زيارة الملك تشارلز: محاولة رأب الصدع مع ترامب
تتجه الأنظار إلى زيارة الملك Charles للولايات المتحدة وسط توترات متزايدة مع ترامب. من محادثات خاصة إلى خطاب أمام الكونغرس، كيف سيساهم الملك في رأب الصدع في "العلاقة الخاصة" بين البلدين؟ اكتشف التفاصيل على خَبَرَيْن.

في سبتمبر الماضي، وقف دونالد Trump أمام حشدٍ في مأدبةٍ أقامها الملك Charles الثالث تكريماً لزيارة الدولة الثانية غير المسبوقة التي أجراها إلى بريطانيا، وقال: "كلمة 'خاصّة' لا تكفي لوصف هذه العلاقة. نحن كنغمتَين في وترٍ واحد، أو مقطعَين من قصيدةٍ واحدة كلٌّ منهما جميلٌ وحده، لكنّهما في الحقيقة خُلقا ليُعزفا معاً."
لكنّ اللغة الشعرية تلك لم تدُم طويلاً. منذ ذلك الحين، جاءت تصريحات Trump عن بريطانيا على نحوٍ مختلف تماماً. فقد وصف رئيس الوزراء Keir Starmer بأنّه "خاسر"، وذلك على خلفية رفضه تقديم دعمٍ عسكري أمريكي في الحرب ضدّ إيران. وشبّهه بـ Neville Chamberlain، رئيس الوزراء البريطاني الذي استرضى هتلر، قائلاً إنّه "ليس Churchill." وأعلن أنّ بريطانيا لم تعُد "رولز رويس الحلفاء"، ووصف حاملات الطائرات التابعة للبحرية الملكية بأنّها "ألعاب." وحين سُئل هذا الشهر عن حال "العلاقة الخاصّة"، أجاب ببساطة: "ليست جيّدة، ليست جيّدة على الإطلاق."
في هذا السياق المتوتّر، يقع على عاتق الملك Charles مهمّة رأب الصدع. يصل الملك إلى الولايات المتحدة يوم الاثنين في زيارة دولة تمتدّ أربعة أيام، تُحيي الذكرى الـ250 لاستقلال الولايات المتحدة الذي أُعلن في عهد جدّه الخامس الملك George الثالث.
وقد مرّت "العلاقة الخاصّة" بكثيرٍ من المحطّات المضطربة منذ ذلك الحين؛ من إحراق القوات البريطانية للبيت الأبيض في حرب عام 1812، إلى الغزو الأمريكي لغرينادا عام 1983 في عهد الملكة Elizabeth الثانية.
واليوم، تمرّ العلاقات بين البلدَين بمرحلة فتورٍ واضحة. كان Starmer قد نجح نسبياً في التعامل مع العام الأول من ولاية Trump الثانية، غير أنّ العام الثاني جاء أكثر توتّراً بسبب الخلافات المتعلّقة بالحرب على إيران.
وعلى الرغم من أنّ الملك البريطاني ملزمٌ بالبقاء بمنأى عن السياسة، فإنّ حكومته تأمل في أن تُسهم جولته الأمريكية في تخفيف حدّة التوترات. سيحظى Charles وزوجته Camilla بوقتٍ مطوّل مع عائلة Trump خلال الجزء الواشنطني من الزيارة، التي تبلغ ذروتها بخطابٍ يُلقيه الملك أمام جلسةٍ مشتركة للكونغرس، قبل أن يتوجّه الزوجان الملكيّان إلى نيويورك وفيرجينيا.
وفي هذا الصدد، قال Peter Westmacott، السفير البريطاني السابق لدى الولايات المتحدة: "لن يُجري الملك مع الرئيس أو كبار السيناتورين النوعَ من المحادثات التي يُجريها رئيس الوزراء، لكنّه مُلمٌّ إلماماً بالغاً بالملفّات، وهذا يُتيح فرصةً لمحادثاتٍ خاصّة حول قضايا بالغة الأهمية." وأضاف: "من وجهة نظر المملكة المتحدة، نأمل بوضوح أن تُحدث تلك المحادثات الخاصّة أثراً ما."
