خَبَرَيْن logo

تصعيد إيراني يهدد السلام في لبنان وإسرائيل

تصاعدت التوترات بين إيران وإسرائيل بعد ضربات مباشرة من طهران، مما يهدد مسار الدبلوماسية. هل ستؤدي هذه الأحداث إلى تصعيد أكبر في لبنان؟ تابعوا التفاصيل حول الأبعاد الجديدة للصراع في المنطقة على خَبَرَيْن.

دمار في مبنى سكني في الضاحية الجنوبية لبيروت، مع وجود آليات إزالة الأنقاض وأشخاص يتفقدون الأضرار بعد الضربات الإسرائيلية.
عمال البلدية يزيلون أنقاض الشقق المدمرة التي تعرضت لضربة جوية إسرائيلية في الضاحية، الضاحية الجنوبية لبيروت.

بعد أسابيع من التحذيرات الإيرانية المتكرّرة من أن الضربات الإسرائيلية المتواصلة على لبنان ستُقوِّض مسار الدبلوماسية، أقدمت طهران في الساعات الأولى من صباح الأحد على شنّ أول ضرباتها المباشرة على إسرائيل منذ شهرين، مُلقيةً بظلالٍ جديدة من الشكّ على احتمالات التوصّل إلى اتفاقٍ بين واشنطن وطهران.

وفي حين سعت كلٌّ من إسرائيل والولايات المتحدة إلى فصل ملفّ الاحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان عن الحرب الأوسع التي تخوضها واشنطن وتل أبيب ضد إيران، أكّدت طهران باستمرار أنّها لن تقبل بأيّ تسويةٍ لا تشمل لبنان أيضاً.

وقد جاءت ضربات الأحد لتُرسّخ هذا الموقف على أرض الواقع.

فقد شنّت إسرائيل في وقتٍ سابق من ذلك اليوم غارةً على الضاحية الجنوبية لبيروت، وذلك على الرغم من تطمينات أمريكية أُعطيت الأسبوع الماضي بأن إسرائيل لن تستهدف العاصمة اللبنانية طالما أحجم حزب الله عن ضرب شمال إسرائيل. وردّاً على تلك الغارة، أطلقت إيران صواريخ باتجاه إسرائيل في الساعات الأولى من الليل.

وأعلن الحرس الثوري الإيراني (IRGC) في بيانٍ رسمي: "عملية الليلة كانت تحذيراً، وإن تكرّرت الاعتداءات فإن الردود ستكون أوسع نطاقاً وستطال جميع الأهداف الأمريكية الصهيونية في المنطقة."

وفي المقابل، شنّت إسرائيل يوم الاثنين ضرباتٍ متعدّدة داخل الأراضي الإيرانية، طالت العاصمة طهران، وذلك على الرغم من تقارير تفيد بأن الرئيس الأمريكي Donald Trump طلب من رئيس الوزراء الإسرائيلي Benjamin Netanyahu تجنّب التصعيد. وكان Trump قد صرّح لصحيفة Financial Times البريطانية يوم الأحد: "أنا من يُقرّر... وهو Netanyahu لا يُقرّر."

وردّت طهران بموجةٍ ثانية من الصواريخ نحو إسرائيل، غير أن معظمها جرى اعتراضه ولم تُسجَّل أيّ وفيات في الجانب الإسرائيلي. ومع ذلك، رأى Trump نفسه مضطرّاً للتدخّل عبر منصّته Truth Social، إذ كتب في تغريدةٍ موجزة: "على إسرائيل وإيران أن توقفا 'إطلاق النار' فوراً."

بيروت: الخطّ الأحمر

بعد موجتها الضاربة الثانية، أعلنت القوات المسلّحة الإيرانية إنهاء عملياتها ضد إسرائيل، لكنّها حذّرت من أن أيّ ضربات إسرائيلية إضافية على لبنان ستُقابَل بردودٍ "أشدّ قسوة"، وفق ما نقلته وكالة Fars الإيرانية شبه الرسمية.

وقالت Negar Mortazavi، الباحثة الأولى في Center for International Policy ومؤسِّسة The Iran Podcast، لقناة الجزيرة: "كانت طهران تتحمّل الضربات الإسرائيلية الأخيرة على جنوب لبنان، لكنّها رسمت خطّاً أحمر حول بيروت."

