إيران تتفوق ونتنياهو في مأزق استراتيجي
تتحدث المقالة عن إخفاقات نتنياهو في مواجهة إيران، حيث تم التوصل إلى اتفاق أمريكي-إيراني دون دور فعّال لإسرائيل. تتصاعد الانتقادات من مختلف الأطياف السياسية، مع تساؤلات حول مستقبل العلاقات الإسرائيلية-الإيرانية. خَبَرَيْن.

حين صدر عنوان صحيفة Haaretz الإسرائيلية يوم الثلاثاء، لخّص ما يجول في أذهان كثيرين: «فضيحة إيران هي أكبر إخفاقات نتنياهو منذ السابع من أكتوبر».
بعد ثلاثة أشهر ونصف من حرب متقطّعة مع إيران، توصّل الحليف الأمريكي إلى اتفاق مرحلي مع طهران، دون أن تُشير التقارير إلى أيّ دور فعلي لإسرائيل في صياغته. والدولة الإيرانية التي طالما صوّرها السياسيون الإسرائيليون على مدى عقود باعتبارها تهديداً وجودياً، لا تزال قائمة، بل باتت من خلال سيطرتها على مضيق هرمز أكثر نفوذاً مما كانت عليه.
وعلى الصعيد الأقرب إلى إسرائيل، باتت العمليات العسكرية الإسرائيلية في لبنان التي برّرتها تل أبيب بضرورة صدّ صواريخ حزب الله المتحالف مع طهران في مواجهة حسابات جديدة معقّدة، إذ قد تُعرقل تلك العمليات العلاقة الأمريكية-الإيرانية في الفترة الحسّاسة السابقة لتوقيع الاتفاق المنتظر نهاية هذا الأسبوع.
معارضة واسعة
جاءت المعارضة للاتفاق داخل إسرائيل من الوسط السياسي واليمين المتطرّف معاً.
فقد وجّه Gadi Eisenkot، السياسي الوسطي المرشَّح بقوّة لإزاحة رئيس الوزراء Benjamin Netanyahu في الانتخابات المقبلة، انتقاداً حادّاً لنتنياهو وللاتفاق الأمريكي-الإيراني على حدٍّ سواء. و وصف Eisenkot ما جرى بأنّه «نتيجة كارثية لحكومة فاشلة»، مشيراً إلى ما سمّاه «الهوّة الشاسعة» بين «الوعود الفارغة بالنصر المطلق» التي أطلقها نتنياهو وبين ما يتضمّنه الاتفاق فعلياً.
أمّا أعضاء اليمين المتطرّف في الائتلاف الحكومي، وفي مقدّمتهم وزير الأمن القومي Itamar Ben-Gvir ووزير المالية Bezalel Smotrich، فقد كانوا على عادتهم في التشدّد، مع حرصٍ واضح على استثمار الموقف انتخابياً. وقال Ben-Gvir: «يجب ألّا نتصرّف وفق الاتفاقيات بين Trump و Mojtaba Khamenei»، في إشارة إلى الرئيسَين الأمريكي والإيراني، فيما وصف Smotrich الاتفاق بأنّه «صفقة سيّئة».
ويدرك نتنياهو، الذي أمضى سنوات يدفع نحو مواجهة مع إيران ويُسوّق لها داخلياً، أنّ إنهاء هذا الصراع قرارٌ غير شعبي في الداخل الإسرائيلي. لذا حرص على التبرّؤ ما أمكنه من الاتفاق، واصفاً إيّاه بـ«قرار Trump» لإنهاء الحرب، بينما يدّعي في الوقت ذاته أنّه كان شريكاً متكافئاً مع واشنطن في خوضها.
وفي مؤتمر صحفي يوم الاثنين، تجاهل نتنياهو ما وصفه المنتقدون بالوضع الكارثي لإسرائيل، وأعلن النصر قائلاً: «لقد أزلنا، لسنوات مقبلة، هذا الخطر المحدق بنا المتمثّل في القضاء على الشعب الإسرائيلي. هذا ما فعلناه. لقد أنقذنا دولة إسرائيل من الفناء». وجاءت هذه التصريحات صدىً شبه حرفي لما قاله عقب حرب الاثني عشر يوماً مع إيران في يونيو 2025، حين أعلن أنّه حقّق «انتصاراً تاريخياً» على إيران سيظلّ «راسخاً لأجيال».
وقال Daniel Levy، المستشار الحكومي الإسرائيلي السابق: «الأمور لا تسير على ما يُرام، والادّعاءات غير موثوقة». وأضاف: «كان الافتراض أنّك إذا جررت أمريكا إلى الحرب، فإنّ إيران ستُسحق حتماً، وأنّ ما عجزت إسرائيل عن تحقيقه من إسقاط النظام وإخضاع إيران يمكن لأمريكا أن تحقّقه. لكنّ هذا لم يحدث».
