مأساة تجنيد البيروفيين في الجيش الروسي
تستعرض القصة المأساوية لوالدة فقدت ابنها الذي انضم للجيش الروسي تحت وعود كاذبة. آلاف البيروفيين يجندون في الحرب، ضحايا إغراءات مالية، بينما عائلاتهم تنتظر أخباراً مقلقة. كيف يمكن أن يحدث هذا؟ تفاصيل مؤلمة على خَبَرَيْن.

في مطلع عام 2026، ودّعت نورما ابنها في مطار العاصمة البيروفية ليما. أخبرها أنّه وجد وظيفةً طاهياً في الجيش الروسي عبر إعلانٍ على وسائل التواصل الاجتماعي، وطمأنها بأنّه سيكون بعيداً عن ميدان المعارك في أوكرانيا، وسيجني مالاً وفيراً، وربّما يحصل على الجنسية الروسية.
ساورها القلق فوراً. ابنها البالغ من العمر 31 عاماً لم يغادر بيرو قطّ من قبل، ولم يمسّ سلاحاً في حياته.
قالت نورما : "أردتُ أن أُقفل عليه باب البيت، لكنّه كان قد حسم أمره." وكانت تفكّر في إبلاغ الشرطة. "قال لي: 'ماما، أرجوكِ افهمي، أنا ذاهبٌ فقط كطاهٍ.' لكنّ قلب الأمّ يعرف، وإلّا ما كنتُ قلقةً بهذا الشكل."
حين أوصلته إلى المطار، لاحظت نورما أنّ ثمّة آخرين ينتظرون الرحلة ذاتها إلى روسيا. حاولت الحديث معهم، فرفضوا.
"طلب منّي ألّا أُحرجه، وأن أثق به، وأنّه ذاهبٌ للعمل فقط"، قالت. "غادر وقلبي محطّم. شيءٌ ما أخبرني أنّ ثمّة خطأً. ودّعتُه، وكانت تلك آخر مرّة رأيتُه فيها."
لم تُخطئ نورما في حدسها. سرعان ما بدأ ابنها يُرسل إليها مقاطع فيديو كشفت الحقيقة: لقد انضمّ إلى صفوف مئات البيروفيين الذين يُزعم أنّ مجنّدين محلّيين وإعلانات على وسائل التواصل الاجتماعي استدرجوهم إلى الجيش الروسي بوعود بوظائف مُغرية، ليجدوا أنفسهم في نهاية المطاف يقاتلون على خطوط المواجهة في أوكرانيا.
بُعيد انضمامه، أرسل الابن لوالدته صوراً تُظهره بزيّ قتالي، يحفر خنادق ويبني مخابئ من خشب الصنوبر مع مقاتلين أجانب آخرين في غابةٍ أوكرانية . وفي المكالمات المتقطّعة التي أجرتها معه، كانت نورما تسمع دويّ الطائرات المسيّرة في الخلفية، فيما كان هو يُطمئنها بأنّها بعيدة.
تلاشت المقاطع تدريجياً مع مطلع أبريل، حين أخبرها ابنها بأنّ قائداً يُعاقبه بسبب تصرّفٍ ما.
"قلتُ له: 'هذا كذب، سيُرسلونك إلى الجبهة.'" تتذكّر نورما. "قال لي: 'اهدئي.' ومنذ ذلك اليوم لم أسمع صوته."
"أتمسّك بخيط أملٍ بأنّه لا يزال هناك في مكانٍ ما، مختبئاً في خندق، لكنّني لا أعرف حقّاً."
"وقودٌ للمدافع"
مع استمرار الحرب الروسية على أوكرانيا، لجأ الجيش الروسي إلى وسائل شتّى لتعزيز صفوفه، من بينها تجنيد مقاتلين أجانب من دول نامية بإغراءات الرواتب المرتفعة والمكافآت السخيّة.
في فبراير الماضي، كشف أنّ رجالاً من دول أفريقية عدّة وجدوا أنفسهم مُجنَّدين في الجيش الروسي بعد أن عُرضت عليهم وظائف مدنية براتب مجزٍ كسائقين أو حرّاس أمن. وأفاد اثنا عشر رجلاً قالوا بأنّهم، فور وصولهم إلى روسيا، أُجبروا على توقيع عقود باللغة الروسية، ونالوا تدريباً لا يُذكر، ثمّ أُلقي بهم في المعارك.
