مصير مئات الآلاف من الهايتيين والسوريين في خطر
مئات الآلاف من الهايتيين والسوريين يواجهون مصيرًا مجهولًا بعد حكم المحكمة العليا الأمريكية الذي ألغى وضع الحماية المؤقتة. تأثيرات هذا القرار ستضرب المجتمعات والقطاعات التي يعملون بها. تفاصيل أكثر في خَبَرَيْن.

مئات الآلاف من الهايتيين والسوريين كانوا، حتى صباح الخميس الماضي، يعيشون ويعملون في الولايات المتحدة بصورة قانونية تامة. ثمّ جاء قرارٌ واحد ليُغيّر هذا كلّه: تصاريح عملهم باتت على وشك الانتهاء، وحمايتهم من الترحيل ستُلغى، فيجدون أنفسهم في منطقةٍ رماديّة لا هم مقيمون بوضعٍ قانوني واضح، ولا هم يعلمون ما الذي ينتظرهم.
جاء هذا التحوّل المفاجئ في الأقدار إثر حكمٍ أصدرته المحكمة العليا الأمريكية، قضى بأنّ وزارة الأمن الداخلي تتمتّع بصلاحياتٍ تقديريّة واسعة في تمديد أو إنهاء ما يُعرف بـ"الوضع المحمي المؤقت" (Temporary Protected Status - TPS)، وهو شكلٌ من أشكال الإغاثة الإنسانية يُتيح لمواطني دولٍ تعاني من أزماتٍ إنسانية أو كوارث طبيعية العيشَ والعملَ بصورة قانونية على الأراضي الأمريكية طوال مدة سريان هذا الوضع.
كان الحكم انتصاراً كبيراً لإدارة Trump وتعهّدها بترحيل جماعي. وإن كانت القضية تتمحور حول نحو 350,000 هايتي و6,000 سوري يحملون وضع TPS، فإنّ تداعياتها تمتدّ لتطال مئات الآلاف من مواطني 11 دولة أخرى. موجات الصدمة ستضرب المجتمعات التي يعيشون فيها والقطاعات التي يعملون بها.
قال Ahilan Arulanantham، الذي ترافع في قضية TPS السورية أمام المحكمة العليا وهو أستاذ في كلية الحقوق بجامعة UCLA: "سيكون هذا أكبر حدثٍ لسحب الوثائق من الناس في تاريخ الولايات المتحدة."
في حكمٍ بأغلبية 6 مقابل 3، قضت المحكمة بأنّ المحاكم الأدنى درجةً لا تملك صلاحية الطعن في قرارات وزارة الأمن الداخلي المتعلقة بتحديد وضع TPS.
سبعة عشر دولةً تحمل حالياً تصنيف TPS، وقد سعت إدارة Trump إلى إنهاء هذا الوضع لـ13 منها.
جاء حكم الخميس ضمن انتصارَين متزامنَين للإدارة في ملف الهجرة؛ ففي قرارٍ مستقلّ بالأغلبية ذاتها 6 مقابل 3، أجازت المحكمة للإدارة استئناف سياسةٍ مثيرة للجدل تُتيح لها إعادة المهاجرين بصورة منهجية من الحدود الجنوبية. ومجتمعَين، يمنحان الإدارةَ وكلَّ إدارةٍ تأتي بعدها هامشاً أوسع في تحديد من يُسمح له بالبقاء على الأراضي الأمريكية.
قال James Percival، المستشار القانوني العام لوزارة الأمن الداخلي، في بيانٍ رسمي: "بفضل هذه القرارات، أصبح بحوزتنا عدّةُ أدواتٍ إضافية مهمة لمواصلة تأمين حدودنا."
ولا يزال أكبر قرارٍ محتمل في ملف الهجرة معلّقاً أمام المحكمة العليا: إذ تستعدّ للبتّ قريباً في المرسوم التنفيذي الذي أصدرته إدارة Trump بهدف إنهاء حق الجنسية بالولادة كما جرى تفسيره منذ أكثر من قرن. ومصير مئات الآلاف من الأطفال المولودين على الأراضي الأمريكية لآباءٍ من غير المواطنين معلّقٌ في الميزان.
