أطفال أوكرانيا بين الحرب واللجوء في إيطاليا
في خضم الحرب، تُصبح مصائر الأطفال الأوكرانيين رهينة نزاعات قانونية دولية. قصة ليوبوف رودِيكا التي أنقذت 25 طفلاً إلى إيطاليا، تكشف عن التحديات والصراعات التي تواجهها عائلاتهم في العودة. تفاصيل مثيرة على خَبَرَيْن.




- في مدينة سومي، في شمال أوكرانيا، كانت ليوبوف رودِيكا تُدير داراً لرعاية الأطفال عندما اجتاحت القوات الروسية المدينة في الأيام الأولى من الغزو الشامل مطلع عام 2022. أحاطت الدبابات بالمدينة من كل جانب تقريباً، وكان القرار عاجلاً: يجب إخراج الأطفال. لم تتخيّل رودِيكا حين وضعت الأطفال الخمسة والعشرين على متن الحافلة المتجهة إلى نابولي أنها ستجد نفسها، بعد أربع سنوات، طرفاً في نزاعٍ قانوني دولي حول من يحقّ له تقرير مصيرهم.
اليوم، تقول السلطات الأوكرانية إن أكثر من 300 طفل أوكراني لا يزالون محتجزين خارج البلاد، تحول المحاكم الأجنبية دون عودتهم، معظمهم في إيطاليا وألمانيا والنمسا. وقد تصاعد النزاع في أبريل الماضي حين أعلنت كييف أن طفلاً أوكرانياً يُدعى ساشا، يبلغ من العمر 15 عاماً، جرى تبنّيه رسمياً من قِبَل عائلة إيطالية على الرغم من أن والدته تطالب بعودته إلى أوكرانيا.
من سومي إلى نابولي: رحلة لم تنتهِ
كانت دار الرعاية التي تُشرف عليها رودِيكا تقع في مدينة سومي، التي كادت تقع في قبضة القوات الروسية في الأسابيع الأولى من الغزو. تواصلت معها جمعية خيرية كانت تنظّم في السابق رحلات ترفيهية لهؤلاء الأطفال، وعرضت إجلاءهم إلى إيطاليا. في صيف عام 2022، أقلّت رودِيكا الأطفال الخمسة والعشرين إلى مدينة نابولي جنوب إيطاليا.
قالت رودِيكا : "ظننت الأمر أشبه بمخيّم صيفي: يقضي الأطفال بعض الوقت في إيطاليا ثم يعودون. لكن بعد نحو ثلاثة أسابيع، ربما شهر، بدأت السلطات الإيطالية بتعيين أوصياء قانونيين إيطاليين على الأطفال."
المفارقة أن رودِيكا كانت الوصيّة القانونية على هؤلاء الأطفال بموجب القانون الأوكراني، غير أن السلطات الإيطالية لم تعترف بهذه الصفة. وبدلاً من ذلك، عاملت الأطفال باعتبارهم قاصرين غير مصحوبين بذويهم، ومنحتهم وضع اللاجئ، وعيّنت لهم أوصياء جدداً.
هذا النهج مستمَدٌّ من القانون الإيطالي ذاته؛ إذ عزّزت روما الحماية القانونية للأطفال اللاجئين في أعقاب أزمة الهجرة الأوروبية قبل نحو عقد من الزمن، وأدرجت ضمن هذه الحماية حظراً صريحاً على إعادة أي قاصر غير مصحوب أو ترحيله من الأراضي الإيطالية إلا بأمر قضائي في ظروف استثنائية. وقد أفضى ذلك فعلياً إلى إقصاء أوكرانيا عن أي دورٍ في تقرير مصير أطفالها المُجلَين.
روزا إيمانويلا لو فارو، المحامية الإيطالية التي تمثّل عدداً من هؤلاء القاصرين، أخبرت أن بعض الأطفال قُطعت صلتهم تماماً بحياتهم في أوكرانيا. قالت: "كان هناك حظرٌ على التواصل مع الأوصياء في أوكرانيا، والأصدقاء الأوكرانيين، وجميع الأوكرانيين. كان بإمكان الطفل التواصل فقط مع أوصيائه الإيطاليين، وهذا كل شيء."
