أوروبا تحت وطأة موجة حر قياسية تهدد الأرواح
موجة حر قياسية تضرب أوروبا، مع تحذيرات من العلماء بأن القارة الأسرع احترارًا غير مستعدة. تزايد الوفيات بسبب الحرارة، وتحطيم الأرقام القياسية في عدة دول. اكتشف كيف يؤثر تغير المناخ على حياتنا اليومية. خَبَرَيْن.

موجة حرٍّ قياسية تشلّ أوروبا، والعلماء يحذّرون: القارة الأسرع احتراراً في العالم غير مستعدّة لما يأتي
قياسات الحرارة التي تُسجَّل هذا الأسبوع في أوروبا لا تكسر الأرقام القياسية فحسب، بل تُحطّمها تحطيماً. موجة حرٍّ شرسة تشدّ قبضتها على القارة، وما يجري ليس حدثاً طقسياً استثنائياً معزولاً، بل إشارةً مناخية متراكمة تؤكّد ما حذّر منه العلماء منذ سنوات: أوروبا هي القارة الأسرع احتراراً على وجه الأرض، وهي في الوقت ذاته من أقلّ القارات استعداداً لمواجهة هذا الواقع الجديد.
وفيات وغرقى وسجلّات تُكسر
في فرنسا، التي تمثّل بؤرة الحرارة الأشدّ هذا الأسبوع، سجّلت عدّة مدن أعلى درجات حرارة في تاريخها يوم الاثنين، فيما كسرت البلاد رقمها القياسي في أحرّ ليلة منذ بدء القياسات عام 1947، إذ بلغت درجة الحرارة 21.6 درجة مئوية وفق الأرقام الأوّلية.
تحوّلت الحرارة سريعاً إلى كارثة إنسانية. أعلن رئيس الوزراء الفرنسي Sébastien Lecornu يوم الثلاثاء أنّ 40 شخصاً لقوا حتفهم غرقاً منذ 18 يونيو، مرجعاً ذلك إلى توافد الناس على المسطّحات المائية هرباً من الحرارة، ووصف هذه الوفيات بأنّها "وباءٌ مأساوي". كما لقي ثلاثة مسنّين حتفهم بسبب الحرارة قرب مدينة Bordeaux، وعُثر على طفلَين في الثانية والرابعة من العمر ميّتَين داخل سيارة مغلقةفي جنوب فرنسا.
في المملكة المتحدة، أصدر مكتب الأرصاد الجوية Met Office تحذيراً أحمر نادراً للغاية من الحرارة الشديدة، مشيراً إلى خطرٍ داهم على الأرواح. وتشير التوقّعات إلى تجاوز درجات الحرارة حاجز 38 درجة مئوية هذا الأسبوع، ممّا يعني احتمال تحطيم الرقم القياسي لشهر يونيو البالغ 35.6 درجة مئوية بفارقٍ يصل إلى 3 درجات. أغلقت مئات المدارس أبوابها أو اكتفت بنصف يوم دراسي، وطُلب من المواطنين تجنّب السفر بالقطار، وحذّر Met Office من تأثيراتٍ حادّة على قطاعَي الطاقة والمياه.
وصف الأمين العام للأمم المتحدة António Guterres لندن بأنّها "تغلي"، وذلك في كلمةٍ ألقاها خلال أسبوع المناخ في لندن يوم الثلاثاء.
قال Peter Thorne، مدير مركز أبحاث المناخ ICARUS في جامعة Maynooth الأيرلندية: "تحطيم الأرقام القياسية بعدّة درجاتٍ دفعةً واحدة أمرٌ بالغ الخطورة وغير مسبوق."
في إسبانيا، تجاوزت درجات الحرارة 45 درجة مئوية في مدينة Andújar جنوب البلاد، وفق ما أفادت به هيئة الأرصاد الجوية AEMET، فيما كانت تحذيرات الحرارة سارية على معظم البلاد يوم الثلاثاء.