وقد رفعت دولٌ عدّة احتجاجاتٍ صريحة على هذا التجنيد. ففي مارس، توجّه وزير الخارجية الكيني إلى موسكو مطالباً روسيا بوقف تجنيد المواطنين الكينيين، واصفاً هذه القناة التي تُفضي بهم إلى روسيا بأنّها شبكة اتّجار بالبشر. في المقابل، وصفت السفارة الروسية في نيروبي هذه الاتّهامات بأنّها "خطيرة ومُضلِّلة" في بيانٍ أرسلته إلى Deutsche Welle. وبعد أن تطوّع آلاف النيباليين للقتال في صفوف روسيا، أصدرت نيبال حظراً على السفر إلى أوكرانيا أو روسيا لأغراض العمل.
القصص التي يرويها المجنَّدون البيروفيون وذووهم تسير على النهج ذاته. تحدّثت اثنتي عشرة عائلة تتظاهر منذ أسابيع أمام السفارة الروسية في ليما ووزارة الخارجية البيروفية، في انتظار أيّ خبرٍ عن مصير ذويها.
كثيرٌ من هؤلاء الرجال ينحدرون من بيئاتٍ مُعدِمة، ولا يعلمون شيئاً يُذكر عمّا ينتظرهم في روسيا.
وقال بيدرو برافو، مدير مجتمعات بيرو في الخارج بوزارة الخارجية البيروفية: إنّ كثيراً من المجنَّدين "يعانون شُحّ الموارد وحاجةً ماسّة" إلى المال. وأضاف: "ليس لديهم فهمٌ واضح للواقع الدولي، ممّا يجعل خداعهم أمراً أيسر بكثير."
روزا، أمٌّ لثلاثة أبناء طلبت عدم ذكر اسم عائلتها، روت أنّ زوجها البالغ من العمر 48 عاماً سافر إلى روسيا مع عددٍ من البيروفيين، طمعاً في الحصول على وظيفة حارس أمن. كان يعمل حارساً في سجنٍ بليما، لكنّه لم تكن له أيّ خلفية عسكرية قبل أن يُسجّل اسمه عبر مجنِّد محلّي في بيرو.
تم الاطّلاع على رسائل WhatsApp بين زوج روزا ومجنِّدٍ يتحدّث الإسبانية يُعرف بـ"Vizio"، وتُظهر هذه الرسائل أنّه وافق على "الالتحاق بجيش الاتحاد الروسي" بموجب عقدٍ لمدّة عام. وقد أكّد المجنِّد الذي رفض الإدلاء بأيّ تصريح وأبى الإفصاح عن اسمه الحقيقي أنّ زوج روزا سيحظى بتأمينٍ صحّي وتأمين على الحياة، وسيُعاد إلى بيرو إن أُصيب.
تُصرّ روزا على أنّ زوجها لم يكن يعلم أنّه سيُرسَل إلى الحرب.
"لم يُخبروه قطّ بأنّه سيذهب إلى حرب، أو أنّه سيُضطرّ إلى التضحية بحياته، أو أنّه لن يتقاضى أجره. لو علم لما ذهب"، قالت زوجته.
بعد وصوله إلى روسيا، بدت رسائله مطمئنة في البداية، قبل أن تتحوّل إلى شذراتٍ متقطّعة، وكثيراً ما كان يحذفها بُعيد إرسالها.
"قال لي: 'أظنّهم أحضرونا إلى الحرب. هذا جحيم.'" وتصف رسائل أخرى حالاتِ تجويع، وتدريباتٍ عسكرية قاسية، وهجمات متواصلة بالطائرات المسيّرة، وعقوباتٍ تطال المجنَّدين لعدم فهمهم الأوامر الروسية.
في 26 مارس، أخبرها بأنّه سيُنقل مجدّداً وأُمر بجمع أسلحته وأغراضه. "قال لي: 'أحبّكم جميعاً حبّاً عميقاً. ستبقون دائماً في قلبي.'" تتذكّر روزا.
ومنذ ذلك الحين لم تتلقَّ رسالةً واحدة منه. أخبرها بعض رفاقه في الخدمة بأنّه لقي حتفه في ضربةٍ بطائرةٍ مسيّرة، غير أنّها تُصرّ على أنّه لا يزال حيّاً. "أُخذوا إلى هناك كوقودٍ للمدافع، كأنّ حياتهم لا تساوي شيئاً"، قالت روزا وهي تبكي. "لديّ ثلاثة أطفال يبكون ليلاً ونهاراً على أبيهم."
