خيبة أمل ترامب من حلفاء أوروبا في الحرب الإيرانية
تسليط الضوء على خيبة ترامب من حلفائه الأوروبيين في الحرب ضد إيران. كيف تفاعلت الدول الأوروبية مع الضغوط الأمريكية؟ وما هي تبعات هذا النزاع على العلاقات عبر الأطلسي؟ اكتشف التفاصيل المهمة في خَبَرَيْن.

منذ اندلاع الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران، لم يُخفِ الرئيس Donald Trump استياءه من حلفائه الأوروبيين لعدم انضمامهم إلى الحملة العسكرية ضد طهران.
وعبّر الرئيس الأمريكي عن خيبة أمله صراحةً خلال لقائه بالأمين العام لحلف NATO، Mark Rutte، يوم الأربعاء. وقال Trump: "خذلتني إيطاليا، وخذلتني المملكة المتحدة وألمانيا وفرنسا، وخذلنا معظمهم. أما إسبانيا فهي مأساة حقيقية."
وفي العاصمة البحرينية المنامة، أعاد وزير الخارجية الأمريكي Marco Rubio يوم الخميس تكرار الموقف الأمريكي ذاته، مؤكداً أن الدعم الأوروبي جاء دون المستوى المطلوب خلال النزاع. وقال: "إن رفض أوروبا السماح باستخدام قواعدها العسكرية يُقوِّض التحالف بين القارة والولايات المتحدة."
في المقابل، كشف Rutte الذي يزور واشنطن لتهدئة التوترات عبر الأطلسي مزيداً من التفاصيل حول مستوى مشاركة الدول الأوروبية في الحرب. وقال إن "حليفاً تلو الآخر" أتاح قواعده للقوات الأمريكية خلال العمليات، مشيراً إلى أنه باستثناء "حالات معزولة"، كان الحلفاء الأوروبيون قد قدّموا فعلاً دعماً لوجستياً للولايات المتحدة.
فما الذي أثار استياء Trump من الحلفاء الأوروبيين تحديداً؟ وما الحجم الفعلي لمشاركة دول الاتحاد الأوروبي في هذه الحرب؟
كيف شاركت دول الاتحاد الأوروبي؟
أشار Rutte إلى الدعم الذي قدّمته إيطاليا ورومانيا للقوات الأمريكية خلال النزاع، مسلّطاً الضوء على الدور الذي أدّته القواعد العسكرية الأوروبية في مجريات الحرب.
وقال Rutte : "حين تنظر إلى الأرقام، فإن 4,000 إلى 5,000 طائرة أمريكية أقلعت من قواعد في أوروبا على مدى الأسابيع الستة التي استمرّت فيها هذه الحرب."
وأضاف: "أنا أتفق بالفعل على أن ثمة مبرراً لخيبة الأمل، بالتأكيد. لكن حجّتي هي أن هذه حالات معزولة. ثمة ما هو أكثر من ذلك: دولة تلو دولة، وحليف تلو حليف، أتاحوا قواعدهم لعملية Epic Fury" في إشارة إلى الاسم الذي أطلقته الولايات المتحدة على عمليتها العسكرية ضد إيران.
ولفت Rutte إلى أن 500 طائرة أمريكية أقلعت من قواعد في إيطاليا خلال العملية، فيما اضطرّت رومانيا إلى تقليص رحلاتها التجارية للسماح للقوات الأمريكية بتخزين ناقلات الوقود في مطار المدينة.
وأشار الأمين العام للحلف إلى أن الحلفاء الأوروبيين يواصلون دعم الولايات المتحدة في تأمين مضيق هرمز، قائلاً: "نرى الآن حلفاء أوروبيين كباراً يُرابطون بأصولهم العسكرية قرب المضيق، تمهيداً للمساعدة في مهام كإزالة الألغام البحرية."
وأثنى Rutte المعروف بدعمه لـ Trump على الرئيس الأمريكي لإجباره دول NATO على رفع إنفاقها الدفاعي، قائلاً: "حين تنظر إلى حجم الاستثمارات التي تضخّها دول الحلف الآن في دفاعها، فالأرقام مذهلة. Trump يحثّ الجميع على ذلك والنتائج ماثلة للعيان."
أما رئيس الوزراء البريطاني Keir Starmer، فقد رفض الانضمام إلى الحرب، غير أنه أذن باستخدام القاعدة البريطانية في دييغو غارسيا لأغراض دفاعية بحتة. في حين رفضت كلٌّ من إسبانيا التي أدانت الحرب وفرنسا السماح باستخدام قواعدهما الجوية في أي عمليات عسكرية.
لماذا تحاشت دول أوروبية المشاركة الفعلية في الحرب؟
دعمت الدول الأوروبية في مجملها الحملة العسكرية الأمريكية ضد إيران، لكنها رفضت الانخراط المباشر في القتال، معلنةً أن "هذه ليست حرب أوروبا".
وكانت العواصم الأوروبية تتحفّظ أيضاً بسبب غياب الأساس القانوني للحرب، التي انطلقت على مسوّغات مثيرة للجدل ودون التشاور مع بروكسل. وقد برّر Trump وإسرائيل الحرب بادّعاء أن إيران كانت على وشك امتلاك أسلحة نووية، وهو ما نفته أجهزة الاستخبارات الأمريكية ذاتها.
فضلاً عن ذلك، أبدت الدول الأوروبية قلقها إزاء الانتهاكات المحتملة لقوانين الحرب، في ظل تكرار الضربات التي طالت المدنيين ومنشآت حيوية كالمدارس والمستشفيات.
