معاناة النازحين في الجنينة وأمل البقاء
في كلية الطب بالجنينة، تحكي زينب عن فقدان أطفالها في غارة، بينما تعاني العائلات النازحة من نقص حاد في الغذاء والرعاية الصحية. تعكس قصتها مأساة الحرب وتحديات الحياة اليومية في ظل الأزمات الإنسانية. خَبَرَيْن.

في إحدى قاعات كلية الطب بجامعة الجنينة، حيث تحوّلت الأروقة الأكاديمية إلى ملاجئ للنازحين القادمين من أرجاء السودان، تجلس زينب التي آثرت عدم الإفصاح عن اسمها الكامل وفي حضنها اثنان من أطفالها الثلاثة الذين نجوا.
كانت أمّاً لستة أطفال. ثلاثةٌ منهم استشهدوا في ما تصفه بأنّه غارةٌ شنّتها القوات المسلحة السودانية على منزلها في أمدرمان، في 26 يونيو 2024 تلك المدينة الملتصقة بالخرطوم، عاصمة السودان.
تقول زينب بصوتٍ خافت: "استُهدفنا رغم أنّه لم تكن هناك قوات الدعم السريع أو نقاط تفتيش بالقرب منّا. فقدتُ ثلاثة من أطفالي."
كانت زينب تعمل ممرّضةً في أمدرمان، وزوجها ضابطاً في الشرطة. غاب عنها في خضمّ الفوضى التي اجتاحت المدينة حين فرّت منها. بعد مغادرة أمدرمان، لجأت في البداية إلى قاعات الكلية، قبل أن تنتقل إلى كوخٍ صغير شيّدته بيديها في حرم الجامعة.
تصف زينب منزلها بكلماتٍ بسيطة: ركنٌ للطهي فيه قدران، وغرفةٌ صغيرة بمرتبةٍ على الأرض تنام عليها اثنتان من بناتها، وسريرٌ لابنةٍ ثالثة وابنة أختها، فيما تنام هي خارج الكوخ.
"نحن نتوكّل على الله. معي هنا ثلاث بنات يحتجن إلى طعامٍ وملبسٍ وشراب، وكلّ هذا غير متوفّر"، تقول زينب. "جميع الأسر هنا في المخيّم تعاني من المشاكل ذاتها. حتى الآن، لا توجد منظّمة رسمية نعتمد عليها. أحياناً يأتي أناسٌ طيّبون ويعطوننا بعض الأشياء، لكنّها لا تكفي."
لا تزال اثنتان من بنات زينب تحملان آثار الهجوم، إذ تتوضّع شظايا تحت جلدهما. تأمل في تلقّيهما العلاج، لكنّ التكلفة تقف حائلاً.
"أخبرني الطبيب في مستشفى الجنينة التعليمي أنّ كلتيهما تحتاجان إلى جراحةٍ تكلّف ألفَي دولار"، تقول.
الجنينة، عاصمة ولاية غرب دارفور في غرب السودان، تقع حالياً تحت سيطرة قوات الدعم السريع، التي تخوض حرباً أهلية مدمِّرة مع القوات المسلحة السودانية المتمركزة في الخرطوم منذ أبريل 2023.
استولت قوات الدعم السريع على الجنينة في أواخر عام 2023، في أعقاب ما وصفته الأمم المتحدة بأنّه "من أشدّ أعمال العنف فتكاً في هذه الحرب"، ارتكبها مقاتلو قوات الدعم السريع وجماعاتٌ حليفة لها. ووصف مسؤولو الأمم المتحدة ومحقّقو حقوق الإنسان هذه الأعمال، التي استهدفت أبناء قبيلة المساليت غير العربية، بأنّها "ذات دوافع عرقية" وتُشكّل "جرائم محتملة ضدّ الإنسانية".
كانت قوات الدعم السريع تسيطر على أجزاء واسعة من الخرطوم، قبل أن تُطردها القوات المسلحة السودانية من العاصمة في مايو 2025.