ما الذي يحدث بعد ذلك؟
على الرغم من الأثر البعيد المدى لكلا قراري الخميس، فإنّ تداعيات قرار TPS تحديداً يُرجَّح أن تكون أشدّ وطأةً وأسرع ظهوراً، لا سيّما أنّ حركة العبور عند الحدود الجنوبية لا تزال منخفضة. ويبقى التوقيت الدقيق لسحب الحمايات غير محدّد، مما يجعل المستفيدين من TPS عُرضةً للترحيل في أيّ وقت، وإن كان المتوقَّع أن تتكشّف الأمور على مدى أشهر.
الطعون القانونية التي رُفعت ضدّ الإدارة بشأن إلغاء TPS لدولٍ عدة ستُردّ على الأرجح بسبب هذا الحكم، مما يُفسح المجال أمام الإدارة للمضيّ في مخطّطاتها. ويعني ذلك أنّ من يتمتّعون بالحماية من الترحيل بموجب تصنيفاتٍ سعت الإدارة إلى إلغائها سيُجرَّدون من تلك الحماية، بما فيها تصاريح العمل.
جادلت إدارة Trump بأنّ تصنيفات TPS كانت دائماً مؤقّتةً بطبيعتها، وأنّ مواطني الدول المشمولة استغلّوا الحماية من الترحيل لفترةٍ تجاوزت بكثير المدة التي كان يقتضيها الوضع في بلدانهم. غير أنّ هايتي تعيش منذ عقودٍ في دوّامةٍ من الكوارث الطبيعية والاضطرابات السياسية والعنف الذي زعزع استقرار البلاد، وهي منذ اغتيال رئيسها عام 2021 تعيش في ظلّ سيطرة العصابات فعلياً.
يعود التصنيف الأصلي لهايتي تحت مظلّة TPS إلى زلزال بلغت قوّته 7.0 درجاتٍ ضرب البلاد عام 2010، حين رأت وزارة الأمن الداخلي أنّ على المواطنين الهايتيين المقيمين في الولايات المتحدة آنذاك الحصولَ على حمايةٍ مؤقّتة تحول دون إعادتهم إلى وطنٍ يرزح تحت ركام الكارثة.
وقد جرى تمديد هذه الحماية مراراً، كان آخرها إثر اغتيال الرئيس Jovenel Moïse عام 2021، إلى أن أنهتها إدارة Trump.
جاء حكم الخميس أيضاً في سياقٍ لافت: زلزالان ضربا فنزويلا وخلّفا عشراتٍ من القتلى ومئاتٍ من الجرحى وهو النوع من الكوارث الذي كانت الإدارات السابقة تعتبره مسوّغاً لمنح TPS. وقد كانت وزيرة الأمن الداخلي السابقة Kristi Noem قد أقدمت على إنهاء وضع TPS للفنزويليين في الولايات المتحدة. وبحسب مسؤولٍ أمريكي، فإنّ وزارة الأمن الداخلي التي يترأّسها حالياً Markwayne Mullin لا تعتزم التراجع عن هذا القرار أو تمديد الحماية للفنزويليين في ضوء زلازل هذا الأسبوع.
يحثّ المحامون المتخصّصون في قضايا الهجرة المتضرّرين على استكشاف أيّ مسارٍ قانوني بديل في أقرب وقتٍ ممكن.
قالت Katie Kersh، المحامية المديرة في منظمة Advocates for Basic Legal Equality في مدينة Dayton بولاية Ohio: "لا تنتظروا حتى تعتقلكم ICE لتفكّروا في هذا الأمر. المنظومة القانونية للهجرة بطيئةٌ للغاية، ومن الصعب جداً إنجاز أيّ شيءٍ على وجه الاستعجال في اللحظة الأخيرة."