وبينما دعا الأوروبيون الغربيون إلى الحوار لإنهاء الحرب وأدانوا طهران على هجماتها ضد دول الخليج، اكتفت دول قليلة في مقدّمتها إسبانيا بإدانة الحرب صراحةً والمطالبة بوقف فوري لإطلاق النار واحترام جميع الأطراف للقانون الدولي. وكانت مدريد قد سبق أن عارضت الحرب الإسرائيلية على غزة، ووصفتها بالإبادة الجماعية.
كيف ردّت إيران؟
استغلّت إيران تصريحات Rutte، واصفةً إياها باعترافٍ صريح بـ"التواطؤ الفعلي" لحلف NATO في حرب أودت بحياة أكثر من 3,400 شخص إيراني وألحقت أضراراً جسيمة بالبنية التحتية النفطية والمدنية.
وكتب المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، Esmaeil Baghaei، في منشور على منصة X: "هذا اعترافٌ صريح وفاضح بالتواطؤ الفعلي لحلف NATO في حرب عدوانية غير مشروعة ضد دولة ذات سيادة وعضو في الأمم المتحدة وهو انتهاكٌ صارخ للقواعد الآمرة في القانون الدولي ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة."
وأضاف Baghaei أن NATO وكل دولة عضو شاركت في هذه القرارات "يجب أن تُحاسَب على جميع التبعات"، مطالباً إياها بأن "تُفسّر لشعوبها وللعالم لماذا اختارت التواطؤ في هذا العدوان السافر وارتكاب الفظائع الجماعية بحق الشعب الإيراني."
ماذا قالت إيطاليا عن تصريحات Rutte؟
أثارت تصريحات Rutte موجةً من الجدل في إيطاليا، حيث كانت رئيسة الوزراء Giorgia Meloni قد رفضت علناً الانضمام إلى الحرب على إيران.
وسارعت روما إلى التبرّؤ من تلك التصريحات؛ إذ قال وزير الدفاع الإيطالي Guido Crosetto إن Rutte أوصل "رسالةً مضلِّلة تماماً" حين خلط بين رحلات الدعم المرخَّصة والعمليات القتالية. وأكد أن إيطاليا تصرّفت في إطار دستورها والمعاهدات الدولية والاتفاقيات المنظِّمة للقواعد الحليفة على أراضيها، مضيفاً: "كما أوضحنا أمام البرلمان، فإن الحكومة أجازت حصراً أنشطةً تقنية ولوجستية غير قتالية."
تجدر الإشارة إلى أن إيطاليا تستضيف نحو 120 منشأة عسكرية أمريكية، من بينها قاعدة سيغونيلا البحرية الجوية في صقلية وقاعدة أفيانو الجوية في شمال إيطاليا.
وكان Crosetto يستند إلى تصريح Meloni في مارس، حين أكدت: "نحن لسنا في حالة حرب ولا نريد الدخول في حرب"، مع إقرارها بأن روما ستلتزم ببنود الاتفاقيات الثنائية القائمة مع الولايات المتحدة منذ عام 1954، التي تُجيز استخدام القواعد في عمليات لوجستية محدّدة وغير قتالية.
وبعد كشف Rutte، بات قادة المعارضة يطالبون بتفسيرات جديدة. وقال Nicola Fratoianni من تحالف الخضر واليسار المعارض إن الحكومة إما أنها ضلّلت المشرّعين، أو أن Rutte "أصابته ضربة شمس."
ما جذور التوترات الأمريكية مع NATO؟
تأسّس حلف NATO الذي يضمّ دول أوروبا والولايات المتحدة وكندا عام 1949 لمواجهة التهديدات التي كان يمثّلها الاتحاد السوفيتي آنذاك.
ومنذ عودته إلى البيت الأبيض عام 2024، لم يتوقّف Trump عن انتقاد الحلف، مستهدفاً أعضاءه بسبب تدنّي إنفاقهم الدفاعي، ومتّهماً دول الاتحاد الأوروبي بالاتكاء على الولايات المتحدة وعدم تحمّل نصيبها العادل من أعباء الأمن الأوروبي. وكان قد أعلن بالفعل سحب القوات الأمريكية من ألمانيا.
وقد تعهّدت معظم دول NATO برفع إنفاقها الدفاعي، لكن ليس بالقدر الذي يطالب به Trump، الذي يريد من أعضاء الحلف تخصيص 5% من ناتجهم المحلي الإجمالي للدفاع.
وبلغت التوترات عبر الأطلسي ذروتها خلال الحرب على إيران، حين هدّد Trump بالانسحاب من الحلف بسبب رفض الأعضاء الأوروبيين المساعدة في فتح مضيق هرمز، ذلك الممر الحيوي الذي تعبر منه شريان الطاقة العالمي.
وفي لقائه مع Rutte يوم الأربعاء، قال Trump أمام الصحفيين إنه رغم أن واشنطن لم تكن بحاجة إلى مساعدة وهي تقاتل جنباً إلى جنب مع إسرائيل، فإنه كان "سيكون من الجميل" أن تُبادر الدول الأوروبية بتقديم يد العون.
وتأتي زيارة Rutte للبيت الأبيض في ما يبدو محاولةً لتهدئة Trump قبل أسبوعين فحسب من الاجتماع السنوي للحلف المقرّر عقده في أنقرة بتركيا.
أخبار ذات صلة

الصين وتكتيك «القطع الرقيق»: السيطرة على المحيط الهادئ خطوة تلو الأخرى

كوريا الشمالية تعزّز أسطولها بأكبر سفينة حربية في تاريخها

مراجعة القوات الأمريكية بأوروبا: هيغسث يُجدّد انتقاده لحلفاء الناتو