وأضافت Mortazavi: "حين أرادت إسرائيل استهداف بيروت الأسبوع الماضي، أرسلت طهران تحذيراً جدّياً إلى واشنطن بأنّها لن تتسامح مع ضرب العاصمة، وقد أثبتت الليلة أن ذلك التحذير لم يكن مجرّد كلام."

وقد أثار هذا التصعيد سؤالاً جوهرياً: هل كشفت إيران بضرباتها المباشرة دفاعاً عن حزب الله أنّها باتت مستعدّةً لتطبيق خطّها الأحمر القائل بأن أيّ هجومٍ إسرائيلي على حلفائها سيستدعي رداً إيرانياً مباشراً؟

وعلى نطاقٍ أوسع، يتساءل المراقبون: هل تملك واشنطن فرصةً حقيقية للتفاوض على إنهاء الحرب ضد إيران، وربّما التوصّل إلى اتفاقٍ دائم مع طهران، في ظلّ استمرار إسرائيل في عملياتها العسكرية ضد حزب الله في لبنان؟

المعارك في لبنان

انزلق لبنان إلى دائرة الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران في 2 مارس، إثر إطلاق حزب الله المتوافق مع طهران ضرباتٍ على شمال إسرائيل.

وأعلن حزب الله أن تلك الضربات جاءت انتقاماً لاغتيال إسرائيل المرشد الأعلى الإيراني، آية الله علي خامنئي، في اليوم الأول من الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران في 28 فبراير، فضلاً عن الانتهاكات الإسرائيلية شبه اليومية لاتفاق وقف إطلاق النار الذي أُبرم في لبنان في نوفمبر 2024.

وبحسب أحدث أرقام وزارة الصحة اللبنانية، بلغ عدد الشّهداء جرّاء الضربات الإسرائيلية على لبنان منذ استئناف القتال في مارس 3,613 شخصاً، فيما أُصيب 11,072 آخرون. كما نزح أكثر من مليون شخص من منازلهم في ظلّ احتلال إسرائيل لما يقارب خُمس الأراضي اللبنانية.

وعلى الرغم من دخول هدنةٍ أمريكية الوساطة حيّز التنفيذ في 17 أبريل بهدف وقف الاشتباكات بين إسرائيل وحزب الله، تواصلت الضربات الإسرائيلية في الأسابيع التالية، وامتدّت لتطال العاصمة بيروت، حيث تقول إسرائيل إنّها تستهدف معاقل حزب الله في الضاحية الجنوبية.

وفي وقتٍ سابق من هذا الأسبوع، أعلن المفاوضون اللبنانيون والإسرائيليون التوصّل إلى هدنةٍ مشروطة جديدة في أعقاب مباحثات جرت في واشنطن.

غير أن الأمين العام لحزب الله نعيم قاسم رفض تلك الهدنة، واصفاً إيّاها بـ"المهزلة"، ومؤكّداً أن الضربات على شمال إسرائيل ستتواصل ما دامت القنابل تتساقط على لبنان.

"معاً في الحرب، معاً في السلام"

يرى Rob Geist Pinfold، المحاضر في الأمن الدولي بـKing's College London، أن من أبرز تحوّلات هذا الصراع أن إيران باتت تتخلّى تدريجياً عن المنطق الذي حكم موقفها الإقليمي لسنواتٍ طويلة.

وقال Geist Pinfold : "كانت الفكرة الأصلية من استراتيجية 'الدفاع المتقدّم' هي تفادي مواجهةٍ مباشرة بين إسرائيل وإيران كدولتَين."

وأشار إلى أن إيران ضخّت استثماراتٍ ضخمة في حزب الله وسائر الجماعات الحليفة في المنطقة بما فيها الحوثيون في اليمن وعددٌ من الفصائل المسلّحة في العراق وسوريا لأنّها آمنت بقدرتها على إسقاط قوّةٍ بالوكالة تُحقّق ردعاً أكثر فاعليةً مما تستطيعه قدراتها العسكرية التقليدية وحدها.