ومستقبل حاملي TPS المقيمين حالياً في الولايات المتحدة لن يكون واحداً، بل سيتفاوت بحسب ظروف كلّ شخص. قال Geoffrey Pipoly، أحد المحامين الذين مثّلوا حاملي TPS الهايتيين في القضية المنظورة أمام المحكمة العليا، إنّ بعضهم قد تتوفّر لديهم خياراتٌ للبقاء بصورة قانونية.
وأضاف: "الأمر ليس أبيض أو أسود. سيتوقّف الحقّ في البقاء على الوقائع والملابسات الفردية لكلّ حالة. لا أستطيع الإجابة بشكلٍ عام؛ سيكون الأمر حالةً بحالة."
لكنّه حذّر من أنّ العواقب قد تكون وخيمةً على من سيُرحَّلون.
وقال Pipoly: "كثيرٌ من الناس سيموتون موتاً عنيفاً لا مبرّر له. هذا هو الخلاصة. هذا ما أبقاني مستيقظاً ليالٍ طوال على مدى الأشهر الثمانية الماضية."
التداعيات السياسية
حذّر بعض الجمهوريين من مغبّة مسعى إدارة Trump لإنهاء TPS للهايتيين. وكتب النائب Mike Lawler، الجمهوري عن ولاية New York، في منشورٍ على X أنّه وإن لم يُشكّك قطّ في صلاحية الرئيس لإنهاء تصنيفات TPS، فإنّه يعارض السعي لإنهاء الوضع الخاصّ بالهايتيين "في هذه المرحلة".
وكتب Lawler، الذي يضمّ دائرته الانتخابية جالية هايتية كبيرة: "الأوضاع على أرض الواقع في هايتي كارثةٌ إنسانية وسياسية، وتستوجب تمديد الحماية."
وطالب المناصرون الكونغرس بالنظر في تشريعٍ يُمدّد TPS للهايتيين طوال فترة إدارة Trump.
أمّا الحاكم الجمهوري لولاية Ohio، Mike DeWine، الذي أبدى دعماً قوياً لحاملي TPS الهايتيين، فوصف حكم المحكمة العليا يوم الخميس بأنّه "خطأٌ فادح" سيُلحق الضرر بالولاية واقتصادها وبالبلاد برمّتها، مشيراً إلى أنّ هؤلاء المهاجرين أعادوا الحياة إلى مجتمعاتٍ كانت تحتضر، كمدينة Springfield في Ohio.
وقال DeWine في بيانٍ رسمي: "نتيجةً لحكم اليوم، فإنّ أكثر من 10,000 هايتي يعيشون في Ohio معظمهم في منطقة Springfield كانوا بالأمس يقيمون بصورة قانونية بموجب TPS، وأصبحوا اليوم مقيمين بصورة غير قانونية وعُرضةً للترحيل الفوري. وهذا يعني أيضاً أنّ هؤلاء الهايتيين الذين كانوا بالأمس يعملون ويُسهمون في مجتمعنا واقتصادنا، أصبح توظيفهم اليوم مخالفاً للقانون."
وقد غدا الهايتيون هدفاً لحملةٍ من التشهير والإساءة من قِبَل Trump، تعود جذورها إلى ولايته الأولى. وخلال حملة 2024، تعرّض المجتمع الهايتي في Springfield لهجماتٍ متكرّرة من Trump ونائبه آنذاك JD Vance، اللذَين روّجا ادّعاءاتٍ كاذبة مفادها أنّ المهاجرين في تلك المدينة يأكلون الحيوانات الأليفة.
وقال قسٌّ في Springfield للصحفيين في أعقاب حكم الخميس إنّ ما جرى قد يكون "كارثةً" على المدينة.
قال القسّ Carl Ruby من كنيسة Central Christian Church: "كنّا مدينةً في تراجعٍ منذ 50 عاماً. حين وصل الهايتيون، كانت تلك المرّة الأولى التي ننمو فيها منذ نصف قرن."
