ذكرى انتفاضة سوويتو وأثرها على جنوب أفريقيا اليوم
تستعرض المقالة الذكرى الخمسين لانتفاضة سوويتو، حيث واجه الطلاب السود قمع الأبارتهايد بشجاعة. رغم التحديات الحالية، تظل تلك اللحظة محورية في تاريخ جنوب أفريقيا، تعكس نضال الشباب من أجل حقوقهم في مواجهة الأزمات. خَبَرَيْن.

مرّت خمسون سنةً على انتفاضة سوويتو في جنوب أفريقيا، حين خرج الطلاب السود بأعدادٍ كبيرة للاحتجاج على السياسات القمعية لحكومة الفصل العنصري (الأبارتهايد). لم يكن بأيديهم شيء سوى زيّهم المدرسي، غير أنّهم واجهوا الرصاص وكلاب الشرطة والاعتقال. بدأت الشرارة بإضراباتٍ طلابية في مدرسةٍ واحدة، ثمّ امتدّت سريعاً عبر مدينة Johannesburg وتحوّلت إلى موجة احتجاجات عارمة اكتسبت طابعاً عنيفاً. سقط عددٌ من القتلى، لكنّ الاحتجاجات حقّقت في مجملها ما سعت إليه، إذ تراجعت الحكومة في نهاية المطاف عن السياسات التي رفضها المحتجّون.
وعلى الرغم من أنّ انتفاضة سوويتو عام 1976 سبقت سقوط نظام الأبارتهايد بثمانية عشر عاماً، فإنّها تُعدّ على نطاقٍ واسع لحظةً محوريّة في التاريخ الجنوب أفريقي واحدةً من محطّاتٍ عدّة مارست ضغطاً متصاعداً على حكومة الأقليّة البيضاء، ومهّدت الطريق لميلاد البلاد من جديد عام 1994.
بيد أنّ الذكرى الخمسين تأتي هذا العام مثقلةً بأزماتٍ متعدّدة، تُلقي بظلالها على أجواء الاحتفاء. فأكبر اقتصادات أفريقيا وأكثرها تطوّراً يرزح تحت وطأة فقرٍ حادّ وبطالةٍ مرتفعة وجريمةٍ متفشّية، ويتحمّل أبناء الأغلبية السوداء العبء الأكبر من تداعيات هذا الواقع. وفي الأسابيع الأخيرة، خرج بعض الجنوب أفريقيين في احتجاجاتٍ ضدّ المهاجرين الأفارقة، ما اضطرّ دولاً أفريقية عدّة إلى إجلاء مئات مواطنيها.
وقال الرئيس Cyril Ramaphosa في كلمةٍ وجّهها إلى الشباب يوم الاثنين: "بعد خمسين عاماً بالضبط، أنتم أيّها الشباب الجنوب أفريقي تواجهون تحدّياً مختلفاً: أن تجدوا مكانكم في اقتصادٍ أوصد أبوابه طويلاً في وجوهكم."
وفيما يلي استعراضٌ لما جرى في انتفاضة سوويتو التي تحتفي بها البلاد اليوم:
ماذا حدث عام 1976؟
لا تُعبّر صورةٌ عن أحداث سوويتو التي اندلعت في 16 يونيو واستمرّت حتى 18 منه كما تُعبّر تلك الصورة الشهيرة: رجلٌ يحمل طفلاً في الرمق الأخير أُصيب برصاصة، فيما تركض إلى جانبهما أختُه الكبرى بزيّها المدرسي وهي تبكي.
ذلك الطفل هو Zolile Hector Pieterson، ابن الاثني عشر عاماً، الذي كان واحداً من آلاف الطلاب الذين تجمّعوا في سوويتو للاحتجاج على سياساتٍ جديدة أجبرت الطلاب السود على التعلّم باللغتين الإنجليزية والأفريكانية لغة الحكومة التي يهيمن عليها الأفريكانيون. قبل ذلك، كان التدريس يجري بالإنجليزية إلى جانب اللغات المحلية كالـ Xhosa والـ Zulu.
