أطفال غزة بين الألم واليتم في زمن الحرب
تعيش هالا، الطفلة الناجية من قصف في غزة، ألم فقدان عائلتها وسط جروحها. مع 17,000 طفل يتيم، تواجه غزة واقعًا مُدمرًا. تعرّف على قصصهم وأهمية الدعم النفسي والطبي في ظل هذه الأزمات. تابعوا التفاصيل على خَبَرَيْن.

قبل أن تفهم هالا ما الذي جرى، كانت عائلتها قد رحلت.
تستلقي الطفلة هالا لُبّاد، ذات السنوات السبع، على سريرها في مستشفى الشفاء بغزة، وجسدها الصغير يحمل أثقالاً من الجروح والحروق. تُردّد بصوتٍ خافت: «أين أمّي؟ أين أبي؟» دون أن يجيبها أحد.
في الساعات الأولى من فجر 2 يونيو، اندلع حريقٌ في منزل عائلة لُبّاد في مدينة غزة إثر قصفٍ إسرائيلي استهدفه وأهله نائمون. ارتقى فيه والدها البالغ من العمر 42 عاماً، الذي كان يعمل شرطياً، و والدتها المعلّمة البالغة 40 عاماً، فضلاً عن شقيقَيها اللذَين كانا في العاشرة والسابعة عشرة من عمرَيهما.
تقول عمّتها حنين لُبّاد، البالغة 28 عاماً، التي باتت تتولّى رعايتها: «كانت هالا بينهم … وكانت الوحيدة التي نجت، إلى جانب أخيها محمد البالغ 16 عاماً. أما الباقون فقد رحلوا»، وعيناها تفيضان بالدموع.
بعد قرابة أسبوعَين على الحادثة، لا تزال هالا التي أصيبت بحروقٍ بالغة تعيش في ضبابٍ من الذاكرة المتشظّية، غير مدركةٍ تماماً لما حدث. تقول حنين بهدوء إنّ الأطباء وعلماء النفس أوصوا العائلة بالتأنّي في إخبار الطفلة بحقيقة فقدان والدَيها وأشقّائها. «إن سمعت كلّ شيءٍ دفعةً واحدة، فقد تنهار»، تضيف.
غير أنّ الحقيقة تتسرّب إليها رغم ذلك من شقوق الحياة اليومية.
«تسأل عنهم كلّ يوم»، تقول حنين. «تبكي باستمرار. تقول: أريد أمّي، أريد أبي، أريد أن أكلّمهم. تطلب صورهم … وتتساءل لماذا لم يعودوا يزورونها».
خضعت هالا منذ وصولها إلى المستشفى لعمليّاتٍ جراحية متعدّدة، إلا أنّ الأطباء يحذّرون من أنّها تحتاج بشكلٍ عاجل إلى السفر للعلاج في الخارج، لوقف تدهور حالتها وتفادي خطر فقدان أصابعها جرّاء تضرّر الأنسجة المتواصل.
«هالا تحتاج إلى علاجٍ طبّي ونفسي وإلى تأهيلٍ عاجل خارج القطاع»، تقول حنين. «كانت طفلةً طبيعية تضحك وتلعب … مليئةً بالحياة. أما الآن فهي بين الألم والخوف، جسدها منهَك … وحالتها النفسية أشدّ وطأةً من ذلك».
17,000 طفل بين اليُتم والتشتّت
هالا ليست سوى واحدةٍ من آلاف الأطفال الذين نجوا من القصف الإسرائيلي ليجدوا أنفسهم وجهاً لوجهٍ أمام واقعٍ مُدمِّر.
وفق تقديرات الأمم المتحدة، بلغ عدد الأطفال الذين فقدوا ذويهم أو انفصلوا عن والدَيهم أو مقدّمي الرعاية الأساسيين لهم منذ بدء الحرب الإسرائيلية على غزة في أكتوبر 2023 نحو 17,000 طفل؛ منهم من فقد كلا والدَيه، ومنهم من بات الناجي الوحيد من عائلته بأسرها.
يحذّر علماء النفس من أنّ هؤلاء الأطفال يواجهون مخاطر متراكمة من الصدمات النفسية الحادّة والقلق والاكتئاب، إلى جانب فقدان الشعور بالأمان والهوية الأسرية، وذلك في مرحلةٍ بالغة الحساسية من مراحل النموّ.
على الصعيد الأشمل، أفادت وكالة UNICEF بأنّ ما لا يقلّ عن 21,289 طفلاً فلسطينياً استشهدوا في غزة منذ بدء الحرب، فيما أُصيب 44,500 آخرون.