وقد استقطبت هذه القضية اهتمام الحكومة البيروفية، إذ أعلن مكتب المدّعي العام الشهر الماضي فتح تحقيقٍ في عمليات التجنيد الروسية، واصفاً إيّاها بـ"الاتّجار بالبشر."
تتضمّن القضية التحقيق في 36 شكوى من مواطنين بيروفيين يؤكّدون أنّ ذويهم أو أصدقاءهم وقعوا ضحيّةَ خداعٍ "عبر عروض عمل كاذبة في الخارج تحديداً في الاتحاد الروسي بهدف نقلهم خارج البلاد وإخضاعهم للمشاركة القسرية في النزاع المسلّح بين روسيا وأوكرانيا"، وفق ما جاء في الأمر القضائي.
وأفاد برافو من وزارة الخارجية بأنّ الحكومة البيروفية أرسلت ما لا يقلّ عن 247 طلباً منفصلاً إلى موسكو للاستفسار عن وضع المواطنين البيروفيين في الجيش الروسي، مطالبةً بـ"العودة الفورية والآمنة لمواطنينا إلى وطنهم، نظراً لمغادرتهم دون الحصول على التصاريح اللازمة."
في المقابل، أعلنت روسيا أنّها "تحترم احترامًا عميقاً قرار المواطنين الأجانب المشاركة في الدفاع عن السيادة والأمن الروسيَّين.".
وقالت السفارة الروسية في ليما في بيانٍ صادر في أبريل بشأن "مخاوف العائلات البيروفية": "تؤكّد السفارة استعدادها المستمرّ لاتّخاذ جميع التدابير اللازمة للحصول على المعلومات في أقرب وقتٍ ممكن بناءً على الطلبات المقدَّمة رسمياً."
الاتّجار بالبشر أم خطأٌ شخصي؟
يُقدِّر المحامي سالينياس أنّ ما لا يقلّ عن 800 بيروفي يقاتلون حالياً في صفوف روسيا، وقد انضمّ كثيرٌ منهم بإغراء الرواتب المرتفعة.
"السبب الجوهري الذي دفع كثيراً من العائلات إلى اتّخاذ هذا القرار، والرجال إلى السفر إلى روسيا، كان اقتصادياً بحتاً"، قال سالينياس. "مكافأة قدرها 20,000 دولار فور توقيع العقد، ورواتب مُغرية تتراوح بين 3,000 و4,000 دولار."
لكنّ معظمهم لم يتسلّموا ما وُعدوا به، بحسب المحامي. وأكّد عددٌ كبير من ذوي المجنَّدين أنّ أقاربهم في الجيش الروسي عجزوا عن إرسال أيّ أموال إليهم حتّى بعد بدء تقاضي رواتبهم.
وأقرّ سالينياس بأنّ ثمّة قدراً من "المسؤولية الشخصية" يتحمّلها من وقّعوا عقود الخدمة العسكرية، غير أنّه أصرّ على أنّ أغلب البيروفيين الذين يقاتلون في صفوف روسيا "استُدرجوا بالخداع."
"هذا يندرج ضمن الاتّجار بالبشر، وهو قضية حقوق إنسان"، قال سالينياس. "لأنّ البيروفيين استُقدموا بذرائع كاذبة لأداء عمل، وقد يُفضي ذلك في نهاية المطاف إلى موتهم."
وروى جنديٌّ بيروفي يقاتل حالياً في الأراضي الأوكرانية المحتلّة قصّةً مماثلة.
"اتّخذتُ قراري بالمجيء بسبب الوظيفة التي عُرضت عليّ؛ كانت أجراً أفضل ممّا تحصل عليه في بيرو، وقالوا لي إنّني سأعمل حارس أمن في موسكو"، قال غييرمو، جنديٌّ بيروفي سابق من ليما يبلغ من العمر 28 عاماً. (غيّر اسمه حمايةً له من أيّ انتقام.) "مضى على التحاقي ثلاثة أشهر ونصف، وأنا صادقاً أريد العودة إلى بيرو."
أوضح غييرمو أنّه وصديقاً له جرى تجنيدهما على يد Pocho Wilson Pinto Peña، ضابطٌ احتياطي في الجيش البيروفي. وحين وصل إلى روسيا، صادر منه رؤساؤه الجدد هاتفه، و"أجبروه فعلياً" على توقيع عقدٍ باللغة الروسية لم يُسمح له بترجمته.
