خَبَرَيْن logo

تونس بين أزمة الخدمات وضغوط التحول السياسي

تونس تواجه أزمة مركبة بين تراجع الخدمات العامة واحتقان شعبي متصاعد وسط تدهور التحول الديمقراطي وضغوط اقتصادية خانقة. كيف تؤثر هذه التحديات على مستقبل البلاد واستقرارها السياسي؟ اكتشف التفاصيل في خَبَرَيْن.

محتجون تونسيون يرفعون العلم الوطني وسط تظاهرات ضد الأوضاع الاقتصادية والسياسية المتدهورة في تونس.
تجمع الناس للاحتجاج على الرئيس التونسي قيس سعيد خلال مظاهرة بمناسبة مرور خمس سنوات على تعليقه للبرلمان وتوليه السلطات الطارئة، على طول شارع الحبيب بورقيبة في تونس، في 25 يوليو 2026. [وكالة فرانس برس]
التصنيف:سياسة
شارك الخبر:
FacebookTwitterLinkedInEmail

تُلقي التقارير والشائعات المتداولة حول تراجع صحة الرئيس قيس سعيّد بظلالها على مفهومٍ سياسي كلاسيكي راسخ، مفاده أنّ الحالة الجسدية للزعيم تنعكس عميقاً على «جسد» الدولة السياسي. وللمرة الأولى منذ عام 2011، تبدو تونس وكأنّها تعيش مناخاً مزدوجاً من الضائقة الوطنية والتحوّل السياسي في آنٍ معاً.

ويتضاعف هذا القلق بفعل عاملَين يسيران جنباً إلى جنب: أوّلهما انهيار الخدمات العامة، إذ خلّفت انقطاعات المياه والكهرباء في خضمّ موجات الحرّ الصيفية ضغطاً اجتماعياً واقتصادياً حاداً تحوّل إلى مناخٍ أشمل من الاحتجاج السياسي. وثانيهما تفكّك مسيرة التحوّل الديمقراطي الهشّة التي كانت تونس قد انطلقت فيها.

فكيف تشكّل القيود الهيكلية والجمود المؤسسي أساس الأزمة التونسية الراهنة؟

«يوليو السخط»

دأب شهر يناير، أبرد أشهر تونس، على أن يكون موعداً للتحوّلات السياسية المصيرية وموجات الاحتجاج الطلابي والعمالي ومسيرات الحقوق المدنية. فأحداث يناير 1980 أضعفت قبضة الحبيب بورقيبة على السلطة، فيما أطاحت احتجاجات يناير 2011 بالديكتاتور زين العابدين بن علي. وها هي تلك الطاقة المدنية تعود إلى الواجهة في «يوليو ساخن»، وسط حرارةٍ قياسية وتحرّكاتٍ في الشوارع واحتقانٍ شعبي متصاعد امتدّ على مدى الأسبوعَين الماضيَين.

وللمرة الأولى، يرفع المحتجّون لافتات «Dégage!»، مطالبين سعيّد بالرحيل.

وقد أسهم انخفاضٌ طارئ في درجات الحرارة في تخفيف وطأة الحرّ الصيفي، غير أنّه لم يُخفّف شيئاً من الضغوط التي تُذكي غضب الشارع. ففي بعض المناطق، امتدّت انقطاعات المياه والكهرباء لأسبوعَين متواصلَين، ممّا زاد من معاناة الأسر التي تئنّ أصلاً تحت وطأة أزمةٍ اقتصادية حادة. وتأتي هذه الانقطاعات في أعقاب موجة احتجاجات واسعة في أواخر عام 2025 على خلفية التلوّث السامّ الناجم عن مصنع لمعالجة الفوسفات في مدينة قابس الساحلية جنوب شرق البلاد.

وكانت البرلمانات المتعاقبة في مرحلة ما بعد الثورة قد ناقشت إشكاليات شبكة الكهرباء المتهالكة وفواتير الطاقة المرتفعة وترشيد المياه والتحوّل نحو الطاقة المتجدّدة. وقد فتح قانون الطاقة الذي أقرّه البرلمان عام 2015 الباب أمام منتجي الطاقة من القطاع الخاص، مع تركيزٍ خاصّ على تقنيات الطاقة المتجدّدة. وفي عام 2022، كان ثمّة مشروعٌ لإنتاج الهيدروجين الأخضر وتصديره.

