ندم البريطانيين على Brexit وتأثيراته السلبية
بعد عشر سنوات من Brexit، يكشف استطلاع جديد عن ندم واسع بين البريطانيين، حيث يعتقد 57% أن الخروج كان خطأً. المقال يستعرض التحولات السياسية والاجتماعية وتأثيراتها على الهوية والانتماء في المملكة المتحدة. خَبَرَيْن.

بعد عشر سنوات من التصويت على Brexit، لا يزال البريطانيون يتجرّعون تداعيات قرارٍ هزّ أسس المملكة المتحدة. استطلاعات الرأي تكشف عن ندمٍ واسع، والمشهد السياسي يتأرجح بين أزمةٍ وأخرى منذ استقالة David Cameron عقب الاستفتاء عام 2016 وهي الشرارة التي أشعلت سلسلةً من الاضطرابات لم تهدأ حتى اليوم، حين يُعلن Keir Starmer استقالته ليكون السابع في قائمة رؤساء الوزراء خلال عقدٍ واحد.
استطلاعٌ أجرته YouGov هذا الشهر بمناسبة الذكرى العاشرة للاستفتاء كشف أن 30% فقط من البريطانيين يرون أن مغادرة الاتحاد الأوروبي كانت القرار الصحيح، مقارنةً بـ64% حين أدلى الناخبون بأصواتهم في 23 يونيو 2016. أما اليوم، فأغلبيةٌ واضحة بنسبة 57% تعتقد أن الخروج كان خطأً، وستّةٌ من كل عشرة بريطانيين يحكمون على Brexit بأنه فشلٌ ذريع.
الحجج التي ملأت حملة التصويت بـ"نعم" السيادة، والجنيه الإسترليني، والاستقلال الاقتصادي، والتقشّف، وكسر قيود البيروقراطية الأوروبية لم تُفضِ إلى توافقٍ وطني، بل إلى طريقٍ مسدود. وبعد أن أشارت دراسةٌ حديثة للبنك المركزي البريطاني إلى أن الاقتصاد تقلّص بنسبة 6% جرّاء تداعيات الخروج، بات كثيرٌ من الاقتصاديين يُجمعون على أن شهر العسل قد انتهى. وقد تحوّل Brexit في أوساط المحلّلين والمعلّقين إلى ما يُسمّى "Bregret" أي الندم على الخروج.
غير أن الإرث الأعمق لـBrexit قد لا يكون اقتصادياً في جوهره، بل اجتماعياً إعادةٌ بطيئة لتشكيل الثقافة السياسية البريطانية، وتآكلٌ في حدود ما يُقبل من الخطاب العام حول الهوية والانتماء والإقصاء، بصرف النظر عن حدّة الاستقطاب.
ثقافةٌ سامّة من الكراهية
للقلق من الهجرة، وللعنصرية تجاه ذوي البشرة الملوّنة في بريطانيا، تاريخٌ طويل سابق للاستفتاء. لكن Brexit منح هذه المواقف الإقصائية رخصةً جديدة. حين حوّل المؤيّدون للخروج سؤالاً مركّباً عن العضوية في الاتحاد الأوروبي إلى تصويتٍ على السيطرة على الحدود، شحنوا سياسة الهجرة بطاقةٍ أخلاقية لا تزال تُلقي بظلالها حتى اليوم.
يقول Tahir Abbas، مدير مركز التطرّف والإدماج والعدالة الاجتماعية في جامعة Aston، إن "Brexit كان مساراً طويل الأمد" نبع من عقودٍ من التشكيك في الاتحاد الأوروبي داخل حزب المحافظين. غير أن الأوضح اليوم وفق تحليله هو القدرة الهائلة التي أبدتها حملة الخروج في حشد الرأي العام والناس.
"Brexit ظاهرةٌ أحدث نسبياً، وقد جنّدت الإسلاموفوبيا بشكلٍ صريح، لا سيّما من خلال الملصق الشهير الذي وقف أمامه Nigel Farage وعليه صورٌ لعشرات الآلاف من ذوي البشرة الداكنة وهم يتدفّقون عبر أوروبا نحو المملكة المتحدة"، قال Abbas.