نجحت لو فارو في إلغاء بعض قرارات الولاية بعد طعونٍ أمام محكمة النقض الإيطالية العليا، لكنها أكدت أن الوضع لا يزال بالغ التعقيد. وأشارت إلى أن بعض الأسر الحاضنة الراغبة في التبنّي تمارس ضغوطاً على السلطات، مستندةً إلى حجة مفادها: "إنهم بخيرٍ هنا، وإذا عادوا إلى أوكرانيا فلن يجدوا سوى الحرب."
"دعوا الأطفال هنا حتى تنتهي الحرب"
حين وصل عددٌ كبير من الأطفال الأوكرانيين إلى بلدة روتا دِيمانيا الصغيرة في منطقة لومبارديا شمال إيطاليا عام 2022، تطوّع المعلم ديغو موسكا لمساعدتهم على الالتحاق بالمدارس، ونظّم لهم أنشطة في عطل نهاية الأسبوع والإجازات. استعان بابنة عمّه ميكيلا نوريس التي قرّرت هي وزوجها استضافة بعض الأطفال في منزلهما.
قالت نوريس : "لا أنا ولا زوجي لدينا أطفال، لكننا أردنا أن نمنح هؤلاء الأطفال بعض الراحة." بدأت بطفلٍ واحد في الحادية عشرة من عمره، ثم استضافت أخته وآخرين. "في النهاية، استضفنا نحو 10 أو 12 طفلاً، واضطررنا إلى وضع جدول دوري."
سار البرنامج بشكلٍ جيد حتى صيف عام 2024، حين أعلن الطاقم الأوكراني المرافق للأطفال أنهم سيعودون إلى الوطن. صُدمت نوريس والأسر المستضيفة الأخرى من هذا القرار. أطلقت نوريس عريضةً تطالب فيها بمراعاة مصالح الأطفال الفضلى، فجمعت أكثر من 18,000 توقيع.
قالت: "لا نريد الأطفال في إيطاليا إلى الأبد. قلنا فحسب: 'اسمعوا، نعرف أن الوضع في أوكرانيا صعب، والحرب لا تزال مستمرة. دعوا الأطفال هنا حتى تنتهي الحرب، ثم خذوهم.'"
ساشا: طفلٌ في قلب نزاعٍ دولي
لم يكن ساشا قد تجاوز العاشرة من عمره حين أصدرت محكمةٌ أوكرانية حكماً بنقله هو وأختَيه من رعاية والديه بسبب ظروفٍ أسرية صعبة، وفق وثائق المحكمة. لم يُسقَط حق الوالدَين القانوني في أبنائهم بموجب هذا الحكم، وكان المأمول أن يعود الأطفال إلى ذويهم حين تتحسّن أوضاع الأسرة غير أن الغزو الروسي حال دون ذلك.
في عام 2023، حين بات واضحاً أن الحرب لن تنتهي قريباً، قرّرت السلطات الأوكرانية إعادة الأطفال إلى البلاد، ووجدت لهم أماكن آمنة في غرب أوكرانيا. وجدت رودِيكا مكاناً لهم في مدينة تيرنوبيل غرب البلاد. بدأ القنصل الأوكراني في نابولي يرفع طلبات العودة إلى المحاكم الإيطالية، لكن الإجراءات القضائية جرت بصورة منفصلة لكل طفل، ما أفضى إلى نتائج متباينة.
قالت رودِيكا: "لهذا السبب عاد بعض الأطفال وبقي آخرون. حتى اليوم، لا يزال خمسة أطفال في إيطاليا."
سُمح لأختَي ساشا بالعودة إلى أوكرانيا، لكن في حالته، حكمت المحاكم برفض عودته، وفي أبريل الماضي، أقرّت تبنّيه من قِبَل الأسرة الإيطالية التي احتضنته منذ عام 2022.
