ميشيل كوكا رمز الفخر الكونغولي في الملاعب
في لحظة تاريخية، سجلت الكونغو أول أهدافها في كأس العالم بفضل يوان ويسا، بينما يظل ميشيل كوكا مبولادينغا، رمزاً للوطنية، حاضراً بالتحية لباتريس لومومبا. اكتشف كيف يحيي إرث الحرية في الملاعب! خَبَرَيْن.

في لحظةٍ كادت تتوقّف فيها الأنفاس، أعلى رأسه فوق كلّ من حوله، وقف ميشيل كوكا مبولادينغا بذراعه اليمنى مرفوعةً نحو السماء لا يتحرّك، لا يتكلّم، لا يلتفت. بينما دوّت الملاعب من حوله بأصوات الجماهير وهتافاتها، ظلّ هو كالتمثال الحيّ الذي يقول بصمته ما يعجز عنه الكلام.
هكذا كانت مباراة جمهورية الكونغو الديمقراطية أمام البرتغال مناسبةٌ تاريخية بكلّ المقاييس. فالكونغو تشارك في كأس العالم للمرّة الثانية فقط في تاريخها، وللمرّة الأولى منذ عام 1974 حين كانت تحمل اسم زائير. وجاء هدف يوان ويسا بالرأس قُبيل نهاية الشوط الأوّل ليُسجَّل في كتب التاريخ بوصفه أوّل هدفٍ كونغولي في كأس العالم، وليمنح الفهود هدفاً ثميناً في أوّل مشاركاتهم.
لكنّ شيئاً ما كان يبدو ناقصاً حين نزل اللاعبون إلى أرض الملعب.
فقبل انطلاق البطولة، لم تكن الأنظار تتّجه فقط نحو من سيرتدي القميص الأزرق السماوي الشهير، بل كانت تتساءل أيضاً: هل سيكون الرجل الثاني عشر غير الرسمي في المدرّجات؟ ميشيل كوكا مبولادينغا، الملقَّب بـ"لومومبا فيا" أي "لومومبا حيٌّ".
مبولادينغا هو أشهر مشجّع في تاريخ المنتخب الكونغولي، وقد برز اسمه بقوّة خلال بطولة كأس أمم أفريقيا 2025 في المغرب، حيث وقف طوال مباريات الكونغو فوق منصّةٍ مرتفعة، ثابتاً كالصخر، بنظرةٍ فولاذية وذراعه اليمنى مرفوعةً من الصافرة الأولى حتّى الأخيرة.
هذه الوقفة تحيّةٌ لباتريس إيميري لومومبا، أوّل رئيسٍ للوزراء في تاريخ الكونغو بعد استقلالها عن بلجيكا في يونيو 1960 وهو الرجل الذي يشبهه مبولادينغا شبهاً لافتاً. اغتيل لومومبا بعد أقلّ من سبعة أشهر من توليّه المنصب، في يناير 1961، ولم يكن قد تجاوز الخامسة والثلاثين من عمره.
وبعد أكثر من ستّة عقود، لا يزال باتريس لومومبا أحد أكثر الشخصيات تبجيلاً في التاريخ الكونغولي. ومن خلال طقسه المميّز في أيام المباريات، يحرص مبولادينغا على إبقاء إرث هذا الرجل حيّاً في ملاعب كرة القدم.
لماذا باتريس لومومبا؟
قد يبدو مثيراً للدهشة أن يظلّ زعيمٌ لم يمكث في السلطة سوى ثلاثة أشهر محلّ هذا التقدير العميق بعد مرور 65 عاماً على رحيله. غير أنّ لومومبا لم يكن مجرّد سياسي.
لقد تحوّل إلى رمزٍ للوطنية الكونغولية في مواجهة الاستعمار البلجيكي، الذي بدأ حين أسّس الملك ليوبولد الثاني دولة الكونغو الحرّة عام 1885.
كان لومومبا رأس الحربة في النضال الكونغولي الشرس من أجل الحرّية، وهو الرجل الذي وصفه المناضل الحقوقي Malcolm X عام 1964 بأنّه "أعظم رجلٍ أسود مشى على أرض القارة الأفريقية".
