توتّرات جديدة بين ترامب ونتنياهو وتأثيرها على السلام
تصدّع العلاقة بين نتنياهو وترامب يشعل الأضواء على التوترات السياسية في الشرق الأوسط. هل هي أزمة حقيقية أم مجرد مسرحية؟ اكتشف كيف تؤثر المصالح المتعارضة على مستقبل السلام بين إسرائيل وإيران في خَبَرَيْن.

تصدّعٌ في العلاقة أم مسرحيةٌ سياسية؟ هذا هو السؤال الذي يطرحه المحلّلون اليوم وهم يرصدون التوتّرات المتصاعدة بين رئيس الوزراء الإسرائيلي Benjamin Netanyahu والرئيس الأمريكي Donald Trump، في أعقاب آخر جولةٍ من التصعيد العسكري بين إسرائيل وإيران.
العلاقة بين الرجلين كانت تبدو راسخةً حتى وقتٍ قريب. وصف Netanyahu ذات مرّة Trump بأنّه "أعظم صديقٍ لإسرائيل في البيت الأبيض"، فيما ردّ Trump بمجاملاتٍ مماثلة. وخلال زيارةٍ لإسرائيل عام 2025، قال Trump مازحاً: "إنّه ليس سهلاً ليس أسهل شخصٍ تتعامل معه لكنّ ذلك هو ما يجعله عظيماً."
لكنّ Trump لم يعد يمزح. فقد نقلت تقاريرُ الأسبوع الماضي أنّه وصف Netanyahu خلال مكالمةٍ هاتفية بعبارةٍ بذيئة، واتّهمه بتقويض الدبلوماسية الأمريكية، ومحذّراً من أنّ التصعيد العسكري الإسرائيلي يهدّد بتعطيل مفاوضات السلام مع إيران.
الشرارة التي كشفت الخلاف
تجلّى التوتّر للعلن حين أطلقت إيران وابلاً من الصواريخ باتّجاه شمال إسرائيل يوم الأحد، وذلك رداً على ضربةٍ إسرائيلية استهدفت الضاحية الجنوبية لبيروت في 7 يونيو على الرغم من تطمينات أمريكية قُدِّمت قبل أيامٍ قليلة بأنّ ذلك لن يحدث. جاء الهجوم الإيراني هذا هو الأوّل منذ هشاشة وقف إطلاق النار الذي توسّطت فيه باكستان قبل نحو شهرين، وكاد أن يُطيح بأشهرٍ من المفاوضات الدقيقة.
وحين سُئل Trump عن احتمال موافقة Netanyahu على اتّفاقية سلامٍ محتملة مع إيران، قال لصحيفة Financial Times: "لن يكون أمامه خيار. أنا من يتّخذ القرارات. أنا من يتّخذ جميع القرارات. هو لا يتّخذ القرارات."
توقّفت الضربات المتبادلة بين إيران وإسرائيل منذ ذلك الحين، لكنّ المواجهة أفضت إلى وضعٍ بالغ الحرج لـ Netanyahu؛ إذ يجد نفسه محاصراً بين ضغوط واشنطن لتهدئة الأوضاع من جهة، ومطالب وزراء اليمين المتطرّف في حكومته بمواصلة الحرب على إيران ولبنان حتى دون غطاءٍ أمريكي من جهةٍ أخرى. ويرى المحلّلون أنّ هذا الوضع لا يمكن أن يستمرّ طويلاً.
جوهر الخلاف الأمريكي-الإسرائيلي
في نهاية المطاف، يقول المراقبون إنّ الرجلين يتحرّكان وفق مصالح سياسيةٍ متعارضة. الحرب مع إيران غير شعبيةٍ في الداخل الأمريكي، ما يدفع Trump نحو إبرام اتّفاقٍ ينهيها. أمّا Netanyahu فقد يجني مكاسب سياسيةً داخلية من استمرارها.
والواقع أنّ الأهداف بدأت تتباعد منذ اللحظة التي أطلق فيها Trump وNetanyahu معاً ضرباتٍ صاروخية على إيران في أواخر فبراير. فقد روّجت القيادة الإسرائيلية لفرضيّة انتصارٍ سريع يُضعف الحكومة الإيرانية أو يُطيح بها، ويشلّ برنامجيها النووي والصاروخي. غير أنّ الوقائع جاءت مختلفة.
قال Yossi Mekelberg، المحلّل المتخصّص في شؤون الشرق الأوسط في Chatham House، إنّ الافتراضات التي قامت عليها الحملة انهارت سريعاً. وأضاف : "الحرب لم تسر كما أرادوا. الإخفاق الأكبر كان في الافتراض بأنّها ستكون سهلةً وسريعة وستحقّق أهدافها. ظنّوا أنّها ستُفضي إلى تغيير النظام، وأنّ ذلك سيُنهي البرنامج النووي والصاروخي الإيراني. وهذا كان فشلاً ذريعاً بكلّ وضوح."