تم الاطّلاع على نسخةٍ من هذا العقد وعقودٍ أخرى قدّمتها عائلات المجنَّدين؛ وجميعها عقود خدمة عسكرية روسية نمطية لمدّة عام، مماثلة لتلك التي يوقّعها المجنَّدون الأجانب من دول أخرى. (لا يظهر اسم Pinto في أيٍّ من العقود التي تم الاطّلاع عليها .)
نفى Pinto أنّه جنّد بيروفيين للقتال في روسيا، مؤكّداً أنّه اكتفى بإعطاء رقم هاتف مجنِّدٍ بيروفي آخر مقيم في روسيا، رفض الإفصاح عن هويّته. وقال إنّ الرجال الذين التحقوا كانوا يعلمون تماماً أين يذهبون أو كان يجب أن يعلموا.
"أخبرني المجنِّد أنّه يحتاج فقط إلى موظّفين، دون أن يُحدّد لأيّ غرض"، قال Pinto. "لكنّ البلاد في حالة حرب، فمنطقياً، بوصفي رجلاً عسكرياً، كنتُ سأعرف أين يأخذونني."
وأضاف أنّه نبّه الرجال الذين ربطهم بالمجنِّد إلى احتمال إرسالهم إلى الجبهة، وأسدى إليهم نصائح من قبيل: "إن اقتربت طائرةٌ مسيّرة، انبطح أرضاً."
"يُحزنني جداً أن يكون بعض الناس قد كذبوا عليهم"، أضاف Pinto. وأشار إلى أنّه رافق عائلةً مضطربة إلى السفارة الروسية في ليما للاستفسار عن ذويها. وهو على علمٍ بالتحقيق القضائي في عمليات التجنيد بالبيرو، الذي يُشير إلى مجنِّدٍ يُعرف بـ"Pocho"، ويصف توصيف الاتّجار بالبشر بأنّه "سخافة."
"لستُ متورّطاً في أيّ عملية اتّجار بالبشر، أنا رجلٌ شريف"، قال Pinto. "أنا نظيف الكفّ ولم أتورّط في شيءٍ قطّ."
من الأراضي الأوكرانية المحتلّة، وصف غييرمو حياةً قاتمة. الصديق الذي سافر معه لقي حتفه في المعارك قبل شهر.
"أنا متروكٌ تماماً"، قال غييرمو. "لا طعام، لا دواء، أُصبتُ في ضربةٍ بطائرةٍ مسيّرة وتكسّرت رضفتي."
"روتيني اليومي هو حمل صناديق الطعام البارد وما شابهها"، تابع. "أفعل كلّ ذلك متّكئاً على عكّاز. وحين أؤدّي هذا العمل ليلاً، لا أستطيع النوم لأنّ ركبتي تنتفخ وتؤلمني. كلّ ما أريده هو العودة إلى البيت."
أفاد غييرمو بأنّه حاول الاستعانة بالسفارة البيروفية، فأُبلغ بأنّها "لا تستطيع مساعدته" لأنّه وقّع عقداً.
وأوضح برافو، مدير شؤون المغتربين في وزارة الخارجية، أنّ يد الحكومة البيروفية مكبّلة. "ماذا أفعل حين يُخبرني شخصٌ بأنّه مُصاب في ركبته وهو على خطوط الجبهة؟ لا أستطيع الذهاب إلى الجبهة لإخراجه"، قال برافو. "هذا الاحتمال ببساطة غير موجود."
وأضاف أنّه بمجرّد توقيع الجنود البيروفيين على عقودهم، "يصبح الوضع بالغ الصعوبة من حيث إمكانية الوصول إليهم."
يعرف غييرمو كلّ هذا جيّداً. يُدرك بمرارةٍ أنّ وضعه يبدو بلا مخرج. "سأغادر هذا المكان إمّا قاتلاً في الحرب أو مقتولاً"، قال. "لا منفذ لي."
أخبار ذات صلة

أطفال غزة بين الألم والخوف: كلفة الهجمات الإسرائيلية المستمرة

الحكم القضائي يهدّد وضع مليون مهاجرٍ في أمريكا

كندا تتراجع عن حقوق المهاجرين واللاجئين