ولم يتوقّف هذا النزيف مع الإعلان عن «وقف إطلاق النار» في أكتوبر الماضي؛ إذ تواصل إسرائيل انتهاك الاتفاق بهجماتٍ شبه يومية أدت إلى استشهاد أكثر من 1,000فلسطيني منذ ذلك الحين. وبحسب UNICEF، استشهد ما لا يقلّ عن 60 فتىً و40 فتاةً في الأشهر الثلاثة الأولى من «وقف إطلاق النار» وحده، أي بمعدّل طفلٍ واحد يومياً، فيما يُرجَّح أن يكون الرقم الفعلي أعلى من ذلك، فضلاً عن مئاتٍ أُصيبوا بجروح.
«ماذا سيبقى من حياته؟»
خلّفت الهجمات الإسرائيلية أيضاً آلاف الأطفال ذوي إعاقاتٍ دائمة. وتقول الأمم المتحدة والمنظّمات الإنسانية إنّ غزة باتت تسجّل واحدةً من أعلى نسب بتر الأطراف لدى الأطفال في العالم قياساً بعدد السكّان.
الرضيع محمد الخطيب، ذو الشهرَين، واحدٌ من هؤلاء.
جرى بتر ساقه اليسرى وأُصيب بجروحٍ متعدّدة في أنحاء جسده الصغير، إثر هجومٍ إسرائيلي استهدف المواصي في 25 مايو، أدى إلى استشهاد والدته وهي تُرضعه.
«لا أزال في حالة صدمة»، يقول والده أحمد الخطيب، يكبت دموعه وهو يجلس إلى جانب طفله الذي أغفى أخيراً بعد ساعاتٍ من البكاء في مجمّع ناصر الطبّي في خان يونس جنوب غزة.
يشتدّ حزن أحمد حين يتحدّث عن ابنه الآخر آدم، البالغ سنتَين ونصفاً، الذي يعجز عن استيعاب غياب أمّه.
«يبكي طوال الوقت … يتلفّت ويبحث بين الوجوه وفي الزوايا الضيّقة، وهو يُنادي: ماما … ماما»، يقول أحمد بصوتٍ يتكسّر.
«أشعر كأنّ قلبي يتمزّق عليه … ما ذنبهم؟ ما الذي جرى؟ وما ذنب زوجتي؟»
يوزّع الأب وقته بين طفلَيه بمساعدة جدّتهما، يحاول مراراً أن يُهدّئ من روع آدم.
«أحاول أن أخبره بأنّ أمّه ذهبت إلى الجنّة، لكنّه طفلٌ صغير لا يفهم معنى الغياب الأبدي … ويُصرّ على أنّه يريد الذهاب إليها».
يستعيد أحمد لحظة تبدّل فيها كلّ شيء. كانت زوجته قد أخذت رضيعها إلى خيمةٍ مجاورة لعائلته كي تُرضعه هناك، ولم تمضِ سوى لحظاتٍ حتى ضرب القصف الإسرائيلي المكان.
«ركضت نحو المكان فلم أجد الخيمة»، يقول. «حين وصلت، رأيت زوجتي مُغرَّقةً بالدماء وهي تحضن طفلها. أخذت محمداً من تحتها … كان جسده يرتجف من شدّة الإصابة … واكتشفت أنّ ساقه اليسرى قد بُترت بالكامل».
منذ ذلك اليوم، لا يزال محمد في المستشفى يخضع لسلسلةٍ من العمليّات الجراحية للحفاظ على حياته وتفادي المزيد من البتر.
وفي حين يصارع أطفالٌ كمحمد تداعيات البتر والجروح، يبقى الوصول إلى العلاج محدوداً للغاية. يحذّر المسؤولون الصحّيون من أنّ التأخّر في نقل الأطفال الجرحى بحالاتٍ حرجة ولا سيّما من يعانون من حروقٍ بالغة أو إصاباتٍ في الأطراف أو الحبل الشوكي قد يُفضي إلى إهدار أيّ فرصةٍ للشفاء أو التأهيل.
«كلّ يومٍ يخضع لعمليّةٍ جديدة»، يقول أحمد عن الطفل الرضيع. «الأطباء يقولون إنّ ذراعه مهدّدة بالبتر. طفلٌ عمره شهران؟ كم عمليّةً يستطيع أن يتحمّل؟»
«سيكبر هذا الطفل بلا أمّ، وربّما بلا ساق، وربّما بلا ذراعٍ أيضاً. ماذا سيبقى من حياته؟»
أخبار ذات صلة

البيروفيون يقولون إنهم وُعدوا بوظائف في روسيا، لكنهم انتهى بهم الحال على خطوط القتال في أوكرانيا

الحكم القضائي يهدّد وضع مليون مهاجرٍ في أمريكا

كندا تتراجع عن حقوق المهاجرين واللاجئين