ولهذا، قال مبولادينغا من المكسيك: "هو مصدر إلهامي. باتريس لومومبا رمزٌ للوحدة هو من علّم الكونغوليين أن يقفوا منتصبين وأن يعتزّوا بأنفسهم."
ولا شيء يجسّد ذلك أكثر من خطابه التاريخي في يوم الاستقلال بقصر الأمّة في ليوبولدفيل (كينشاسا اليوم) في 30 يونيو 1960.
وقف لومومبا أمام الملك بودوان ملك بلجيكا حفيد الأخ الأكبر لليوبولد الثاني الذي منح بلاده استقلالها للتوّ، وألقى خطاباً مدوّياً أدان فيه الاستعمار البلجيكي بلا مواربة.
قال لومومبا: "رغم إعلان استقلال الكونغو اليوم... لن ينسى أيٌّ من الكونغوليين أنّ هذا الاستقلال انتُزع بالنضال."
وأضاف: "صباحاً وظهراً ومساءً، تعرّضنا للسخرية والإهانة والضرب لأنّنا سودٌ. سنُري العالم ما يستطيع الإنسان الأسود أن يُنجزه وهو حرٌّ، وسنجعل الكونغو فخراً لأفريقيا."
دوّى هذا الخطاب في أرجاء العالم، ووصفه الدكتور روبن لوفمان المؤرّخ والكاتب والمحاضر الأوّل في التاريخ الأفريقي بـQueen Mary University of London، المتخصّص في تاريخ الكونغو بأنّه "أحد أهمّ خطابات القرن العشرين".
وأوضح لوفمان أنّ تصريحات لومومبا الحادّة في يونيو 1960 لم تكن "أساسيةً لسمعته فحسب، بل وضعته في مرمى الشكوك الأمريكية"، مضيفاً: "لا تنسَ أنّ الحرب الباردة كانت على أشدّها، فكانوا يتوجّسون ويقولون: 'هذا شيوعي'. لكنّه لم يكن كذلك بالطبع. لومومبا أراد الكونغو للكونغوليين فحسب."
وفي غضون ثلاثة أشهر من ذلك الخطاب، أُقيل رئيس الوزراء الأوّل من منصبه على يد الرئيس جوزيف كاسا-فوبو.
وبعد ثلاثة أشهرٍ أخرى، اعتقلته قوّاتٌ عسكرية بقيادة Mobutu Sese Seko الذي حكم الكونغو رئيساً لاحقاً لمدّة 32 عاماً بين 1965 و1997 ونقلته إلى كاتانغا في جنوب شرق الكونغو، حيث تعرّض للتعذيب وأُعدم رمياً بالرصاص.
بعد إعدامه، دُفن جثمانه في قبرٍ ضحل، ثمّ نُبش لاحقاً وقُطِّعت أوصاله، وأُذيبت رفاته في الأحماض. ولم يبقَ من لومومبا سوى ضرسٌ مُتوَّج بالذهب، احتفظ به الضابط البلجيكي Gérard Soete الذي اعترف بأنّه هو من قطّع الجثّة وأذاب رفاتها لمدّة 39 عاماً حتّى وفاته عام 2000.
ثمّ انتقل الضرس إلى ابنته، إلى أن صادرته السلطات البلجيكية عام 2016، وأُعيد أخيراً إلى عائلة لومومبا ودُفن في 2022.
ويوجد الضرس اليوم في ضريحٍ خاصّ في كينشاسا، تعلوه تمثالٌ تذكاري لبطل الاستقلال بذراعه اليمنى مرفوعةً الوقفة ذاتها التي يُحييها مبولادينغا في كلّ مباراة، فأكسبته شهرةً واسعة.
"تمثالٌ حيٌّ"
باتت تحيّة مبولادينغا من أكثر المشاهد تميّزاً في كرة القدم الأفريقية، وظهرت للمرّة الأولى في هذه النسخة من كأس العالم حين واجهت الكونغو الديمقراطية كولومبيا في ثاني مدينة ثاني مدينة زاپوپان بالمكسيك.