وأضاف: "ما نشهده الآن هو أن إيران قلبت تلك المعادلة رأساً على عقب؛ فبدلاً من توظيف هذه الجماعات الوكيلة للقتال نيابةً عنها، باتت هي التي تتصاعد كدولةٍ للقتال دفاعاً عن وكلائها."

وترى Mortazavi أن إيران ربطت الآن أيّ إطارٍ للسلام بمصير حلفائها الإقليميين، موضحةً: "رسالة طهران هي: معاً في الحرب، معاً في السلام."

وفي السياق ذاته، يرى Nadim Houry، المدير التنفيذي لـArab Reform Initiative في لبنان، أن إيران تسعى إلى الحفاظ على استراتيجيتها الراسخة القائمة على "وحدة الجبهات"، بما يضمن بقاء شبكة حلفائها الإقليميين متماسكةً.

وقال Houry: "لتحقيق ذلك، تحتاج إيران إلى إثبات قدرتها على ردع إسرائيل عن التصرّف بصورةٍ منفردة ضد لبنان."

وأضاف: "خشية إيران أنّه إن بدا أنّها عاجزة عن حماية حزب الله، أهمّ وكلائها، فسيتآكل نفوذ وكلائها الإقليميين الواحد تلو الآخر."

"مخاطرة محسوبة" أم خطٌّ جديد في الرمال؟

يرى الخبراء أن التصعيد الأخير يجمع بين الحسابات الاستراتيجية وإثبات الإرادة في آنٍ معاً.

وقال Andreas Krieg، أستاذ في قسم الأمن بـKing's College London : "لن أقول إن إيران أوجدت آليةً تلقائية تجعل كلّ مواجهةٍ بين إسرائيل وحزب الله تستدعي تدخّلاً إيرانياً مباشراً."

"لكنّ إيران رسمت خطّاً أحمر أكثر صلابةً حول لبنان مما كان عليه من قبل."

ويرى Krieg أن إيران تحاول إعادة رسم حدود وقف إطلاق النار من خلال استخدام القوة بصورةٍ محسوبة، لا بالتخلّي عن الدبلوماسية كلياً.

وأضاف: "هذا خطٌّ أحمر جديد، لكنّه خطٌّ أحمر مرن. تريد إيران الغموض؛ تريد أن تُوهم إسرائيل بأن أيّ تصعيدٍ إضافي في لبنان قد يستجلب رداً إيرانياً مباشراً، لكنّها تريد في الوقت ذاته هامشاً كافياً يُجنّبها الانزلاق إلى حربٍ شاملة وفق جدول إسرائيل الزمني."

أما المحلّل المقيم في بيروت Ali Rizk، فيرى أن طهران تراهن على أن Trump حريصٌ على تفادي اتساع رقعة الصراع وتأمين تسويةٍ تفاوضية. وقال Rizk : "ثمّة فارقٌ واضح الآن بين الأولويات الأمريكية والإسرائيلية."

وأضاف: "أعتقد أن Trump قد يكون مستعدّاً لمجاراة المصالح الإيرانية في لبنان إلى حدٍّ ما، إذا أتاح ذلك التوصّل إلى اتفاقٍ يعالج ملفّاته الرئيسية، كالملفّ النووي ومضيق هرمز."

لوحة إعلانات كبيرة في طهران تُظهر شخصيات دينية بارزة، مع شعارات تدعو إلى المقاومة، بينما يمر الناس في الشارع.
Loading image...
صور في طهران للزعيم الأعلى الراحل في إيران، آية الله روح الله الخميني (يسار) والزعيم الأعلى المغتال آية الله علي خامنئي، 8 يونيو 2026 [أ ف ب]

إنهاء الحرب بات "أصعب بكثير"

يحذّر المحلّلون من أنّه إن عجزت واشنطن عن كبح الإجراءات الإسرائيلية التي تعتبرها طهران غير مقبولة، فقد تصل إيران إلى قناعةٍ بأن الولايات المتحدة غير قادرة على تقديم وقف إطلاق النار الشامل الذي تسعى إليه.

