خلافات غير مسبوقة بين أمريكا وإسرائيل
تسود مشاعر الخيانة في إسرائيل بعد اتفاق ترامب مع إيران، حيث تتهم وسائل الإعلام الإسرائيلية الرئيس الأمريكي بالتخلي عن حليفته. هل يشهد التحالف الأمريكي-الإسرائيلي أزمة تاريخية؟ اكتشف المزيد على خَبَرَيْن.

-الابتسامة العريضة التي رسمها اسم أوباما على صفحات الصحف الإسرائيلية لم تكن مجرد تفصيلٍ عابر بل كانت جرحاً مفتوحاً في خاصرة العلاقة بين واشنطن وتل أبيب. هذا الأسبوع، بلغ الشرخ المتنامي بين الولايات المتحدة وإسرائيل ذروةً لم يشهدها هذا التحالف منذ عقود، إذ نشرت كبرى المنابر الإعلامية الإسرائيلية مقالاتٍ تتّهم الرئيس Donald Trump صراحةً بالتخلّي عن إسرائيل لصالح عدوّها اللدود، وذلك في أعقاب الاتفاق المرحلي الذي أبرمه مع إيران.
و وصف المحلّلون مشاعر الخيانة التي سادت الأوساط السياسية والشعبية الإسرائيلية، في ظلّ موجة غضبٍ عارمة من بنود الاتفاق الذي يرسم الملامح العامة لإنهاء الحرب المشتركة بين الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران.
"كنتَ تستطيع أن تكون الأعظم"
في هجومٍ لاذع بامتياز، نشرت صحيفة Israel Hayom إحدى أبرز الصحف الإسرائيلية، والمملوكة لـ Miriam Adelson المانحة الكبرى والمقرّبة من Trump مقالاً افتتاحياً بعنوان "كنتَ تستطيع أن تكون أعظم رئيسٍ على الإطلاق، لكنّك أخفقت"، اتّهم فيه Trump بأنّه وقّع "اتفاقية استسلام مع نظامٍ إرهابي قاتلٍ وقاسٍ".
جاء المقال على شكل رسالةٍ مفتوحة إلى Trump، وذهب في حدّته إلى أبعد ممّا جاهر به بعض أشدّ السياسيين الإسرائيليين تطرّفاً، إذ اتّهم الرئيس الأمريكي بأنّه قلب ساعة الرمل نحو حربٍ جديدة، وأنّه أوصل بلاده إلى "مهانةٍ" لا تُنسى. وجاء في المقال: "الابتسامة العريضة على وجه الرئيس السابق Barack Obama كانت تحمل الكثير من السخرية تجاه الرجل الذي وصف اتفاقيته بأنّها الأسوأ على الإطلاق"، في إشارةٍ إلى الاتفاق النووي الذي أُبرم عام 2015 وانسحب منه Trump بعد ثلاث سنوات خلال ولايته الأولى.
ورأى Hagai Ram، أستاذٌ في جامعة Ben Gurion ومؤلّف كتاب Iranophobia: The Logic of an Israeli Obsession، أنّ Trump كان حتى وقتٍ قريب "الشخصية الأكثر شعبيةً في إسرائيل"، غير أنّه تحوّل الآن في نظر كثيرين إلى "شخصيةٍ شريرة". وعزا Ram ذلك إلى "الفوبيا" وإلى "إحساسٍ شامل بالخيانة الأمريكية لإسرائيل"، في أعقاب صفقةٍ تصدّرت وسائل الإعلام الرئيسية بوصفها "فخّاً إيرانياً".
زواجٌ على حافة الطلاق؟
يُعدّ التحالف الأمريكي-الإسرائيلي من أوثق التحالفات في التاريخ المعاصر. فمنذ الدور المحوري الذي أدّته الولايات المتحدة في قيام دولة إسرائيل عام 1948، لم تتوقّف واشنطن عن دعم تل أبيب في حروبٍ متعاقبة وفي تجاهلها المتكرّر لأحكام القانون الدولي في تعاملها مع الشعب الفلسطيني، ولا سيّما الحصار الممتدّ لعقودٍ والهجمات المتواصلة على قطاع غزة.
بيد أنّ الخلاف الراهن حول بنود مذكّرة التفاهم الأمريكية-الإيرانية يبدو استثنائياً في حدّته، حتى وإن أسرع المراقبون إلى التأكيد على أنّ التحالف الاستراتيجي الراسخ لا يزال قائماً في جوهره.
إيران، في نظر كثيرٍ من الإسرائيليين، هي العدوّ الوجودي بامتياز. ولعقودٍ خلت، ردّد السياسيون الإسرائيليون، في مقدّمتهم رئيس الوزراء Benjamin Netanyahu، أنّ طهران على وشك امتلاك السلاح النووي، وأنّها مع حلفائها في مقدّمتهم حزب الله ماضيةٌ في مسعاها لتدمير إسرائيل.
غير أنّ الاتفاق الذي جرى التفاوض عليه على ما يبدو بمعزلٍ تامٍّ عن إسرائيل، اشترط وقفاً فورياً لجميع العمليات العسكرية، بما فيها الهجوم الذي شنّته إسرائيل على لبنان مطلع مارس الماضي. فضلاً عن ذلك، تعهّد الطرفان باحترام "السلامة الإقليمية والسيادة" للبنان، في حين تحتلّ إسرائيل نحو خُمس أراضيه.