بيد أنّ التخطيط للاحتياجات المستقبلية لن يُعالج الأزمة الراهنة في المدى المنظور. فالطاقة المتجدّدة لا تزال محدودة الحضور، وشركة الكهرباء والغاز المملوكة للدولة (STEG) عاجزةٌ عن مواكبة نموٍّ سنوي يتجاوز 4 بالمئة في استهلاك الطاقة، فضلاً عن تلبية الطلب في ذروة الصيف.

ولم تُطبَّق بعد أحكام قانون الطاقة الصادر عام 2015 الذي فتح الباب أمام منتجي الطاقة من القطاع الخاص. وتحتاج مخطّطات الامتياز والترخيص الرامية إلى توسيع الفرص أمام مطوّري الطاقة إلى تسريعٍ عاجل، ولا سيّما مشاريع المحطات التي تتراوح طاقتها بين 50 و100 ميغاواط في القصرين وتوزر وسيدي بوزيد وغيرها من المناطق.

كذلك يُطرح على الأفق توسيعُ نطاق المخطّط الشمسي التونسي (PST) عبر تقنيات الألواح الكهروضوئية الصينية. ومع ذلك، يبقى هدف تقليص الاعتماد على الوقود الأحفوري المستورد الذي يأتي أكثر من نصفه من الغاز الجزائري ورفع حصة الطاقة المتجدّدة إلى ثلث مزيج الطاقة، على بُعد سنواتٍ عدّة.

وتعاني الشركات المملوكة للدولة في تونس من أعباء ديونٍ هائلة منذ تسعينيات القرن الماضي، جرّاء سوء الإدارة. وقد رصد تقريرٌ صادر في يناير 2026 عن هيئة المحاسبة التونسية خسائر مالية فادحة بلغت 300 مليون دينار (ما يعادل 101 مليون دولار) موزّعةً على سلطات الموانئ وشركة الخطوط التونسية (Tunisair). ويُرجَّح أن يكون دين STEG أضخم من ذلك، ويُعزى ذلك جزئياً إلى الدعم الحكومي للكهرباء وإلى اختلالاتٍ إدارية أوسع. وينطبق الوضع ذاته على الشركة الوطنية لاستغلال وتوزيع المياه (SONEDE) التي تبيع المياه بأسعارٍ تحدّدها الحكومة. وتُقدَّر الديون المجمّعة لهذه الشركات بما يعادل ثلث الناتج المحلي الإجمالي للبلاد.

خلاصة القول، إنّ الضعف الهيكلي للاقتصاد التونسي يُكبّل النموّ ويحدّ من قدرة الدولة على توفير الخدمات الأساسية بصورةٍ منتظمة. فزيت الزيتون والتمور والفوسفات الخام التي تشكّل عماد الاقتصاد الوطني تُدرّ قيمةً مضافةً محدودة قياساً بالصناعات التقنية المتقدّمة أو الخدمات المعقّدة. فضلاً عن ذلك، تتذبذب تحويلات المغتربين والمساعدات الخارجية تبعاً للصدمات الاقتصادية العالمية أو الحسابات السياسية للجهات المانحة، لا وفق أداء السوق الداخلية.

وتعليق سعيّد لقروض صندوق النقد الدولي باسم السيادة الوطنية مبدأٌ مشروع في عالمٍ مثالي. غير أنّ في واقع التنمية الرأسمالية، يتعثّر تمويل البرامج الاجتماعية الأساسية حين تعتمد الحكومة كلياً على الاقتراض الداخلي ومساعداتٍ محدودة من الحلفاء العرب والغربيين، في ظلّ عزلةٍ سياسية وإقصاءٍ للشركاء المعارضين.

الجمود المؤسسي وتشرذم الجسم السياسي

تتراكم القيود الهيكلية فوق طبقةٍ من الجمود المؤسسي.

فانقلاب سعيّد في 25 يوليو 2021، واستيلاؤه على صلاحياتٍ استثنائية وتفكيكه لضمانات ديمقراطية جوهرية، قد أجهض عملياً مسيرة الانتقال الديمقراطي التونسية. بيد أنّ إخفاقه في تحقيق تحسيناتٍ ملموسة في حياة المواطنين على المدى البعيد قد استنزف رصيده على أكثر من صعيد.

