واشنطن وطهران تتفقان على وقف تصعيد الخليج
اتفاق غير معلن بين واشنطن وطهران يثبت هدنة مؤقتة بعد تصعيد خطير حول مضيق هرمز، مع مصلحة مشتركة في تجنب حرب شاملة وتأمين الملاحة النفطية. تفاصيل التوترات والضغوط السياسية في خَبَرَيْن.

ثمّة ما يُشبه الاتفاق بين واشنطن وطهران على وقف موجة العنف الأخيرة، وقد أسهم هذا الاتفاق في تثبيت الهدنة التي تمثّل الخطوة الأولى نحو إنهاء الحرب بصورة دائمة، كما كشف أنّ كلا الطرفين يمتلك مصلحةً وطنيةً حيوية في المضيّ قُدُماً في هذا الاتجاه.
جاء هذا التفاهم في أعقاب أيامٍ من المواجهات حول مضيق هرمز والخليج العربي، وهي مواجهاتٌ يمكن فهمها على نحوٍ أدقّ بوصفها صراعاً بين الطرفين لتحديد ملامح مذكّرة التفاهم الغامضة بينهما، وتشكيل المحادثات المقبلة حول قضايا مصيرية في مقدّمتها الملف النووي الإيراني.
أعلن مسؤولٌ في إدارة Trump أنّ الطرفين اتفقا على الاجتماع في قطر يوم الثلاثاء، وأنّهما سيتوقّفان عن التصعيد "في الوقت الراهن"، في حين لم يصدر عن طهران أيّ تعليق فوري.
أربعةُ أيامٍ من الهجمات الإيرانية على السفن التجارية، والردود الأمريكية عليها، ثمّ الضربات الإيرانية المضادّة على القواعد الأمريكية وحلفاء الخليج كلّ ذلك أوجد خطراً حقيقياً للانزلاق نحو مواجهةٍ أشمل، وهدّد بتعطيل الارتياح الاقتصادي العالمي المرتبط بعودة تدفّق النفط عبر المضيق. فضلاً عن ذلك، يبدو أنّ هذه الأحداث انتهكت شروط مذكّرة التفاهم التي وقّعها الطرفان.
كانت إيران تسعى إلى صون ورقة ضغطٍ جديدة اكتسبتها، وهي القدرة على إدارة حركة الملاحة في ممرٍّ مائي بالغ الأهمية للاقتصاد العالمي. وتُشير ضرباتها الصاروخية على دول خليجية وأصولٍ أمريكية إلى محاولةٍ لرسم معادلةٍ استراتيجية إقليمية جديدة في مرحلة ما بعد الحرب. كما بدا أنّ طهران تُمارس ضغطاً سياسياً متصاعداً على الرئيس Donald Trump، وتختبر حدود صبره وهو يسعى إلى تقديم ما وصفه بالاتفاق المنتصر لإنهاء الحرب.
أمّا واشنطن، فلم يكن بمقدورها أن تقبل بسيطرةٍ إيرانية على الملاحة في المضيق؛ إذ إنّ القبول بذلك يعني الإقرار بالهزيمة في حربٍ بدأتها هي. وكان من شأن ذلك أن يمنح الجمهورية الإسلامية أداةً لاحتجاز الاقتصاد العالمي رهينةً، وممارسة الضغط السياسي على الولايات المتحدة في أيّ لحظةٍ تشاء، ممّا يُضعف النفوذ الأمريكي في المنطقة المتجسّد في القدرة على حماية الحلفاء.
جاء التصعيد الإيراني في أعقاب زيارة وزير الخارجية Marco Rubio للخليج الأسبوع الماضي، حيث أكّد الموقف الأمريكي وموقف حلفائه الداعم لحرية الملاحة غير المشروطة في المضيق، ورفض أيّ رسومٍ أو محاولاتٍ إيرانية لفرض السيطرة عليه. وقد فُسِّر ذلك بوصفه محاولةً لسدّ الثغرات التفسيرية في الاتفاق، الذي نصّ على ضرورة استعادة إيران حرية الملاحة وإعادة حركة الشحن البحري، لكنّه بدا يُبقي الباب مفتوحاً أمام احتمال تحقيق إيران عائداً مالياً من الملاحة مستقبلاً.
غير أنّ دوّامة الاستفزازات الإيرانية والردود الأمريكية كانت لعبةً بالغة الخطورة، إذ كانت مرشّحةً لاكتساب زخمٍ ذاتيٍّ مع ما ينطوي عليه ذلك من مساسٍ بهيبة رئيسٍ أمريكي متقلّب، في أسبوعٍ يحرص فيه على إظهار نفسه بمظهر القوّة المطلقة، وجعل نفسه محوراً لاحتفالات الذكرى المئوية والخمسين لإعلان الاستقلال.