اليوم، انتقلت الخطابات التي كانت تقبع على هامش النقاش من أن البلاد تتعرّض لـ"غزو"، وأن اللجوء مجرّد احتيال، وأن الأقليات كالمسلمين لا يشاركون "القيم البريطانية" لتحتلّ مكانةً شبه مقبولة في قلب النقاش العام. عباراتٌ كانت كفيلةً بإنهاء مسيرة أي وزير باتت تُقال علناً دون حرج.
ومع الخطاب، جاءت السياسات.
تسابقت الحكومات المتعاقبة، في سعيها لاستقطاب الناخبين الذين كشفهم Brexit، على التشدّد في ملف الهجرة: معالجة الطلبات خارج البلاد، والتهديد بالانسحاب من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، ومخطّطات ترحيل طالبي اللجوء إلى دولٍ ثالثة أبطلتها المحاكم. تدابيرُ كانت مرفوضةً من قبل كاحتجاز المهاجرين وطالبي اللجوء إلى أجلٍ غير مسمّى، وتجريم عمليات الإنقاذ في البحر، والخلط الخطابي بين اللاجئين والمجرمين باتت مُعتادةً تحت مسمّى ضبط الحدود.
شعاراتٌ مثل "أوقفوا القوارب" التي رفعها حزب المحافظين لإثبات تشدّده في ملف الهجرة، رفعها كذلك قادة اليمين المتطرّف كـTommy Robinson الذي يحظى بدعم علني من Elon Musk. وفي مسيرة "United the Kingdom" التي قادها Robinson في لندن في سبتمبر، دوّت هتافات من قبيل "كفى كفى، أوقفوا الغزو"، فيما باتت عباراتٌ كـ"نحمي نساءنا وأطفالنا" تُوظَّف ضمنياً للإيحاء بأن الجرائم الجنسية شأنٌ يخصّ ذوي البشرة الملوّنة، "الغزاة الأجانب".
من الخطاب إلى العنف في الشوارع
قبل أسبوعٍ من الاستفتاء، أقدم رجلٌ يبلغ 53 عاماً على اغتيال Jo Cox، عضو البرلمان عن حزب العمال وأمّ لطفلَين، في شمال إنجلترا. "بريطانيا أولاً" و"هذا من أجل بريطانيا" هكذا صرخ Thomas Mair وهو يطلق النار عليها ويطعنها حتى الموت.
وفي أعمال الشغب التي شهدتها Belfast هذا الشهر، تحوّل السمّ الخطابي ضد ذوي البشرة الملوّنة إلى نارٍ وعنف. في أعقاب هجومٍ بالسكين نفّذه مواطنٌ سوداني، جابت حشودٌ مقنّعة شوارع المدينة لعدّة ليالٍ متتالية، تُضرم النيران في المنازل والمحلّات والسيارات، وتدقّ الأبواب بحثاً عن بيوتٍ يسكنها مهاجرون. لم يكن ذلك عشوائياً.
كانت مجموعةٌ من المراقبين المتطوّعين قد حذّرت جهاز الشرطة في إيرلندا الشمالية، قبل ثمانية أشهرٍ من اندلاع الشغب، من وجود "قائمة اغتيالات" أعدّها ناشطون مناهضون للهجرة، تتضمّن عناوين هي بالضبط المواقع التي استُهدفت هذا الشهر.
لا تعود كلّ السياسات اليمينية المتطرّفة والعنصرية في بريطانيا إلى Brexit وحده. لكن الشرخ الذي أحدثه عمّق عودة سياسات الكراهية، وكرّس نوعاً من القومية يُهدّد الالتزامات التي انتُزعت بشقّ الأنفس في حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية لصون الديمقراطية العامة، وفق ما ترى Nichola Khan، عالمة الأنثروبولوجيا وخبيرة الهجرة في جامعة Edinburgh.
وتحذّر من أن التنوّع الثقافي، الذي يُعدّ قيمةً بريطانية راسخة، بات مهدَّداً بالمحو.
"التركيز على الهجرة ذريعةٌ واهية. معظم الناس يدركون ذلك، لكنّهم يجدون أنفسهم بلا أدواتٍ فعّالة للمقاومة والتصدّي"، قالت.
وطأةُ التهميش والعنصرية أثقلُ على المسلمين في بريطانيا ولا سيّما النساء اللواتي يرتدين ما يُميّز هويتهن الدينية من أي أقليةٍ أخرى. وتستمرّ حملةٌ ممنهجة لتصوير المسلمين باعتبارهم غرباء عن "القيم البريطانية"، ليس في الخطاب السياسي السائد فحسب، بل في الفضاء الرقمي أيضاً.