ثمّة تحفّظٌ جوهري ينبغي الإشارة إليه هنا: لا يجب الخلط بين معارضة سعيّد والتأييد للمنظومة السياسية التي سبقت عام 2021. فمن أيّدوا انقلابه في البداية فعلوا ذلك لأسبابٍ متعدّدة: الركود الاقتصادي، وتشرذم المشهد السياسي وانغماسه في الصراعات الداخلية، والفساد والعجز والشلل الذي اعترى النخب الحاكمة القديمة. وكان من بين المؤيّدين سياسيون بارزون وبرلمانيون وقيادات نقابية وناشطون مناهضون لحركة النهضة وناشطاتٌ نسويات وإعلاميون، بين من آثروا الصمت ومن صفّقوا لذلك الانقلاب.

لكنّ المزاج الشعبي تبدّل تبدّلاً لافتاً. فكثيرٌ من السياسيين أنفسهم الذين منحوا الانقلابَ غطاءً أخلاقياً يطالبون اليوم الناسَ بالنزول إلى الشوارع واستعادة «الجمهورية» وإسقاط سعيّد.

وبالنسبة لشعبٍ اعتاد منذ الاستقلال على المقايضة بين الحريات والخبز، فإنّ الاحتجاج اليوم يعني استعادة قدرٍ من الكرامة وتحقيق التنمية الإقليمية والمطالبة بـ«حقّ امتلاك الحقوق» في صورته الأبسط، بما في ذلك الحقّ في بيئةٍ غير ملوّثة وفي مياهٍ نظيفة وكهرباء متواصلة.

وممّا زاد الأمر تعقيداً الاتصالُ الرسمي المضطرب والخطاب التهرّبي إزاء صحة الرئيس، في وقتٍ تتمركز فيه السلطة السياسية في يد الرئاسة. وقد أفضى ذلك إلى ثلاث تداعيات: أوّلها، وقبل كلّ شيء، تآكلُ الثقة العامة في رئاسة سعيّد، ولا سيّما في أوساط شريحةٍ من المواطنين كانت تمنحه حتى الآن هامشاً من حسن الظنّ. وثانيها، تعميقُ حالة الشلل الناجمة عن ضعف الشرعية الأدائية. وثالثها، توليدُ مناخٍ من التكهّنات والاستقطاب.

في هذا السياق، يُلقي السجلّ الحقوقي المتردّي بظلاله على سمعة سعيّد وعلى صورة تونس في آنٍ واحد. وتتصاعد المخاوف من أن تُفضي الأوضاع المزرية في سجن المرناقية إلى وفاة قياداتٍ معارضة بارزة أو تدهورٍ حادّ في صحّتها، ومن بينهم زعيم حركة النهضة راشد الغنوشي والسياسي العلماني ذو التوجّه اليساري الوسطي أحمد نجيب الشابّي، المؤسّس المشارك لجبهة الخلاص الوطني. وهؤلاء جميعاً ينبغي الإفراج عنهم.

تونس: إلى أين؟

تُتيح الأزمة ذاتها لسعيّد فرصةً لرأب الصدوع المتعدّدة في الجسم السياسي التونسي. غير أنّ السؤال يبقى مفتوحاً: هل يستطيع كسب الوقت لردم الهوّات السياسية، وتحويل البوصلة من الاستقطاب الأيديولوجي نحو إصلاحاتٍ اقتصادية عاجلة، وإطلاق حوارٍ وطني جامع ومسار مصالحة، واستعادة الحكم الديمقراطي؟ يظلّ ذلك كلّه من مجاهيل المرحلة التاريخية الراهنة.

ومهما يكن مآل الأمور في تونس، مع سعيّد أو من دونه، فإنّ إصلاحاً تقوده التونسيات والتونسيون أنفسهم يُجسّد مساراً أكثر استقلاليةً من أيّ تدخّلٍ تقوده الاتحاد الأوروبي أو الولايات المتحدة. وينبغي أن يُعقَب الإفراجُ الأخير عن مئات السجناء بعفوٍ شامل عن سجناء الرأي.

وتكتسب هذه المعادلة الداخلية أهميةً مضاعفة في ظلّ تنامي شبح التدخّل الخارجي. ويقول مبدأٌ سياسي راسخ إنّ على القادة الوطنيين سدّ المنافذ التي قد تستغلّها القوى الأجنبية لتغيير الأنظمة قبل أن تُفتح. وعضو الكونغرس الأمريكي Joe Wilson من ولاية ساوث كارولاينا، الذي يترأس اللجنة الفرعية لشؤون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في مجلس النواب وهو من المؤيّدين الحماسيين لإسرائيل والمشارك في رئاسة تجمّع الجمهوريين لدعم إسرائيل، يضع سعيّد في مرمى بصره.