إسهامٌ يقارب 6 مليارات دولار في الاقتصاد
حذّرت مجموعاتٌ تجارية من أنّ إخراج حاملي TPS الهايتيين من سوق العمل سيُلقي بظلاله الثقيلة على أصحاب العمل والقطاعات الاقتصادية والاقتصاد الأمريكي ككلّ.
فوفقاً لتحليلٍ أجرته منظمة FWD.us المعنية بسياسات الهجرة والمناصرة لصالح TPS، كان قرابة 190,000 من حاملي TPS الهايتيين موظَّفين في مطلع عام 2025، يُسهمون بما يُقدَّر بـ5.9 مليار دولار في الاقتصاد الأمريكي، فضلاً عن دفع 1.6 مليار دولار في صورة ضرائب فيدرالية وضرائب رواتب وضرائب محلية و ولائية.
قالت Rebecca Shi، الرئيسة التنفيذية لـAmerican Business Immigration Coalition Action، في بيانٍ رسمي: "هذا القرار ضربةٌ مدمّرة لمئات الآلاف من حاملي TPS الذين بنوا حياتهم في مجتمعاتٍ عبر أمريكا، وللاقتصاد بوجهٍ خاص، إذ نحن على وشك أن نخسر عمّالاً متمرّسين وموثوقين في قطاعاتٍ حيوية، من الرعاية الصحية إلى الضيافة والبناء وما هو أبعد من ذلك."
Jan Gautam، الرئيس التنفيذي لشركة IHRMC Hotels & Resorts، سيُضطرّ على الأرجح إلى تسريح نحو 20% من موظّفيه في عشراتٍ من الفنادق في Florida في أعقاب هذا الحكم. وبدون هؤلاء العمّال، قد يضطرّ إلى إغلاق بعض الغرف أحياناً لعجزه عن تجهيزها في الوقت المناسب للضيوف القادمين، علاوةً على ما سيُنفقه من وقتٍ وجهدٍ في البحث عن موظّفين جدد و هي مهمّةٌ شاقّة أصلاً وآلاف الدولارات في تدريب كلٍّ منهم.
قال Gautam، وهو عضوٌ في American Business Immigration Coalition: "معظم هؤلاء العمّال الهايتيين من حاملي TPS على استعدادٍ للعمل في أيّ ظرف، تنظيف المراحيض والغرف القذرة، من أجل إعالة أسرهم. وفي الوقت ذاته، هم يدفعون الضرائب."
قطاع رعاية المسنّين، الذي يعاني أصلاً من شحٍّ حادّ في الكوادر البشرية، يترقّب بقلقٍ بالغٍ ما سيعنيه هذا القرار لدور التمريض ومرافق الرعاية المساعِدة والرعاية المنزلية، إذ كثيرٌ من موظّفيها من حاملي TPS الهايتيين. وقد تضطرّ بعض هذه المرافق إلى تقليص القبول أو الاستجابة للطلبات ريثما تُوظّف عمّالاً جدداً.
Colin O'Leary، المدير التنفيذي لمركز Laurel Ridge Rehabilitation & Skilled Care Center، يتساءل بقلقٍ كيف سيعوّض نحو 10 موظّفين محوريّين سيضطرّ على الأرجح إلى الاستغناء عنهم. لكنّ ما يُقلقه أكثر من ذلك هو الأثر على 115 مقيماً في المركز الواقع في Boston.
قال O'Leary: "ستفقدون مقدّمي رعايةٍ متفانين أقاموا علاقاتٍ حقيقية مع كبار السنّ لدينا."
أخبار ذات صلة

كندا تتراجع عن حقوق المهاجرين واللاجئين

العودة المتسارعة إلى الجنوب: اللبنانيون يعودون إلى ديارهم المدمّرة بعد التفاهم الأمريكي الإيراني

الحياة في الجنينة: بين الحرب والأزمة الإنسانية