شاهد ايضاً: اتفاق إقليمي ضروري لحماية ممر هرمز
وكان قصر Buckingham قد أعلن أنّ الملك Charles شعر بـ"ارتياحٍ بالغ" إثر نجاة Trump وزوجته وضيوفه من محاولة اقتحامٍ نفّذها مسلّحٌ خلال مأدبةٍ إعلامية في واشنطن مساء السبت، مشيراً إلى أنّ الملك والملكة تواصلا سرّاً مع الرئيس الأمريكي في أعقاب الحادثة الأمنية.
وأكّد القصر لاحقاً يوم الأحد أنّ الزيارة الملكية ستمضي وفق جدولها المقرّر "في أعقاب مشاوراتٍ جرت على جانبَي الأطلسي طوال اليوم، وبناءً على توصية الحكومة." وأضاف القصر في بيانٍ له: "الملك والملكة ممتنّان لكلّ من عمل بوتيرةٍ متسارعة لضمان ذلك، ويتطلّعان إلى انطلاق الزيارة غداً."
وعُلمَ أنّه ستجري بعض التعديلات التشغيلية الطفيفة على نشاطٍ أو نشاطَين، في حين يبقى الإطار العام للزيارة الرباعية الأيام على حاله.
اختبارٌ دبلوماسي بالغ الصعوبة
شاهد ايضاً: ترامب يقول إن إيران لديها 48 ساعة للتوصل إلى اتفاق بينما تستمر عملية البحث عن الطيار الأمريكي
بات الملك Charles ورقةً رابحة بيد الحكومة البريطانية. حين زار Starmer البيت الأبيض العام الماضي، لم يُضيّع وقتاً في استعراض رسالةٍ من الملك يدعو فيها الرئيس لزيارة دولة في قصر Windsor. كشفت تلك اللحظة عن استراتيجية حكومة Starmer في التعامل مع Trump في ولايته الثانية: مخاطبة ولعه بالإطراء والملوكية، على أملٍ في جني ثمارٍ دبلوماسية.
وافتتانُ Trump ببريطانيا وملكيّتها ليس سرّاً. في كتابه "The Art of the Deal"، كتب Trump أنّه استقى "حسّه الاستعراضي" من الملكة Elizabeth الثانية، إذ شاهد مراسم تتويجها وهو طفلٌ على شاشة التلفزيون، وأشار إلى أنّه كان "مفتوناً بالبهاء والأبّهة، وبفكرة الملوكية والجلال." كما يتحدّث الرئيس كثيراً عن "حبّه الكبير" لاسكتلندا، موطن والدته، حيث يمتلك ملعبَي غولف.
بيد أنّ خلف هذا الافتتان تبايناتٍ جوهرية عميقة بين الملك والرئيس. فسياسة "احفر، أيّها الطفل، احفر" التي يتبنّاها Trump هي النقيض تماماً لما دافع عنه Charles طوال عقود بوصفه أحد أوائل المدافعين عن البيئة. فالملك يؤمن بطاقة الرياح، بينما يُبغضها Trump الذي شكا العام الماضي من أنّ مزارع الرياح قبالة ملعبه في Turnberry ليست مجرّد منظرٍ مشوّه، بل إنّها "تُجنّن الحيتان." وحين التقى Trump بالأمير Charles آنذاك خلال ولايته الأولى، وصف المحادثة بأنّها كانت "رهيبة"، بحسب ما كتبته المتحدّثة الإعلامية السابقة للبيت الأبيض Stephanie Grisham في مذكّراتها، مشيرةً إلى أنّ الأمير لم يتحدّث إلّا عن "تغيّر المناخ."