وُجِّهت اتهاماتٌ لكلا الطرفَين بارتكاب جرائم بحق المدنيين، وإن كانت قوات الدعم السريع تتصدّر قائمة الاتهامات بسبب أعمالٍ تشمل عمليات القتل الجماعي والعنف الجنسي.
وتُشير التقارير إلى أنّ عدد الشهداء منذ اندلاع الحرب تجاوز 50,000 شهيد.
البقاء رغم المعاناة
على بُعد أقلّ من كيلومترٍ واحد من كلية الطب بالجامعة، تجلس المعلّمة نجوى في منزلها بحيّ النصر. لم تغادر المدينة، رغم ما خسرته من ممتلكاتٍ خلال المعارك.
"قبل الحرب، كانت الحياة كأيّ مكانٍ آخر"، تقول نجوى. "السوق كان مفتوحاً، والبضائع متوفّرة ورخيصة. المؤسّسات الحكومية كانت تعمل، وأطفالنا يدرسون في المدارس. بصراحة، كانت الحياة جيّدة."
"لكن بعد الحرب، عانينا حقاً. فقدنا منازلنا وممتلكاتنا وأرواحاً، بل وظائفنا أيضاً. كنتُ معلّمة، والآن فقدتُ عملي وتوقّف راتبي، والأوضاع ازدادت سوءاً."
ومع ذلك، اختارت البقاء.
"حين يُهجَّر الإنسان، تكون المعاناة أشدّ. البقاء يحفظ ما تبقّى، حتى لو كان قليلاً"، تُفسّر نجوى قرارها.
التحدّيات الإنسانية
تتشعّب التحدّيات في الجنينة على أوجهٍ عدّة. تُشير نجوى إلى ارتفاع أسعار مياه الشرب والمواد الغذائية، وعجز منظّمات الإغاثة عن تلبية احتياجات السكان كافّة في مدينةٍ تحتضن أكثر من 120,000 نازح.
"وصول منظّمات الإغاثة خفّف خمسين بالمئة من المعاناة، لكنّ هذا لا يكفي"، تقول نجوى.
يرزح قطاعا التعليم والصحة تحت وطأة الأزمة أيضاً، إذ تعجز منظّمات الإغاثة عن إعادتهما إلى مستوياتهما السابقة.
"في حالة المرض، إن لم يكن معك مالٌ، فالخيار إمّا الموت أو البقاء مريضاً"، تقول نجوى.
من جهته، أوضح محمد، مسؤولٌ في إحدى المنظّمات الإنسانية الدولية، أنّ الاستجابة الإنسانية في ولاية غرب دارفور تواجه تحدّياتٍ جسيمة. يظلّ تحديد العدد الفعلي لسكّان المدينة أمراً عسيراً، ويُعزى ذلك جزئياً إلى الموجات المتلاحقة من النازحين القادمين من مناطق أخرى، ممّا يُعيق التخطيط الدقيق لعمليات التوزيع وتخصيص الموارد.
وأضاف أنّ شحّ التمويل المخصّص لغرب دارفور جرّاء تقليصات المساعدات الدولية وإخفاق الجهات المعنية في إيصال صورةٍ واضحة وكافية عن حجم الفجوات والاحتياجات إلى المانحين، يُفاقمان من صعوبة الاستجابة.
وهكذا، وعلى الرغم من مرحلةٍ من الهدوء النسبي وإعادة فتح الأسواق والمستشفيات، يواصل سكّان الجنينة مقيمون ونازحون على حدٍّ سواء كفاحهم اليومي في مواجهة واقعٍ لا يرحم.
أخبار ذات صلة

الحكم القضائي يهدّد وضع مليون مهاجرٍ في أمريكا

كندا تتراجع عن حقوق المهاجرين واللاجئين

العودة المتسارعة إلى الجنوب: اللبنانيون يعودون إلى ديارهم المدمّرة بعد التفاهم الأمريكي الإيراني