جزءٌ من سحر هذه التحيّة يكمن في رمزيّتها العميقة. والجزء الآخر يكمن في سؤالٍ بسيط يراود كلّ من يراه: كيف يستطيع إنسانٌ أن يبقى ثابتاً بذراعٍ مرفوعة طوال مباراةٍ كاملة؟
أجاب مبولادينغا بهدوء: "صدّق أو لا تصدّق، لكنّني أتدرّب فعلاً. أستطيع أن أتدرّب 20 يوماً في الشهر، مع أخذ قسطٍ وافر من الراحة."
والحرارة الشديدة والرطوبة العالية في أمريكا الشمالية عاملٌ إضافي قد يختبر إرادته، لا سيّما أنّه يحضر المباريات بكامل أناقته بصرف النظر عن الظروف المناخية. غير أنّ ذلك لا يُقلقه أبداً.
قال مبولادينغا: "أنا تمثالٌ حيٌّ. المناخ لا يؤثّر فيّ. مهمّتي ليست الوقوف فحسب، بل نقل الطاقة والقوّة إلى اللاعبين. هذا ما أركّز عليه. لا أرى اليوم الذي أُخفض فيه يدي سأُنجز مهمّتي."
بيد أنّ حضوره في كأس العالم كاد يتعرّض للخطر جرّاء تفشّي وباء الإيبولا في الكونغو الديمقراطية مؤخّراً، ممّا دفع الولايات المتّحدة إلى فرض قيودٍ على الدخول من الدول المتضرّرة، بل أجبر المنتخب الوطني على إلغاء معسكره التحضيري لمدّة ثلاثة أيام في كينشاسا.
لكنّ حظّ مبولادينغا أسعفه، إذ لم يتوانَ الوفد الكونغولي عن بذل كلّ جهدٍ ممكن لضمان وصوله إلى أمريكا الشمالية، وصل الأمر إلى إقناع الرئيس الكونغولي Félix Tshisekedi بإدراجه ضمن الوفد الرسمي للمنتخب.
وقد فاته فعلاً مباراة الكونغو الأولى أمام البرتغال، لكنّه قال: "رغم غيابي الجسدي، تابعت المباراة في إحدى مناطق المشجّعين، فكنت حاضراً بكلّ معنى الكلمة. العودة إلى كأس العالم بعد 52 عاماً ثمّ مواجهة عملاقٍ كالبرتغال والخروج بالتعادل هذا إنجازٌ عظيم ولحظةٌ فرحٍ للأمّة الكونغولية بأسرها."
ثمّ جاء الخسارة أمام كولومبيا 1-0 لتُخفّف قليلاً من هذا الفرح، لكنّ الفوز على أوزبكستان سيضع الفهود على الأرجح في دور الـ32، وسيُشعل الفرحة من شوارع غوما المنهكة بالحرب وصولاً إلى كينشاسا العاصمة.
وقد عاش الصحفي المقيم في غوما بروسبر هيري نغورورا هذا المشهد عن كثب حين حجز المنتخب مقعده في البطولة. قال الشهر الماضي: "حتّى مسلّحو حركة M23 في غوما احتفلوا، وكذلك فعل الناس في كينشاسا. هذا يُثبت أنّ كرة القدم غراءٌ يجمع الناس."
على أرض الملعب، لا يفصل الفهود عن إدخال أكثر من 116 مليون شخصٍ في نشوةٍ لا توصف سوى 90 دقيقة. سيشجّعهم أهلهم من بعيد، وآلاف المشجّعين الكونغوليين الذين سيصبغون Mercedes-Benz Stadium في أتلانتا باللون الأزرق السماوي يوم الأحد.
لكنّ الأعلى قامةً فوق الجميع، كما اعتاد دائماً، سيكون مبولادينغا.
قال بثقةٍ هادئة: "سأكون هناك. سأحمل على ظهري نقش جلد الفهد. وسيراني العالم بأسره."
أخبار ذات صلة

إيران كانت ملزمة بالعودة الفورية إلى المكسيك بعد مباراة كأس العالم.. واشنطن ترد على شكاوى المدرب

أيمن حسين: من الألم إلى كأس العالم

يواجه جياني إنفانتينو من الفيفا شكوى تتعلق بالأخلاقيات بشأن جائزة ترامب للسلام