والدة ساشا، ناتاليا، قالت أنها تريد عودة ابنها للعيش في أوكرانيا، وأن السلطات الأوكرانية تدعمها في ذلك. وتعتقد أنه مُنع من التواصل مع عائلته الأوكرانية. قالت: "أرسلت له تهنئةً بعيد ميلاده، لكنهم لا يسمحون له بالتحدث إلى أحد لا إليّ، ولا إلى أخواته، ولا إلى أي أحد."
أما والده، الجندي الأوكراني الذي يقاتل في الحرب، فقد صُنِّف رسمياً في عداد المفقودين منذ عام 2025.
يبقى مصير ساشا الحقيقي غامضاً؛ لم تتمكّن CNN من التواصل معه مباشرة. وفق لو فارو، وافق ساشا على التبنّي، لكن عائلته تقول إنه أخبرهم برغبته في العودة إلى أوكرانيا، فيما أفادت رودِيكا بأنه حين سألته عمّا يريد، أجابها بأنه لا يعرف.
قالت لو فارو إنها تسعى الآن إلى تعطيل قرار التبنّي، وثمة جلسة استماع مقرّرة في وقتٍ لاحق من هذا الشهر.
المعلم موسكا، الذي نسّق البرنامج في روتا دِيمانيا، قال إن كثيراً من الأطفال الذين رعاهم يبدون ممزّقين بين عالمَين، يعيشون "بنصف قلبٍ هنا ونصف قلبٍ هناك."
موقف المفوضية والسلطات
المتحدث باسم المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (UNHCR) قال أن الموقف الرسمي للمفوضية يقضي بأن العودة إلى أوكرانيا، في ظل استمرار الحرب، ينبغي أن تكون طوعية وأن تُحدَّد بناءً على تقييم دولة الاستضافة لمصلحة الطفل الفضلى.
لو فارو أشارت إلى أن المحاكم الإيطالية للأحداث، بمساعدة علماء نفس الأطفال، مُلزَمةٌ بمراعاة آراء الأطفال عند اتخاذ القرارات. لكنها لفتت إلى تعقيدٍ جوهري في حالة الأطفال الأوكرانيين الذين وصلوا إلى إيطاليا في سنٍّ مبكّرة جداً ولا يتذكّرون شيئاً من حياتهم السابقة. قالت: "من الطبيعي أن يقولوا ما تريده الأسرة الإيطالية، لأنهم نسوا ما كانوا يفعلونه في أوكرانيا، بل نسوا اللغة والعادات، وتشرّبوا العادات الإيطالية بالكامل."
مفوّض حقوق الإنسان الأوكراني دميترو لوبينيتس قال إن إيطاليا ترفض التعاون مع كييف في هذا الملف، وتمنع السلطات الأوكرانية من الاطلاع على أحوال الأطفال. قال: "نواصل إرسال الطلبات الرسمية، والممثلون الإيطاليون يخبروننا بأن القضاء مستقلٌّ تماماً وأنهم لا يستطيعون التأثير في هذه القرارات. لكنني أطالبهم بالتدخّل."
وذهب لوبينيتس إلى حدٍّ مقارنة هذا الوضع بحالات الآلاف من الأطفال الأوكرانيين الذين جرى ترحيلهم بصورة غير مشروعة إلى روسيا وهو ما ينفيه الكرملين، مدّعياً أنه أجلى الأطفال لحمايتهم. وقال لوبينيتس: "موقف إيطاليا لا يختلف في الحقيقة عن موقف الجانب الروسي... لقد أخذوا أطفالنا ويحرموننا من الوصول إليهم.".
إيفان وإخوته: عائلةٌ مشتّتة تبحث عن لمّ الشمل
وفق السلطات الأوكرانية، أُجلي أكثر من 4,800 طفل من المدارس الداخلية ودور الرعاية الأوكرانية إلى عدة دول أوروبية عام 2022. بعضهم أيتام، وبعضهم الآخر كساشا وأخواته كانوا في رعاية الدولة لأسبابٍ متعددة.