فقانون استعادة الديمقراطية في تونس الذي قدّمه Wilson بالاشتراك مع عضو الكونغرس Jason Crow في مطلع سبتمبر 2025، يتضمّن الوصفة المعتادة من عقوباتٍ مقيّدة على النخب الحاكمة وتقليصٍ للمساعدات، وهي إجراءاتٌ تضرّ الفئات الأكثر هشاشةً وتتدخّل في الشؤون السيادية، أياً كان المعنى الذي يحمله مفهوم السيادة في جيوسياسة اليوم.

وبدلاً من أن تكون الديمقراطية المستدامة بمثابة «النفط» التونسي ومحرّك التنمية والثروة في بلدٍ يفتقر إلى الموارد النفطية، باتت أزمة الطاقة والنزعة الاستبدادية تُهدّدان بدفع البلاد نحو دوّامةٍ من الغموض والاضطراب الاجتماعي.

وتستحضر الضبابية المحيطة بصحة سعيّد المفهوم السياسي الوسيط المعروف بـ«جسدَي الملك». وما إذا كانت مؤسسات تونس قادرةً على صون الجسد السياسي الخالد إن اضطرّت أحوال سعيّد الصحية إلى انتقال السلطة، يبقى رهيناً بما ستكشفه الأيام المقبلة.

أخبار ذات صلة

Loading...
جياني إنفانتينو رئيس FIFA يتحدث في مؤتمر صحفي مع كأس العالم وكرة قدم، وسط جدل حول قيادته وتحويل FIFA إلى نموذج تجاري.

رئيس الوزراء أندي بيرنهام يطالب برحيل جياني إنفانتينو عن رئاسة الفيفا واصفاً إياه بالرجل غير المناسب

تتصاعد أزمة قيادة FIFA مع معارضة قارية لخطط إنفانتينو التجارية التي تهدد نزاهة كرة القدم العالمية. اكتشف تفاصيل الصراع وتأثيره على مستقبل الرياضة الآن.
سياسة
Loading...
اجتماع مجلس الأمن الدولي في مقر الأمم المتحدة بنيويورك لمناقشة اختيار الأمين العام الجديد وسط تحديات دولية معقدة.

البحث عن الأمين العام الجديد وسط تصاعد التحديات الدولية

تتصدر ريبيكا جرينسبان السباق لتولي منصب الأمين العام للأمم المتحدة وسط تحديات عالمية معقدة. تعرف على أبرز المرشحين وكيف ستؤثر قيادتهم على مستقبل المنظمة. تابع التفاصيل الآن!
سياسة
Loading...
أوزغور أوزيل زعيم المعارضة التركية السابق يلوح بيده أمام حشد مؤيدين في تجمع سياسي وسط رفع أعلام تركيا، في سياق تأسيس حزبه الجديد لمواجهة حزب الشعب الجمهوري وحكم أردوغان.

حزب جديد في الأفق: زعيم المعارضة التركية المخلوع يُعيد حساباته

أوزغور أوزيل يعلن تأسيس حزب جديد في مواجهة قمع أردوغان، ما يهدد وحدة المعارضة التركية. هل يشكل هذا الانشقاق فرصة أم يعزز حكم أردوغان؟ اكتشف التفاصيل وكن جزءاً من المشهد السياسي الجديد.
سياسة
Loading...
محمد باقر قاليباف يتحدث في مؤتمر صحفي، معبراً عن دعم إيران لفوز إسبانيا في كأس العالم ومواقفها السياسية ضد العدوان الإسرائيلي.

إيران: فوز إسبانيا بكأس العالم يجلب الفرح لمنتقدي أمريكا وإسرائيل

فوز إسبانيا بكأس العالم لم يكن مجرد انتصار رياضي بل رسالة سياسية عالمية ضد الاحتلال والدعم الأمريكي الإسرائيلي، اكتشف كيف تحولت الملاعب إلى ساحات تأثير جيوسياسي لا تفوت التفاصيل!
سياسة
الرئيسيةأخبارسياسةأعمالرياضةالعالمتكنولوجيااقتصادصحةتسلية