والتمييز في الشارع لا يُفرّق بين طبيبٍ بريطاني مسلم من الجيل الثالث، ومواطنٍ أوروبي من ذوي البشرة الملوّنة، و"المهاجر غير الشرعي" الذي تشيطنه صحافة التابلويد. يواجه المسلمون البريطانيون إذن سيفاً ذا حدّين: تحيّزٌ ضد أصولهم العرقية، وآخر ضد دينهم.
آلةُ التضليل تنتقل إلى الفضاء الرقمي
الاستقطابُ والانقسام اللذان كثّفهما Brexit يُنتجان حقائق مؤلمة. في مجتمعٍ منقسم، يغذّي الصراعُ المعلوماتي الفئاتِ الأكثر هشاشةً في الداخل.
هذا ما يحدث مع المجتمعات العمّالية البيضاء المحرومة التي تعتصر غضبها من التقشّف وانهيار المدن الصناعية في شمال بريطانيا، لكنّها تجد نفسها تُحمّل الهجرةَ وحدها المسؤولية. هذه المجتمعات ذاتها صوّتت بكثافةٍ لصالح Brexit، في حين أشارت بيانات الاستطلاعات إلى أن الأقليات العرقية كانت أكثر ميلاً للتصويت بالبقاء في الاتحاد.
يقول Amil Khan، رئيس منظمة Valent المتخصّصة في رصد التضليل المعلوماتي، إن انتصار حملة "المغادرة" أثبت جدوى مقاربات جديدة في التواصل المعلوماتي، وأكّد أن التكنولوجيا والبيانات قادرتان على تجاوز حرّاس الإعلام التقليدي وقواعد التصويت وزعماء المجتمعات.
وبعد Brexit، دخل جيلٌ جديد من الاستراتيجيين إلى السوق، "أصغر سنّاً، وأكثر إلماماً بالتكنولوجيا، وأقلّ التزاماً بالقواعد من الجيل الذي سبقهم"، وفق تعبير Khan.
وقد أفرز ذلك ظهور جهاتٍ فاعلة جديدة تقدّم خدماتٍ مساندة، كمزارع البوتات (Bot Farms)، التي ضاعفت طاقتها في نشر المعلومات المضلِّلة وهو خطرٌ قد يتفاقم مع الابتكار المتسارع في مجال الذكاء الاصطناعي.
ويرى Khan أنه رغم استهداف مجموعاتٍ كالمسلمين بصفةٍ دائمة في هذه الحملات، فإن الهدف الأعمق هو السيطرة على الحكومات والتأثير في السياسات.
الحسابُ الآتي
من المرجّح أن تواصل الأزمة الاقتصادية البريطانية فرض نقاشاتٍ حادّة حول أفضل السبل لإعادة تموضع المملكة المتحدة في علاقتها مع الاتحاد الأوروبي في مناخٍ تبقى فيه السيادة والهجرة قضيّتَين ملتهبتَين في الوجدان العام، وحيث يقف حزب Reform UK المتنامي بقيادة Farage جاهزاً لتصوير أي تنازلٍ باعتباره خيانةً وطنية.
والتداعيات الاجتماعية لا يمكن إغفالها، وهي مأساويةٌ بامتياز.
عشرُ سنواتٍ من جعل الهجرة المفتاحَ السحري لكل مظالم المجتمع وأزماته الاقتصادية والاجتماعية قد أفسدت الخطاب العام، وطبّعت التطرّف، وجعلت الأسر والأفراد من غير ذوي الأصول البيضاء ولا سيّما المسلمون البريطانيون يعيشون في خطرٍ متصاعد.
إن لم يُصحَّح هذا المسار، فلن تكفي بريطانيا اقتصادٌ معافى لاستعادة الثقة بين مواطنيها.
أخبار ذات صلة

تحقيق أمريكي في سلسلة مقاهي نيويوركية رفضت خدمة نائب مؤيّد لإسرائيل

إيران تعزّز علاقاتها الآسيوية: لماذا يتوجّه بيزشكيان إلى باكستان بعد محادثاته الأمريكية؟

إيران وأمريكا في سويسرا: ما مخرجات المفاوضات والخطوة القادمة؟