في ظلّ نظام الأبارتهايد الذي امتدّ من 1948 إلى 1994، فرضت الحكومة فصلاً صارماً بين المجموعات العرقية في المدارس، وحُرم السود من دخول المناطق والمدارس المخصّصة للبيض. وكان مستوى التعليم المقرّر للأطفال السود متدنّياً بصورةٍ مقصودة، يهدف إلى إبقائهم في مستوى العمالة اليدوية والوظائف الهامشية. فلمّا أعلنت الحكومة في مطلع عام 1975 عن سياسة تجعل الأفريكانية اللغةَ الإلزامية للتدريس في المدارس السوداء، كان ذلك القشّة التي قصمت ظهر البعير.
يقول Thami Ntenteni، الذي كان معلّماً في إحدى المدارس المشاركة في الاحتجاج، مستذكراً حالة الاحتقان آنذاك: "كنتُ أعلم أنّ شيئاً ما سيحدث." وكان عضواً في الجناح العسكري لحركة التحرير African National Congress، وقد اضطرّ إلى الفرار إلى الاتحاد السوفيتي قبل أشهرٍ من المسيرة. وأضاف أنّ سياسة اللغة "كانت مسألةً بالغة الحساسية لدى الطلاب وكذلك المعلّمين".
في 16 يونيو، انطلق آلاف الطلاب في مسيرةٍ سلمية عبر سوويتو. غير أنّ شرطة الأبارتهايد سرعان ما سلّطت الكلاب عليهم ثمّ أطلقت النار بذخيرةٍ حيّة، فسقط كثيرون قتلى. اندلعت أعمال شغبٍ في الأيّام التالية، وبلغ عدد القتلى ما لا يقلّ عن 176 شخصاً، من بينهم Pieterson الذي وصل إلى عيادةٍ قريبة جثّةً هامدة. وأُصيب الآلاف وجرى اعتقال كثيرين آخرين.
انتشرت صورة Pieterson المحتضر في أرجاء العالم وأشعلت موجة غضبٍ واسعة. وأعلنت منظمة الوحدة الأفريقية آنذاك إدانتها الشديدة لحكومة الأبارتهايد، و واصلت قيادة جهود تحرير البلاد.
لم تكن تلك المرّة الأولى التي يواجه فيها السود الرصاص في احتجاجاتهم؛ ففي عام 1960، خلال احتجاجات Sharpeville في مقاطعة Transvaal آنذاك، سقط متظاهرون سود أيضاً كانوا يرفضون قوانين تُلزمهم بحمل بطاقات المرور.
يُحتفل اليوم في جنوب أفريقيا بـ16 يونيو عطلةً رسمية تُعرف بـ"يوم الطفل الأفريقي"، إحياءً لذكرى Hector Pieterson والأطفال الذين ماتوا معه.
كيف هو حال جنوب أفريقيا بعد نصف قرن؟
يقول كثيرٌ من الجنوب أفريقيين إنّهم لم يجنوا بعدُ ثمار الديمقراطية التي ضحّوا من أجل تحقيقها عام 1994. فقد أفضت الإدارة الحكومية غير الكفؤة والفساد المستشري واستنزاف الاحتياطيات المعدنية إلى تراجع اقتصادٍ كان في يومٍ ما قوّةً عظمى في إنتاج الذهب والبلاتين.
البنية التحتية تتهاوى، وفي مقدّمتها إمدادات الكهرباء. وتبلغ نسبة البطالة بين الشباب في الفئة العمرية من 15 إلى 24 عاماً 60 بالمئة، فيما ترتفع معدّلات الفقر والجريمة.
ويتحمّل السود، الذين يشكّلون 80 بالمئة من السكّان، الوطأة الأكبر من هذا الفقر. وتُشير الدراسات إلى أنّ متوسّط دخل الأسرة السوداء يبلغ نحو 10,554 راند جنوب أفريقي (ما يعادل 652 دولاراً) شهرياً، في مقابل 117,249 راند (7,427 دولاراً) للأسرة البيضاء.
