنسانية.
وبعد أن عاش كابيونا عقوداً من تاريخ بلاده، لا يزال يؤمن بإمكانية النهوض.
يقول: "هذا البلد يُصيبنا بالقلق بكلّ ما يعتريه من أزمات إنسانية وصراعات سياسية تُذكي الفوضى. لكن لو أدركنا قيمتنا الحقيقية، فسنتمكّن في نهاية المطاف من قلب الأوضاع."
وبالنسبة لكابيونا، فإنّ الاعتماد المتواصل على المساعدات الدولية يطرح تساؤلات جوهرية حول مفهوم الاستقلال ذاته.
ويقول: "نحن دائماً نستجدي المساعدات الدولية. لم نسمع يوماً أنّ الكونغو موّلت مشروعاً في الولايات المتّحدة. ما نسمعه دائماً هو أنّ الولايات المتّحدة وكندا ودولاً أخرى تمدّنا بالدعم المالي. لا يعوزنا شيء، ومع ذلك نمدّ أيدينا دائماً. بل إنّ تفشّي فيروس إيبولا كنّا قادرين على التعامل معه بأنفسنا."
نظرةٌ إلى الأمام
يرى مويسا كريستوف، الناشط الداعي إلى الديمقراطية والحوكمة الرشيدة في حركة Filimbi المدنية، أنّ معاناة ما بعد الاستقلال تعود جزئياً إلى شحّ الكوادر القيادية المؤهّلة في وقت الاستقلال.
يقول : "في عام 1960، لم تكن الكونغو تمتلك ما يكفي من المثقّفين؛ أي أنّه لم يكن ثمّة سياسيون مُدرَّبون على فنّ الحكم."
تعكس هذه الملاحظة الإرث الاستعماري الثقيل، إذ ظلّ وصول الكونغوليين إلى التعليم العالي مقيّداً للغاية، ممّا أفضى إلى شحّ حادّ في الكوادر الإدارية المؤهّلة لحظة الاستقلال.
ويختم كريستوف: "بالنسبة لي، كانت هذه الستّة والستّون عاماً مرحلةَ انتقال عشنا خلالها غياب الإعداد والارتجال وعدم الاستقرار الأمني والعجز الاقتصادي والانفصالات والتمرّدات. علينا أن نتوقّف ونُجري جرداً حقيقياً ونستخلص الدروس الصحيحة قبل أن نمضي إلى الأمام وفق الأولويات."
أخبار ذات صلة

الجزائر تصوّت لاختبار المشهد السياسي بعد الحراك

جنوب أفريقيا بعد الفصل العنصري: نصف قرن على أحداث سويتو، ماذا تغيّر؟

احتجاجاتٌ في كينيا ضدّ مركز الحجر الصحي الأمريكي لفيروس إيبولا في نانيوكي
