الأمريكيون يرون الحرب مع إيران كارثة استراتيجية
أظهر استطلاع جديد أن 78% من الأمريكيين يؤيدون إنهاء الحرب مع إيران، لكن 69% يعتقدون أن الاتفاق لن يمنع البرنامج النووي. أغلبية ترى الحرب عبئاً وليس حلاً. كيف يؤثر ذلك على السياسة الأمريكية؟ التفاصيل في خَبَرَيْن.

يُردّد كثيرٌ من المحلّلين أنّ الرأي العام الأمريكي يقف خلف دونالد Trump في مساعيه لإنهاء الحرب مع إيران، مستندين إلى أرقام الاستطلاعات التي تُظهر أغلبيةً واسعة تؤيّد إيقاف القتال. وهذه القراءة صحيحةٌ من الناحية الشكلية، لكنّها تتجاهل ما هو أهمّ: لماذا يريد الأمريكيون إنهاء الحرب؟ الجواب الذي تكشفه البيانات ليس أنّهم راضون عن النتائج، بل إنّهم يعتقدون أنّ الحرب كانت كارثةً من البداية، ويريدون الخروج منها بأيّ ثمن.
استطلاعٌ جديد أجرته CBS News بالتعاون مع YouGov وهو أوّل استطلاع رئيسي يُجرى منذ توقيع إدارة Trump مذكّرة تفاهم مع إيران يُقدّم صورةً أكثر تعقيداً ممّا يُروَّج له في الأوساط السياسية الأمريكية. وقد نشرت CBS النتائج كاملةً على موقعها.
الأمريكيون يرون أنّها صفقةٌ خاسرة
أظهر الاستطلاع أنّ 78% من الأمريكيين يُفضّلون إنهاء الحرب الآن، في حين أراد 22% فقط الاستمرار حتى تُقدّم إيران مزيداً من التنازلات.
سارع أحد المستشارين السياسيين لـ Trump إلى الاحتفاء بهذا الرقم، مُدّعياً أنّه يعكس تأييد الشعب الأمريكي للاتفاق الذي توصّل إليه Trump ونائبه JD Vance مع إيران.
غير أنّ بقيّة الاستطلاع تُفنّد هذا الادّعاء بوضوح تامّ.
حين طُلب من المستطلَعين تقييم الاتفاق فعلياً، قال 22% فقط إنّه يصبّ في مصلحة الولايات المتحدة أكثر من إيران، في حين رأى 37% وهو رقمٌ أعلى بكثير أنّه يُفيد إيران أكثر. وقال 41% إنّه متوازنٌ بين الطرفين.
والأكثر دلالةً أنّ نسبة من قالوا إنّ الاتفاق يُفيد الولايات المتحدة لم تتجاوز 39% بين صفوف الجمهوريين أنفسهم أي أنّ أقلّ من 4 من كلّ 10 من أبناء حزب Trump يعتقدون أنّ إدارته حقّقت انتصاراً تفاوضياً هنا.
وعلى صعيد التقييم الاستراتيجي، رأى الأمريكيون بنسبة 45% مقابل 29% أنّ الحرب لم تكن ناجحةً من الناحية الاستراتيجية.
قبولٌ بالهزيمة الاستراتيجية
لكنّ هذه الأرقام قد لا تُعبّر بالكامل عن حجم الهزيمة الاستراتيجية التي يُدركها الأمريكيون.
ولعلّ الملفّ النووي وهو الهدف الأكثر أهمّيةً بالنسبة لـ Trump يُجسّد هذا بأوضح صورة. فبينما يؤكّد Trump مراراً أنّ هدفه كان وقف البرنامج النووي الإيراني بصورةٍ دائمة، أظهر استطلاع CBS أنّ 69% من الأمريكيين وحتى 45% من الجمهوريين يعتقدون أنّ هذا الاتفاق، إن اكتمل وأنهى الحرب، لن يُحقّق ذلك.
وهذا يتّسق مع ما كشفه استطلاعٌ أجرته Fox News في منتصف يونيو، حين كانت مفاوضات الإطار العام جاريةً، وأظهر أنّ الناخبين المسجّلين يرون بنسبة 64% مقابل 35% أنّ اتفاق السلام لن يمنع إيران من إنتاج أسلحة نووية.
وتجدر الإشارة إلى أنّ الاتفاق لا يزال يترك كثيراً من التفاصيل معلّقةً للمراحل اللاحقة، ولا سيّما على الصعيد النووي. بيد أنّ الإدارة تبدو في طريقها إلى التراجع عن بعض أهدافها المُعلنة، وهو ما تعكسه هذه الأرقام التي تكشف عن تشاؤمٍ عميق لدى الرأي العام الأمريكي.
وقد كشف استطلاع CBS الجديد عن جملةٍ من النتائج اللافتة:
قال 68% إنّ الاتفاق، إن اكتمل، لن يكون قد أوقف إيران عن تهديد الدول الأخرى، وأيّد نحو نصف الجمهوريين المستطلَعين (48%) هذا الرأي.