وتابع Levy موضّحاً كيف شكّلت النظرة الإسرائيلية لذاتها في المنطقة تصوّراتها عن مسار الحرب: «هذا الافتراض مشبَّع بعنصرية استعمارية وغطرسة إسرائيلية. فكرة أن تتمكّن إيران من التفوّق استراتيجياً وامتلاك أوراق ضغط لم تكن واردة أصلاً في الحسابات».
إيران في موقع القوّة؟
تتمحور النقاشات داخل إسرائيل حول مكانة إيران بوصفها قوّة إقليمية، وربّما قوّة نووية محتملة، في مرحلة ما بعد الحرب.
أصرّ الرئيس الأمريكي Donald Trump على أنّ إيران لن تمتلك أسلحة نووية. غير أنّ الطريقة التي تعتزم بها واشنطن إقناع طهران بالتخلّي عن مخزوناتها من اليورانيوم المخصَّب لا تزال غامضة، لا سيّما في ضوء حرب يرى كثير من الإيرانيين أنّهم خرجوا منها منتصرين، فضلاً عن التداعيات الاقتصادية لإغلاق مضيق هرمز.
وقال Ahron Bregman، الباحث الأول في قسم دراسات الحرب بـKing's College London: «لقد ألحق نتنياهو بإسرائيل كارثة استراتيجية. أشعل حرباً مع إيران بهدف إسقاط نظامها، لكنّ النظام لا يزال قائماً وأكثر تشدّداً من ذي قبل. وستُعيد إيران بناء ترسانتها الصاروخية».
ويكتنف الغموضُ أيضاً مدى قدرة إسرائيل على الاستمرار في الاعتماد على الدعم الأمريكي لعملياتها العسكرية المتواصلة في لبنان. فقد اشترطت إيران منذ أمد بعيد وقف الهجمات الإسرائيلية على لبنان لأيّ اتفاق ينهي الحرب. بيد أنّ نتنياهو يؤكّد أنّ الاتفاق الأمريكي-الإيراني لا يقيّد حرية إسرائيل في التحرّك داخل لبنان، وهو ما يرى المحلّلون أنّه قد يُشكّل عقبة أمام أيّ هدنة، وتوتّراً متصاعداً في العلاقة بين إسرائيل وراعيتها في واشنطن.
وقد سعى Trump يوم الثلاثاء إلى إبراز هذه الخلافات، معلناً أنّه «غير سعيد» بتصرّفات إسرائيل في لبنان، ومطالباً نتنياهو بأن يكون «أكثر مسؤولية» تجاه جارته الشمالية.
{{MEDIA}}
وأشار Bregman إلى أنّ «لبنان سيكون الشرارة والزناد لجولات قادمة من المواجهة بين إسرائيل وإيران»، متساءلاً: «هل ستنضمّ الولايات المتحدة إلى إسرائيل مجدّداً لمحاربة إيران؟ أشكّ في أنّ أيّ رئيس أمريكي يمتلك ذرّة من الحسّ السليم سيُقدم على خوض حرب مع إيران». وختم بالقول: «الجغرافيا في صفّ إيران، وهي قنبلة اقتصادية نووية ستستخدمها مجدّداً دون تردّد»، في إشارة إلى مضيق هرمز وقدرة إيران على تعطيل حركة النفط عبره.
لا يزال نتنياهو رئيس الوزراء الأطول خدمةً في تاريخ إسرائيل، وقلّة من يستعجلون شطبه قبيل انتخابات هذا العام. غير أنّ أحكام التاريخ على مغامراته الإقليمية الأخيرة بدأت تتبلور، كما قال Alon Pinkas، السفير والقنصل العام الإسرائيلي السابق في نيويورك.
وقال Pinkas: «يجد نتنياهو نفسه اليوم مقبلاً على انتخابات يحمل معه فيها كارثة السابع من أكتوبر 2023، والإخفاق في لبنان، وحرباً مدمّرة مع إيران». وأضاف: «في نهاية المطاف، يُنظر إلى نتنياهو باعتباره رجلاً أُتيحت له فرصة العمر فأضاعها. كان كلّ شيء في صفّه: رئيس أمريكي داعم، وإيران معزولة بلا حلفاء، وتفوّق عسكري وتكنولوجي، فأهدر كلّ ذلك. ثلاثون عاماً وهو يتحدّث عن هذا، وحين جاءت اللحظة، أهدرها».
وختم Pinkas: «هو محقّ في أنّه غيّر المشهد السياسي في الشرق الأوسط. لكنّه فعل ذلك لصالح إيران».
أخبار ذات صلة

ترامب يواجه غضباً إسرائيلياً: "كان يمكنك أن تكون الأعظم"

نتنياهو وقصف إيران: هل كان حقاً تحدياً لترامب؟

الولايات المتحدة تصنّف BYD وعلي بابا كـ"شركات عسكرية صينية"