وقال Houry: "السؤال المحوري هو ما إذا كان Trump مستعدّاً فعلاً لتقييد إسرائيل بصورةٍ ملموسة. هل سيتّخذ خطواتٍ جدّية للضغط عليها، أم سيكتفي بالسير في ركبها؟"

ورأى Rizk أن Trump يجد نفسه في موقفٍ "بالغ الصعوبة"، لكنّه على الأرجح سيمارس ضغطاً على إسرائيل لوقف التصعيد في لبنان.

وحذّر قائلاً: "التضحية بمفاوضات إيران من أجل السماح لـNetanyahu بقصف لبنان ستُعرّضه أكثر من أيّ وقتٍ مضى لاتهامه بالتبعية للإسرائيليين، وهو ما قد يُكلّفه ثمناً باهظاً في انتخابات التجديد النصفي الأمريكي. لذلك، ثمّة احتمالٌ قويّ بأن يبذل جهوداً مكثّفة لمنع التصعيد من إجهاض الدبلوماسية مع إيران."

في المحصّلة، يعتقد الخبراء أن تجميداً مؤقّتاً للأعمال العدائية يبقى ممكناً، لكنّ السلام الدائم بات يبدو أبعد منالاً بكثير.

وخلص Krieg إلى القول: "السيناريو الأرجح هو نمطٌ من العنف المتوقّف: المفاوضات تسير، وإيران وإسرائيل تواصلان اختبار بعضهما، وحزب الله يبقى نشطاً، فيما تسعى الولايات المتحدة إلى منع انهيار المنظومة برمّتها في مواجهةٍ أشمل."

أخبار ذات صلة

Loading...
تظهر الصورة وجهين بارزين: بنيامين نتنياهو، رئيس الوزراء الإسرائيلي، ودونالد ترامب، الرئيس الأمريكي السابق، مما يعكس التوترات السياسية بينهما في ظل تصعيد الأوضاع مع إيران.

نتنياهو وقصف إيران: هل كان حقاً تحدياً لترامب؟

هل بدأت العلاقة بين ترامب ونتنياهو تتصدّع؟ التوترات المتصاعدة تثير تساؤلات حول مستقبل التعاون الأمريكي-الإسرائيلي. اكتشف كيف تؤثر المصالح السياسية على هذه العلاقة المعقدة، وما هي التداعيات المحتملة. تابع القراءة!
Loading...
شخصية واقفة أمام شعار شركة Alibaba في معرض، تعكس التوترات بين الولايات المتحدة والصين بعد إدراج الشركة في قائمة البنتاغون للشركات العسكرية الصينية.

الولايات المتحدة تصنّف BYD وعلي بابا كـ"شركات عسكرية صينية"

في خطوة غير متوقعة، أدرجت وزارة الدفاع الأمريكية شركات Alibaba وBYD وBaidu على قائمتها السوداء، مما يعكس تعقيدات العلاقات التجارية مع الصين. هل ستؤثر هذه الإجراءات على مستقبل التعاون الاقتصادي؟ تابعوا معنا التفاصيل.
Loading...
صور تظهر صواريخ تطلق في السماء فوق مدينة خلال الليل، تعكس تصعيد التوترات بين إسرائيل وإيران بعد تبادل الضربات.

الضربات المتبادلة بين إيران وإسرائيل: هل انتهت الهدنة؟

في ليلة ملتهبة، تصاعدت التوترات بين إيران وإسرائيل بشكل غير مسبوق، حيث تبادلا الضربات الصاروخية في تصعيد قد يعيد رسم خريطة الصراع. هل ستستمر هذه المواجهة؟ تابعوا التفاصيل المثيرة في المقال.
Loading...
شخص يقف في منطقة صحراوية أمام حطام صاروخ مدمر، مما يعكس تصاعد التوترات العسكرية بين إيران وإسرائيل في المنطقة.

إسرائيل وإيران تتبادلان الضربات وسط تداعي الهدنة

تتجدد نذر الحرب في الشرق الأوسط، حيث تتبادل إسرائيل وإيران الضربات في تصعيد خطير يهدد الأمن الإقليمي. هل سيؤدي هذا التصعيد إلى أزمة جديدة؟ تابعوا معنا لتفاصيل مثيرة حول الأحداث المتلاحقة.
الرئيسيةأخبارسياسةأعمالرياضةالعالمتكنولوجيااقتصادصحةتسلية