وقد صنّف البنك الدولي جنوب أفريقيا عام 2022 الدولةَ الأكثر تفاوتاً في العالم، بسبب عواملَ من بينها التفاوت الحادّ في توزيع الأراضي بين المجموعات العرقية، وإخفاق البلاد في بناء طبقةٍ وسطى ذات ثقل حقيقي.
لماذا يغادر المهاجرون البلاد؟
كشفت الاعتداءات الأخيرة على المهاجرين الأفارقة و لا سيّما القادمين من Zimbabwe و Malawi و Mozambique و Nigeria و Ghana عن عمق السخط لدى شريحةٍ واسعة من الجنوب أفريقيين الذين يرون في الهجرة سبباً إضافياً لتردّي أحوالهم.
وقد ظلّت جنوب أفريقيا، بوصفها من أكثر دول القارّة ازدهاراً، تستقطب العمّال من مختلف أنحاء أفريقيا منذ أمدٍ بعيد؛ بعضهم هاجر بصورةٍ قانونية وبعضهم الآخر دون وثائق رسمية.
وقد شهدت البلاد في الماضي احتجاجاتٍ وأعمال شغبٍ ضدّ المهاجرين غير النظاميين، إذ يتّهمهم الجنوب أفريقيون بالاستيلاء على فرصٍ كانت من حقّهم. وفي السنوات الأخيرة، تصاعد حدّة هذه القضية مع صعود حركاتٍ شعبية تعمد إلى احتجاز من تشكّ في كونهم مهاجرين، فضلاً عن توظيف بعض السياسيين اليمينيين لخطابٍ يُصوّر المهاجرين عبئاً على الدولة.
في أبريل الماضي، عاد آلاف الجنوب أفريقيين إلى الشوارع مطالبين بترحيل المهاجرين غير النظاميين وتطبيق سياساتٍ حدودية صارمة. وشنّت عصاباتٌ هجماتٍ على منازل الأجانب وأعمالهم التجارية في مدنٍ عدّة، ممّا دفع حكومتَي Ghana وNigeria إلى إجلاء مئاتٍ من مواطنيهما. كما فرّ كثيرون من Zimbabwe وMozambique وMalawi عائدين إلى بلدانهم.
وأُفيد بمقتل نيجيريَّيْن على الأقلّ، في حين أعلنت Mozambique عن سقوط سبعة من مواطنيها قتلى. و وصفت هذه الدول الاعتداءات بأنّها "كراهية للأجانب" (Xenophobia)، وهو وصفٌ ترفضه الحكومة الجنوب أفريقية.
وفي هذا السياق، قال Irfaan Mangera، الناشط الشبابي في مجال الديمقراطية، إنّ الغضب الذي يشعر به الشباب الجنوب أفريقي مفهومٌ ومبرَّر. وأضاف: "لقد طال إحباط الناس كثيراً، وباتوا في مرحلةٍ فقدوا فيها الثقة بالمؤسّسات"، مشيراً إلى أنّ الحركات المعادية للمهاجرين تستغلّ هذه الإحباطات وتوظّفها لصالحها.
وأكّد Mangera أنّه، وإن لم تكن ثمّة حلولٌ سهلة، فإنّه يُشارك شخصياً في مشاريع لمكافحة الفقر وإطلاق مبادراتٍ تُعرّف الشباب بحقوقهم وتحثّهم على المشاركة في الانتخابات. وختم بالقول: "نريدهم أن يروا أنّ الديمقراطية لا تزال شيئاً يمكنهم المشاركة فيه."
أخبار ذات صلة

ألكس مردوخ يعود إلى المحكمة بعد إلغاء إدانات القتل

إيران في كأس العالم: الإيرانيون بلوس أنجلوس بين الهتاف والاحتجاج

بيلفاست: كيف تحوّلت جريمة سكّين إلى أعمال عنفٍ ضدّ المهاجرين؟