هدّد Trump يوم الأحد بأنّ إيران إن واصلت "انتهاك" وقف إطلاق النار فإنّها "لن تعود موجودة". وقد يستنتج مؤيّدوه أنّ تحذيره نجح في إجبار طهران على التراجع، إلّا أنّ الإيرانيين تعلّموا خلال الحرب ألّا يأخذوا خطابه الحربيّ الأشدّ حدّةً على محمل الجدّ. وقد وافق الرئيس في نهاية المطاف على ما رأى فيه كثيرٌ من منتقديه استسلاماً لإيران، بعد أن كان يحتجّ بأنّه لا يريد إيقاع الاقتصاد في كبوةٍ كبرى بمواصلة الصراع.
بيد أنّ Trump كثيراً ما يُعرَّف بتقلّبه وعدم اتساقه. وقد يكون من الخطأ أن تفترض طهران مستقبلاً أنّه سيتصرّف دائماً بطريقةٍ يمكن التنبّؤ بها، أو أنّه سيتحاشى التصعيد الحادّ.
ومع ذلك، كان ثمّة دائماً منطقٌ استراتيجي كامنٌ وراء موجات التصعيد الأخيرة، يُرجّح ضدّ العودة إلى حربٍ شاملة. فإيران تجني مكاسب ضخمة من مذكّرة التفاهم، إذ أقدمت الولايات المتحدة على تعليق بعض العقوبات ريثما يُبرم الاتفاق النهائي، وباتت طهران تُصدّر ملايين البراميل من نفطها من جديد في سعيٍ لإنعاش اقتصادٍ منهك.
وفي الوقت ذاته، أسهم ارتفاع حركة الملاحة البحرية عبر المضيق في تخفيف أسعار النفط العالمية، وفتح الباب أمام توقّعاتٍ بانخفاض أسعار الوقود وهو اعتبارٌ بالغ الأهمية في ظلّ أزمة القدرة الشرائية التي تُضغط على شعبية Trump قبيل انتخابات التجديد النصفي. وقد انخفض متوسّط سعر الجالون من البنزين في الولايات المتحدة إلى 3.87 دولار يوم الأحد وفق بيانات AAA، وهو ما يزال أعلى بنسبة 30% ممّا كان عليه قبل الحرب، لكنّه يظلّ أقلّ بكثيرٍ من ذروة 4.56 دولار التي بلغها في أواخر مايو.
وعلى خلاف بعض أسلافه، أحجم Trump عن الانزلاق في فخّ التصعيد والاستمرار في حربٍ بدت تتجّه نحو نهايةٍ غير حاسمة كانت ستُلحق الضرر بسمعته. غير أنّ الفجوة الواسعة بين الموقفين الأمريكي والإيراني حول المضيق تُثير تساؤلاتٍ جدّية حول نهجه. فقبل الحرب التي أطلقها Trump، كان الممرّ المائي مفتوحاً. والمواجهات حول وضعه الراهن تُنبئ بأنّ المفاوضات المقبلة حول قضايا أكثر تعقيداً كالملف النووي الإيراني ستكون أشدّ عُسراً بمراحل.
واشنطن تُحذّر من أنّها لن تسمح لإيران بانتزاع مكاسب استراتيجية
أفاد مسؤولٌ أمريكي يوم الأحد بأنّ جميع الطائرات المسيّرة والصواريخ الإيرانية التي استهدفت الأصول الأمريكية في الكويت والبحرين المجاورتين قد أُسقطت أو فشلت في بلوغ أهدافها.
وكانت الولايات المتحدة قد ضربت في وقتٍ سابق أهدافاً تشمل مواقع تخزين الطائرات المسيّرة والصواريخ الإيرانية قرب مضيق هرمز. وقد اندلعت هذه المواجهات إثر هجومٍ إيراني على سفينة حاوياتٍ ترفع علم سنغافورة قرب المنطقة يوم الخميس.
وحذّر السفير الأمريكي لدى الأمم المتحدة Mike Waltz يوم الأحد من أنّ Trump سيردّ على أيّ عدوانٍ إيراني بالمثل، قائلاً: "إذا ظنّ النظام الإيراني للحظةٍ واحدة أنّ الرئيس Trump سيقف مكتوف الأيدي بينما تواصل إيران مهاجمة الشحن الدولي دون ردٍّ، أو مهاجمة قواعدنا دون ردّ، فهو واهمٌ تماماً".
وتُشير حدّة التوتّرات المتصاعدة في الشرق الأوسط إلى أنّ انتصارية Trump في الإشادة بمذكّرة التفاهم الإطار المؤلّف من 14 نقطة الرامي إلى وقف القتال والتوصّل إلى اتفاقٍ نهائي شامل في غضون 60 يوماً كانت سابقةً لأوانها.