فولوديمير إيفانيوتا، الذي عيّنته الحكومة الأوكرانية ممثلاً لعدد من هؤلاء الأطفال في إيطاليا، قال إنه لاحظ بمرور الوقت ميلاً متزايداً لدى المحاكم الإيطالية للحكم ضد عودة الأطفال إلى أوكرانيا بصرف النظر عن ظروفهم. قال: "لدينا أطفال يعيشون مع عائلات تبذل كل ما في وسعها لمنع عودتهم. وهناك أطفال في دور الرعاية، لا أحد يهتم بهم بشكل خاص، ومع ذلك لا تزال المحاكم الإيطالية تمنع عودتهم."
إخوة إيفان الصغار من بين هؤلاء الأطفال. إيفان، البالغ من العمر 20 عاماً الآن، وإخوته الأربعة، وُضعوا في رعاية الدولة عام 2017 حين عجزت والدتهم عن الاعتناء بهم. حين اندلع الغزو الشامل، أُجلي الإخوة الثلاثة الأصغر سناً إلى دار رعاية في مدينة موديكا في صقلية، حيث لا يزال اثنان منهم وهما لا يزالان قاصرَين مقيمَين حتى اليوم، فيما بات الثالث يعيش باستقلالية في إيطاليا.
يقيم إيفان حالياً في ألمانيا، ويسعى جاهداً للمّ شمل إخوته. قال عن شقيقَيه في دار الرعاية: "ظروف معيشتهم مقبولة إلى حدٍّ ما، يأكلون ويُعتنى بهم، لكنهم لا يحبّون المكان. سألتهم إن كانوا يريدون العودة إلى أوكرانيا، فقالوا نعم."
وأضاف أنه رغم سماحهم له بالتواصل مع إخوته، رُفضت طلباته لزيارتهم. قال: "هذا وضعٌ مروّع... لا أفهم الأسباب حتى الآن." رفض مدير المنشأة التعليق ، محتجّاً بالخصوصية.
لكن إيفان لن يستسلم، وهو على تواصل مع عدة منظمات غير حكومية تساعده في تحديد خطوات المرحلة القادمة. قال: "الإيطاليون يقرّرون مصير عائلتي وإخوتي، ولا يسمحون لي حتى برؤيتهم."
أطفالٌ بين عالمَين
ميكيلا نوريس قالت إنها لا تزال تفتقد الأطفال الذين غادروا بلدتها في شمال إيطاليا، وتقلق عليهم دائماً. قالت: "أخذنا اثنَين منهم إلى الشاطئ لثلاثة أيام وكانا في غاية الفرح."
"لم يكونوا بحاجة إلى شيءٍ استثنائي، لا إلى حفلاتٍ ولا إلى مال. كانوا يحتاجون فقط ولا يزالون يحتاجون إلى الاهتمام، اهتمام الناس الذين يرعونهم. هذا كان كل ما يحتاجونه."
في الخلفية، يتواصل المسؤولون الأوكرانيون مع نظرائهم الأوروبيين، وتتراكم ملفات القضايا أمام المحاكم، وتمرّ أعيادُ ميلاد الأطفال دون أن تسمع فيها أصوات أمهاتهم. ساشا، الذي لم يتجاوز الخامسة عشرة، بات اسمه يتردّد في وثائق دبلوماسية بين كييف وروما، بينما لا يزال السؤال الأبسط والأصعب في آنٍ واحد معلّقاً في الهواء: ماذا يريد هو؟.
أخبار ذات صلة

صور الأقمار الصناعية توثّق تدمير إسرائيل لمدينة صور التاريخية

الجوع الحاد يهدد ملايين بسبب تداعيات الحرب الإيرانية، تحذر قائدة برنامج الغذاء العالمي

ملايين اليمنيين يعانون الحرّ الشديد وانقطاع الكهرباء: منازل تتحوّل إلى أفران