في المجمل، صدرت تحذيرات حرارة لـ23 دولةً أوروبية يوم الثلاثاء، خمسٌ منها في المستوى الأحمر الأشدّ خطورة: ألمانيا، وفرنسا، وإسبانيا، وسويسرا، ولوكسمبورغ.
ما الذي يُغذّي هذه الموجة؟
الآلية الفيزيائية واضحة: قبّة حرارية منطقة ضغطٍ مرتفع راكدة فوق أجزاء واسعة من أوروبا تعمل كغطاءٍ على وعاءٍ مغلق، تحبس الحرارة وتمنعها من التبدّد.
قبّات الحرارة ليست ظاهرةً جديدة على أوروبا صيفاً، "لكنّ درجات الحرارة المصاحبة لها هي الجديدة"، يقول Richard Allan، أستاذ علم المناخ في جامعة Reading. هذه الحرارة المتصاعدة تُضخّمها تغيّرات المناخ الناجمة عن حرق البشر للنفط والفحم والغاز، ممّا يرفع درجة الحرارة الخلفية ويجعل كلّ موجة حرٍّ أشدّ ممّا سبقتها.
ثمّة عاملٌ آخر يستحقّ الرصد: ظاهرة النينيو (El Niño) التي بدأت تتشكّل في المحيط الهادئ الاستوائي، وهي معروفةٌ بتعزيز تواتر موجات الحرارة الشديدة وحدّتها حول العالم. غير أنّ Liz Bentley، الرئيسة التنفيذية للجمعية الملكية للأرصاد الجوية، تُوضح أنّها "بالكاد بدأت، لذا فإنّ تأثيرها على الموجة الحالية ضئيلٌ أو معدوم". لكنّها قد تُضاعف حدّة الحرارة في صيف العام المقبل.
لنكن دقيقين في التشخيص: تغيّر المناخ هو المحرّك الأساسي لهذه الظواهر، بصرف النظر عن النينيو. تقول Friederike Otto، أستاذة علم المناخ في Imperial College London، بنبرةٍ فيها مرارة: "ثمّة حتميّةٌ محزنة في كلّ هذا، ونحن العلماء نردّد الجمل ذاتها عاماً بعد عام. نعم، هذا تغيّر مناخي. نعم، نحن المسؤولون. لا، ليس النينيو."
لماذا تحترق أوروبا بهذه السرعة؟
السبب الرئيسي يكمن في الجغرافيا: أجزاءٌ من أوروبا تمتدّ نحو القطب الشمالي، وهو المنطقة الأسرع احتراراً على الكوكب بسبب حلقةٍ مفرغة من التغذية الراجعة الاحترار يُذيب الجليد والثلج، فتنكشف أسطحٌ داكنة تمتصّ طاقة الشمس بكفاءةٍ أعلى، فيتصاعد الاحترار أكثر.
ثمّة مفارقةٌ مؤلمة أيضاً: قوانين مكافحة التلوّث التي نجحت في تنظيف الهواء الأوروبي أسهمت بدورها في تسريع الاحترار، لأنّها أزالت جسيماتٍ دقيقة كانت رغم ضررها الصحّي تعكس جزءاً من طاقة الشمس بعيداً عن سطح الأرض.
يُضيف Thorne بُعداً ثالثاً: تغيّرات في أنماط الدوران الجوّي تبدو "مسؤولةً عن جعل أحداث الحصار الجوّي مع قبّات الحرارة أكثر تواتراً وأطول أمداً."
هل يتجاوز ما يحدث التوقّعات العلمية؟
الجواب المختصر: لا. ما نشهده الآن يندرج ضمن ما حذّر منه العلماء منذ سنوات. يقول Allan إنّ تصاعد حدّة موجات الحرارة الأوروبية واتّساع نطاقها "يتوافق إجمالاً مع ما تتنبّأ به نماذج الحاسوب والنظرية الفيزيائية." لكنّ Bentley تُلاحظ أنّ "بعض التأثيرات قد تقع عند الحدّ الأعلى من التوقّعات."