لم يلقَ هذا كلّه قبولاً في إسرائيل. فقد كشف استطلاعٌ أجرته قناة Channel 12 الإسرائيلية يوم الخميس عن تحوّلٍ لافت في المزاج الشعبي: لم يرَ سوى 11 بالمئة من الإسرائيليين أنّ بلادهم "انتصرت" في الحرب التي شنّتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران أواخر فبراير الماضي، فيما أعلن 71 بالمئة منهم أنّهم لم يعودوا يثقون بإدارة Trump في صون المصالح الإسرائيلية خلال مفاوضات ما بعد الاتفاق.
{{MEDIA}}
وامتدّ القلق إلى داخل الحكومة الإسرائيلية ذاتها. فبينما لم يُعلّق Netanyahu علناً على بنود مذكّرة التفاهم حتى الآن، فإنّ استمرار الهجمات الإسرائيلية على لبنان والاتهامات الموجّهة لحزب الله بانتهاك بنود الاتفاق تُوحي بأنّه لا يرى نفسه ملزماً به. وكان أعضاءٌ آخرون في حكومته أكثر صراحةً، إذ أعلن وزير المالية المتطرّف Bezalel Smotrich ووزير الأمن القومي Itamar Ben-Gvir رفضهما العلني للاتفاق المرحلي.
وكتب Ben-Gvir في منشورٍ على منصة X أُفضى لاحقاً بسبب انتهاكه سياسات المنصة قائلاً: "مع كامل الاحترام للأمريكيين، يجب على إسرائيل أن تُوضح للعالم أجمع أنّ دماء أبنائنا وأمن مواطنينا ليست رهينةً للتنازل. يجب أن يحترق لبنان كلّه."
"قنابل الحقيقة"
في المقابل، لم يُخفِ المسؤولون الأمريكيون انزعاجهم من حدّة الخطاب الإسرائيلي. ففي قمّة G7 يوم الأربعاء، قال Trump للصحفيين إنّ Netanyahu "انفعل قليلاً" في هجماته على لبنان. أمّا نائب الرئيس JD Vance، فقد ذهب أبعد من ذلك في ردّه على المنتقدين الإسرائيليين؛ إذ سُئل يوم الخميس عن تقاريرٍ تفيد بأنّ Netanyahu يغلي غضباً من مذكّرة التفاهم، فأجاب بأنّ Trump "هو الزعيم الوحيد في العالم بأسره الذي يتعاطف مع إسرائيل في هذه اللحظة"، في إشارةٍ إلى الإدانة الدولية الواسعة للحرب الإسرائيلية على غزة والهجمات على الدول المجاورة.
وأضاف Vance: "لو كنتُ في مجلس الوزراء الإسرائيلي، لما كنتُ أهاجم الحليف القوي الوحيد المتبقّي لي في العالم كلّه."
و وصف المحلّل السياسي Ori Goldberg الوضع بأنّه ليس خلافاً عابراً بل "شرخٌ حقيقي"، مؤكّداً: "الانتقادات الأمريكية لإسرائيل لم تنبع من استنارةٍ مفاجئة، بل لأنّ الوقائع باتت لا يمكن تجاهلها. كلّ ما يقولونه صحيح. هذه قنابل حقيقة. إسرائيل جرّتهم إلى حرب، وNetanyahu تلاعب بـ Trump."
ويزداد المشهد تعقيداً يوماً بعد يوم. فيوم السبت، أفضت الهجمات الإسرائيلية المتواصلة على لبنان إلى إغلاق إيران مجدّداً مضيق هرمز، البوّابة الاقتصادية التي يرى كثيرون أنّ إغلاقها السابق كان العامل الحاسم الذي دفع Trump إلى طاولة التفاوض أصلاً.
وخلص Alon Pinkas، السفير الإسرائيلي السابق والقنصل العام في New York، إلى قراءةٍ مزدوجة في المشهد: "ثمّة أمران يجريان في آنٍ واحد، وكلٌّ منهما مرآةٌ للآخر. من جهة، هناك أتباع Trump المتعصّبون الذين يبحثون يائسين عن كبش فداءٍ خارجي يلوموه على جرّ زعيمهم العظيم إلى هذه الحرب المستعصية، فيقعون على Netanyahu. ومن جهةٍ أخرى، هناك أتباع Netanyahu أنفسهم، الذين يجدون أنفسهم أمام حربٍ في لبنان لا مخرج منها، وأمام اتفاقٍ أمريكي مع إيران التي يُقال لهم مراراً إنّها باتت أقوى بكثير ممّا كانت عليه حين قبلت باتفاقٍ أفضل في عهد Obama."
وختم Pinkas بجملةٍ تختصر المشهد: "في نهاية المطاف، هو اتفاقٌ سيّئ لأنّها كانت حرباً سيّئة. والأول دائماً يتبع الثانية."
أخبار ذات صلة

إسرائيل تشنّ حرباً على إيران، لكن نتنياهو قد يكون الخاسر الأكبر

نتنياهو وقصف إيران: هل كان حقاً تحدياً لترامب؟

الولايات المتحدة تصنّف BYD وعلي بابا كـ"شركات عسكرية صينية"