للصراع أيضاً تداعياتٌ اقتصادية تمسّ مصالح Trump الداخلية مباشرةً. حين أغلقت إيران فعلياً مضيق هرمز الممرّ الذي يعبر منه خُمس إمدادات النفط والغاز الطبيعي المسال (LNG) في العالم في أوقات السلم اضطربت أسواق الطاقة العالمية وارتفعت أسعار النفط بشكلٍ حادّ.
وأشار Mekelberg إلى أنّ واشنطن بدت غير مستعدّة لسيناريو كان كثيرٌ من المحلّلين يعدّونه أمراً محتوماً. وقال: "الولايات المتحدة لم تبدُ أنّها فكّرت باستراتيجيةٍ في كيفية إبقاء مضيق هرمز مفتوحاً. هذا يكشف عجزاً في التفكير الاستراتيجي لدى هذه الإدارة."
مع ارتفاع أسعار الوقود واقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس في نوفمبر، وفي ظلّ استعداد الولايات المتحدة لاستضافة كأس العالم لكرة القدم، لا يبدو أنّ Trump يملك ترفاً التورّط في أزمةٍ شرق أوسطية مطوّلة.
ويرى Mekelberg أنّ علاقة Trump بـ Netanyahu تظلّ في جوهرها مصلحيةً بحتة، بعيداً عن أيّ روابط راسخة. وقال: "Trump شخصٌ أنانيٌّ ومنشغلٌ بذاته. العلاقة مبنيّةٌ على الصفقة. تستمرّ ما دامت الصفقة مجديةً، وحين تتوقّف عن الإفادة كما نرى مع Trump تنتهي الصداقة. 'أنا صديقك' حتى لا يعود ذلك في مصلحته. والمشكلة الأعمق أنّهم زعزعوا استقرار الشرق الأوسط، وبات كلٌّ منهم يسعى لمصالحه الخاصة، فيتصادمان بطريقةٍ غير متكافئة."
ما حجم النفوذ الأمريكي على إسرائيل؟
مع تصاعد عزلة إسرائيل دولياً جرّاء تصرّفاتها في غزة والضفة الغربية وسائر المنطقة، تبقى الولايات المتحدة حليفها الدبلوماسي الأهمّ ومورّدها العسكري الرئيسي وداعمها المالي الأوّل. وقد اكتسب هذا الدور أهمّيةً متزايدة مع تراجع الحلفاء الأوروبيين التقليديين عن دعم حكومة Netanyahu.
تُقدّم واشنطن لإسرائيل ما لا يقلّ عن 3.8 مليار دولار سنوياً بموجب اتّفاقية مساعداتٍ عسكرية تمتدّ عشر سنوات (2019-2028)، منها 3.3 مليار دولار عبر برنامج التمويل العسكري الأجنبي، و500 مليون دولار لبرامج الدفاع الصاروخي المشتركة. وكشف تحقيقٌ أجري مؤخّراً أنّ 42% من الأسلحة التي تدخل إسرائيل مصدرها الولايات المتحدة.
قال الصحفي والكاتب الإسرائيلي Gideon Levy إنّ هذا الاعتماد يُضيّق هامش المناورة أمام Netanyahu. وأضاف: "إسرائيل ليست في وضعٍ يسمح لها برفض Trump، وNetanyahu ليس في وضعٍ يسمح له بذلك. الاعتماد الإسرائيلي على الولايات المتحدة الآن بلغ مستوىً غير مسبوق، وإسرائيل لا تستطيع مواجهة إيران دون الولايات المتحدة. الواقع على أرض الحقيقة هو أنّ مهما قال Trump لـ Netanyahu، فسيتعيّن عليه الامتثال تماماً كما صاغه Trump."
أين يقف Netanyahu؟
سعي Trump نحو وقف إطلاق النار يصطدم بطموحات Netanyahu الداخلية. فالحرب مع إيران تحظى بشعبيةٍ واسعة في إسرائيل، حيث يبقى الدعم الشعبي للعمليات العسكرية طاغياً.
أشار Levy إلى أنّ استطلاعات الرأي تُظهر دعماً للهجوم على إيران يبلغ نحو 93%. وقال: "تاريخياً في إسرائيل، من الأسهل بكثيرٍ تحقيق توافقٍ واسع بشنّ حربٍ جديدة بدلاً من أيّ اتّفاقٍ دبلوماسي."
مع اقتراب موعد الانتخابات قبل نهاية أكتوبر، يرى بعض المحلّلين أنّ استمرار المواجهة يخدم مصالح Netanyahu السياسية. المشكلة أنّ واشنطن تبدو أكثر التزاماً بالمسار الدبلوماسي مع طهران.
المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران تجري بصورةٍ غير مباشرة عبر وسطاء باكستانيين، ودون أيّ مشاركةٍ إسرائيلية. وتشير التقارير إلى أنّ أيّ اتّفاقٍ مستقبلي سيُبقي على الحكومة الإيرانية ويسمح ببرنامجٍ نووي مقيّد ومستمرّ. كما طالبت طهران بأن يتضمّن أيّ اتّفاقٍ منع إسرائيل من شنّ عملياتٍ عسكرية مستقبلية ضدّ حزب الله في لبنان وهو ما يعني أنّ أيّ ضربةٍ إسرائيلية على بيروت قد تستدعي رداً إيرانياً دون ضمانٍ بدعمٍ أمريكي، وهو سيناريو لن يرحّب به Netanyahu.
قال Levy: "Netanyahu في مأزقٍ حقيقي. كان مشروع حياته هو إيران، والإيمان بأنّ إيران يمكن هزيمتها بالقوة. وقد ثبت خطأ ذلك في الجولتين الأخيرتين مع إيران."
اتّفاقٌ بين الولايات المتحدة وإيران يحظر على إسرائيل أيّ عملٍ عسكري في لبنان سيُلحق ضرراً بالصورة التي عمل Netanyahu على بنائها بعناية حول التفوّق العسكري الإسرائيلي، فضلاً عن تعميق الانقسامات داخل ائتلافه الحكومي الهشّ. وتلك التوتّرات باتت تطفو على السطح بالفعل.
وفيما يُفيد بأنّ Netanyahu حثّ وزراءه على تجنّب أيّ مواجهاتٍ علنية مع واشنطن، أعلن وزير دفاعه أنّ الأهداف العسكرية الإسرائيلية ستتواصل بصرف النظر عن تصريحات Trump. وحذّر وزير الأمن القومي اليميني المتطرّف Itamar Ben-Gvir الذي تعتمد حكومة Netanyahu على دعمه للبقاء في السلطة من أنّ إسرائيل يجب أن ترسم حدوداً واضحة مع واشنطن، قائلاً: "يجب أن نوضح لـ Trump أنّ لدينا خطوطاً حمراء، وإذا تعرّضنا لهجومٍ من لبنان أو من إيران، فهذا خطٌّ أحمر، ويجب أن نردّ."
كذلك وفّر الصراع استراحةً من محاكمة Netanyahu بتهمة الفساد التي تمتدّ في عامها السادس، فيما يتربّص به مذكّرة توقيفٍ صادرة عن المحكمة الجنائية الدولية (ICC) بسبب أعمال إسرائيل في غزة. وهذا يعني أنّ خسارة السلطة قد تُعرّضه لاضطراباتٍ قانونية غير مسبوقة. ويرى المحلّلون أنّ البقاء في الحكم قد يكون الهدف العسكري الأوّل لرئيس الوزراء الإسرائيلي، ما يجعله يسير على حبلٍ متزايد الضيق.
انشقاقٌ حقيقي أم مسرحيةٌ سياسية؟
كثيرٌ من المحلّلين يشكّكون في أن يمثّل الخلاف الظاهر بين إسرائيل والولايات المتحدة أيّ تحوّلٍ جوهري في طبيعة العلاقة بين البلدين.
رأت Phyllis Bennis، الباحثة في Institute for Policy Studies في واشنطن العاصمة والمستشارة الدولية لمجموعة Jewish Voice for Peace، أنّ انتقادات Trump لم تُقابَل بأيّ إجراءاتٍ فعلية. وقالت: "الكلمات قد تكون ذات معنىً لو رافقتها أفعال. ما نراه الآن هو مجموعةٌ من الكلمات 'كن حذراً؛ قد تجد نفسك تتصرّف منفرداً' لا تسندها أيّ أفعال."
وأشارت Bennis إلى أنّ واشنطن لا تزال تُقدّم مليارات الدولارات من المساعدات العسكرية، وتحمي إسرائيل من المساءلة أمام محكمة العدل الدولية (ICJ) والمحكمة الجنائية الدولية (ICC)، وتواصل تدفّق الأسلحة إليها.
وقارنت Bennis نهج Trump بنهج الرئيس الأمريكي السابق Joe Biden في المراحل الأولى من الحرب الإسرائيلية على غزة، حيث كانت القيادة تقول "أرجوكم أوقفوا قتل الفلسطينيين" بينما تواصل إمداد إسرائيل بالأسلحة والتمويل. وخلصت إلى أنّ "الكلمات وحدها لا تعني الكثير."
أخبار ذات صلة

الولايات المتحدة تصنّف BYD وعلي بابا كـ"شركات عسكرية صينية"

لبنان: حيث انهار اتفاق وقف إطلاق النار بين إيران والحرب

الضربات المتبادلة بين إيران وإسرائيل: هل انتهت الهدنة؟