المثال الأوضح: الـ40 درجة مئوية في المملكة المتحدة كان يُعدّ ضرباً من الخيال حتى يوليو 2022، حين بلغت الحرارة 40.3 درجة مئوية لأوّل مرّة في التاريخ المسجَّل. كان ذلك يجب أن يكون "جرس إنذار"، تقول Otto، "لكنّ أحداً ما ضغط على زرّ الإسكات." وإن تكرّر هذا الرقم هذا الأسبوع في يونيو هذه المرّة لا يوليو "فسيكون ذلك مثيراً للقلق بدرجةٍ بالغة".
لماذا تبدو أوروبا غير مستعدّة؟
قد تبدو درجات الحرارة التي تعانيها أوروبا الآن مألوفةً لسكّان منطقتنا العربية، لكنّ الأثر يختلف جذرياً حين تضرب الحرارة مجتمعاتٍ لم تُبنَ بنيتها التحتية لاستيعابها. نحو 80% من المنازل الأوروبية تخلو من أجهزة تكييف الهواء إذ لم تكن الحاجة إليها ماسّة تاريخياً في ظلّ مناخٍ معتدل. بل إنّ كثيراً من المنازل في شمال أوروبا صُمِّمت أصلاً للاحتفاظ بالحرارة لا تصريفها.
يشرح Timur Dogan، أستاذ العمارة المشارك في جامعة Cornell، الآلية بدقّة: "الحرارة التي تقتل الناس فعلاً هي الحرارة المحتجَزة داخل منازلهم. حين تبقى الليالي حارّة، تتراكم الحرارة في جدران المبنى يوماً بعد يوم، وتتدهور الأحوال الداخلية تدريجياً، ولا يتعافى الجسم أبداً."
عند درجات الحرارة المرتفعة لا سيّما مع ارتفاع الرطوبة يبدأ الجسم في فقدان قدرته على التبريد الذاتي، ممّا قد يُفضي إلى الإجهاد الحراري أو ضربة الشمس القاتلة. "هذه الحرارة ليست إزعاجاً عابراً، بل تهديدٌ صحّيٌّ عامٌّ متنامٍ".
ما الذي ينتظر أوروبا هذا الصيف؟
موجتا الحرارة اللتان ضربتا أوروبا في مايو ويونيو قد تكونان مجرّد مقدّمة لصيفٍ قائظ. يقول Thorne: "ثمّة توافقٌ واسع على أنّ الأشهر الثلاثة المقبلة ستكون أشدّ حرارةً من المعتاد بشكلٍ لافت."
المشكلة الأعمق، كما يراها Thorne، أنّ أوروبا وكثيراً من دول العالم لم تستوعب بعد حقيقةً جوهرية: المناخ الذي بُنيت عليه كلّ بنيتها التحتية وأنظمتها الزراعية وتخطيطها العمراني لم يعد موجوداً. يقول بصراحة: "لا شيء مستعدٌّ حقّاً لما سيجلبه تغيّر المناخ. لقد طوّرنا كلّ شيء وأعني كلّ شيء استناداً إلى مناخٍ مستقرٍّ نحن في طريقنا للوداع السريع منه. نحن ندخل الآن مرحلة اكتشاف العواقب، بعد قرنَين من العبث بحرق الوقود الأحفوري والنتيجة لن تكون جميلة."
أخبار ذات صلة

أسوأ جفاف ربيعي يضرب أميركا ويشعل الحرائق ويهدّد المياه

موجة حرّ بحرية قياسية تهدّد سواحل كاليفورنيا وتأثيراتها تمتدّ إلى اليابسة

زلزال بقوة 7.5 درجات يضرب شمال اليابان وتحذيرات من تسونامي