قال 79% إنّ الحرب لم تجعل قادة إيران أكثر ودّاً تجاه الولايات المتحدة.
قال 74% إنّها لم تجعل الشعب الإيراني آمناً وحرّاً، وهو هدفٌ أعلنه Trump في وقتٍ سابق من هذا العام.
الحرب كانت عبئاً لا حلاً
ثمّة خيطٌ ثابتٌ يجري عبر استطلاعات الرأي المتعلّقة بهذه الحرب: لا يرى الأمريكيون أنّها فشلت فحسب، بل يرونها مضرّةً ومُعقِّدةً للأوضاع أكثر ممّا هي مُصلِحةٌ لها.
يدّعي Trump أنّ الحرب دمّرت القدرات العسكرية الإيرانية وأجهزت على برنامجها النووي. لكنّ 37% فقط من الأمريكيين يرون أنّ إيران أضعف اليوم ممّا كانت عليه قبل اندلاع الحرب.
أكثر من 6 من كلّ 10 يقولون إنّ إيران لا تزال بالقوّة ذاتها (38%) أو باتت أقوى (25%).
وإذا كانت إيران قد مُنيت بخسائر عسكرية فعلية، فإنّها أثبتت في الوقت ذاته قدرتها على تحقيق نفوذٍ استراتيجي لافت، من خلال إغلاق مضيق هرمز وتهديد الاقتصاد العالمي وهو ما لم يكن في حسبان كثيرين.
ويبدو الأمريكيون مُدركين أن تداعيات هذه الحرب لن تنتهي بانتهائها؛ إذ ترى أغلبيةٌ واضحة، تبلغ نسبتها 57%، أن الحرب خلقت مشكلاتٍ أكثر ممّا حلّت، وهي نسبةٌ تُقارب ثلاثة أضعاف نسبة الذين قالوا العكس (21%).
الأمريكيون يرون أنّ Trump لم يكن مستعدّاً
وفيما يخصّ التداعيات الاقتصادية، يبدو الرأي العام الأمريكي مقتنعاً بأنّ الإدارة دخلت هذه الحرب دون أن تُقدّر عواقبها حقّ التقدير.
سأل الاستطلاع المستطلَعين إن كانوا يعتقدون أنّ إدارة Trump فهمت المدى الذي ستؤثّر به الحرب على الاقتصاد العالمي. فأجاب 64% بأنّ الحرب أثّرت على الاقتصاد العالمي أكثر ممّا توقّعته الإدارة، وشمل ذلك 51% من الجمهوريين المستطلَعين.
وثمّة ما يُسند هذا الاستنتاج: فقد أفيد في مارس بأنّ الإدارة استهانت بمدى استعداد إيران للمضيّ في إغلاق مضيق هرمز.
الجميع يريد أن تنتهي بمن فيهم Trump نفسه
الخلاصة الكبرى التي تجمع الأمريكيين هي رغبةٌ مشتركة في طيّ هذه الصفحة، ويبدو أنّهم يعتقدون أنّ Trump يشاركهم هذه الرغبة.
كان استطلاع Fox News في منتصف يونيو قد أظهر أنّ 70% من الناخبين المسجّلين يخشون أن تتحوّل الحرب إلى التزامٍ طويل الأمد، فيما قال 87% إنّ تجنّب حربٍ مطوّلة أمرٌ بالغ الأهمية.
وهذا يُفسّر على الأرجح استعداد الأمريكيين للقبول باتفاقٍ دون المستوى المأمول. فقد قالت الإدارة إنّ الحرب ستنتهي في غضون أربعة إلى ستة أسابيع، لكنّها امتدّت قرابة أربعة أشهر. ولم يشهد الأمريكيون خلال هذه المدّة كثيراً من النتائج الملموسة، وبما أنّهم لم يروا مبرّراً وجيهاً للحرب في الأصل، فليس من المستغرب أن يُقرّروا الانسحاب من هذه المغامرة.
والأكثر دلالةً أنّ هذا هو بالضبط ما يعتقد الأمريكيون أنّ Trump يفعله الآن.
سأل استطلاع CBS الأمريكيين: هل تعتقدون أنّ إدارة Trump تتوصّل إلى هذا الاتفاق لأنّها حقّقت أهدافها، أم لأنّها "تريد أن ينتهي النزاع"؟
أجاب ثلثا الأمريكيين: إنّها تريد فقط أن تُغلق هذا الملفّ.
وهنا يكمن الفارق الجوهري الذي ينبغي ألّا يُغفله أحد: الفرق بين الانسحاب من موقع قوّة والانسحاب من موقع إرهاق. الأمريكيون لا يُصفّقون لانتصار، بل يتنفّسون الصعداء لانتهاء كابوس.
أخبار ذات صلة

ترامب يواجه غضباً إسرائيلياً: "كان يمكنك أن تكون الأعظم"

إسرائيل تشنّ حرباً على إيران، لكن نتنياهو قد يكون الخاسر الأكبر

نتنياهو وقصف إيران: هل كان حقاً تحدياً لترامب؟