وقد أثار الصراع وتداعياته تساؤلاتٍ جدّية حول مدى استيعاب الإدارة الأمريكية للقوى السياسية والتاريخية التي تحرّك الحكومة الإيرانية الثورية وأساليبها التفاوضية المتشدّدة المعتادة. فوقف إطلاق النار في الشرق الأوسط كثيراً ما لا يُوقف جميع التبادلات العسكرية، حتّى وإن أرسى سقفاً يحول دون العودة إلى حربٍ شاملة. والحروب في المنطقة كثيراً ما تنتهي بتقوية أجيالٍ جديدة من المتشدّدين كأولئك الإيرانيين الذين ربّما يُدبّرون مساعي طهران لترسيخ نفوذها الجديد على مضيق هرمز.
وتوقّع مستشار الأمن القومي السابق في عهد Biden، Jake Sullivan، أنّ الأحداث الأخيرة ليست إلّا مقدّمةً لمرحلةٍ من المفاوضات المشحونة والعسيرة. لن يرحّب فريق Trump بنصيحته بالطبع. لكنّ Sullivan أدّى في عهد Obama دوراً محورياً في المراحل الأولى من المفاوضات التي أفضت إلى الاتفاق الدولي الذي قيّد البرنامج النووي الإيراني، والذي أقدم Trump على تمزيقه في ولايته الأولى.
قال Sullivan يوم الأحد، في تنبّؤٍ أثبتت أحداث المساء صحّته: "الإيرانيون يتقدّمون لممارسة السيطرة على المضيق وتذكير العالم بأنّهم يتحكّمون في هذا الممرّ المائي، ثمّ يتراجعون حين تعترض إدارة Trump باحتجاجٍ كافٍ، لأنّ الإيرانيين يريدون الاستمرار في جني المكاسب التي حقّقوها من مذكّرة التفاهم".
وأضاف Sullivan: "في ما يخصّ الملف النووي، أعتقد أنّهم سيُقدّمون تنازلاتٍ صغيرة جداً تدريجياً، ثمّ يسحبونها، ثمّ يُعيدون طرحها، ثمّ يسحبونها مجدّداً، لإبقاء الولايات المتحدة على طاولة التفاوض"، مُشكّكاً في إمكانية إحراز تقدّمٍ ملموس خلال 60 يوماً.
نهاية الحرب لا تزال رهينة المجهول
من المرجّح أن تُعيد المواجهات المتجدّدة في الشرق الأوسط إشعال جذوة الخلاف الحزبي في واشنطن حول الاتفاق.
خفّف السيناتور الجمهوري Roger Marshall من كنساس من شأن المواجهات الأخيرة بين الولايات المتحدة وإيران، واصفاً إيّاها بأنّها "عمليات تمشيط" لا أكثر في سياق حربٍ تحظى بشعبيةٍ متدنّية في الرأي العام الأمريكي. وأصرّ في مقابلةٍ له بأنّ واشنطن تُحرز "تقدّماً كبيراً" على الصعيد الدبلوماسي.
في المقابل، وصف الديمقراطيون مذكّرة التفاهم التي أبرمها Trump بأنّها هزيمةٌ مُذلّة للولايات المتحدة تقصر قصوراً فادحاً عن ادّعاءاته بحلّ النزاع. وقد يُذكي ذلك نقاشاً محتدماً في الكونغرس حول صلاحيات Trump الحربية والمسوّغ القانوني لإطلاقه الحرب، وهو نقاشٌ أثار قلقاً لدى بعض الجمهوريين أيضاً.
ما يجري في الشرق الأوسط سيحمل تبعاتٍ سياسيةً واستراتيجيةً بالغة الخطورة.
السؤال المحوري هو: هل ستستمرّ المواجهات حول المضيق في الاشتعال عند مستوىً يمكن ضبطه، أم أنّها ستتحوّل إلى حريقٍ يلتهم الاتفاق برمّته والمسار الدبلوماسي معه، فيُعيد المنطقة إلى حربٍ شاملة؟
سيضع ذلك على المحكّ ميلَ Trump الواضح إلى عدم إطالة أمد صراعٍ ثبت أنّه عبءٌ سياسيٌّ ثقيل. لكنّ التحدّيات الإيرانية المتواصلة ستختبر صبر رئيسٍ يقوم شخصيّته السياسية على إظهار القوّة والهيمنة في كلّ مكان.
في المحصّلة، قد يُثبت العودة إلى الدبلوماسية صحّة توقّعات Sullivan بأنّ الطريق سيكون طويلاً ومُضنياً. وحتّى لو عادت هدنةٌ هشّة إلى الاستقرار، فمن غير المرجّح أن يجد Trump مخرجاً سهلاً من هذه الحرب.
أخبار ذات صلة

المضيق ينفتح للسفن.. لكن الباب قد ينغلق قريباً

مجلس الشيوخ يتراجع عن انتقاده لترامب بشأن الحرب مع إيران

تداعيات خطأ ترامب الاستراتيجي في إيران تبدأ بالظهور