وإن كانت الملكة Elizabeth الثانية قد تمتّعت بعلاقاتٍ سلسة نسبياً خلال زياراتها السبع للولايات المتحدة، فإنّ Charles يدرك جيّداً المشهد المضطرب الذي ينتظره، ويعلم كيف تُسهم الكلمات المدروسة والمواقف الحكيمة في نزع فتيل التوترات.
بالنسبة للملك، لا تقتصر هذه الزيارة على Trump. إنّها تتعلّق بأمريكا والتاريخ المشترك بين البلدَين. وهي علاقةٌ "تتجاوز الرئاسة"، بحسب ما أفاد به مصدرٌ بريطاني مطّلع على ترتيبات الزيارة.
وأشار المصدر إلى القيم المشتركة والاقتصادات المتشابكة وترتيبات الأمن المتبادلة، قائلاً: "كلّ تلك الأمور سابقةٌ للحظة الراهنة، وستستمرّ بعدها جميعاً." ذلك لأنّه حين يغادر Trump السلطة، سيحتاج الملك إلى بناء علاقةٍ مع الرئيس التالي ومن يليه، حتى يتسلّم ابنه الأمير William المشعل.
وأوضح المصدر أنّ "الواقع" يقول إنّ البلدَين اختلفا في الماضي على قضايا شتّى، من فيتنام إلى أزمة السويس، لكنّهما عادا في نهاية المطاف إلى التقارب إبّان الحربَين العالميّتَين والحرب الباردة وتأسيس الأمم المتحدة. ولا يلزم أن تكون الأمور "وردية" دائماً.
الملك والأمريكيون
أكّدت مصادر بريطانية أنّ جدول الملك صُمِّم بعنايةٍ ليخاطب الشعب الأمريكي بمجمله، لا الإدارة وحدها.
في واشنطن، سيتولّى البيت الأبيض الإشراف على كلّ ما يجري داخل المقرّ التنفيذي، من لقاءٍ خاصّ بين الملك وTrump، وجولةٍ بالبيت الأبيض، ومراسم عسكرية مع تحية إطلاق 21 طلقة، وحفل العشاء الرسمي. وتشير المصادر إلى أنّ الحفل سيكون بالزيّ الرسمي الكامل (white tie)، أعلى درجات الرسميّة، في دلالةٍ على تكريمٍ رفيع المستوى لرئيس الدولة البريطانية. ومن المتوقّع أن تغلب على قائمة المدعوّين الشخصيّات من عالم الأعمال لا النجوم والمشاهير.
وخارج أسوار البيت الأبيض، أسهم الجانب البريطاني في تشكيل برنامج الزيارة وصياغة مشاهدها. سيحضر الملك والملكة حفل استقبالٍ في الهواء الطلق يعكس تنوّع المجتمع الأمريكي، ثمّ سيضعان إكليلاً من الزهور تكريماً لأرواح من سقطوا في خدمة الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وحلفائهما.
وتبقى اللحظة الأبرز في الزيارة خطاب الملك أمام جلسةٍ مشتركة للكونغرس، في سابقةٍ لم يفعلها سوى ملكٍ بريطاني واحدٍ من قبله. ومن المتوقّع أن يخاطب الملك الشعب الأمريكي مباشرةً، بدلاً من أن يُقدّم قصيدةً في مديح رئيسٍ بعينه.
وقد جاءت دعواتٌ بأن يلتقي الزوجان الملكيّان بناجياتٍ من انتهاكات Jeffrey Epstein، في ضوء الفضيحة المرتبطة بـ Andrew Mountbatten-Windsor، شقيق الملك الذي اعتُقل في فبراير بشبهة إساءة استخدام السلطة؛ إذ أعلنت الشرطة سابقاً أنّها تراجع ادّعاءاتٍ بأنّه شارك معلوماتٍ حساسة مع المدان في قضايا الاستغلال الجنسي بينما كان يشغل منصب مبعوثٍ تجاري. وقد نفى الأمير السابق جميع الاتّهامات الموجّهة إليه، مؤكّداً أنّه لم يشهد ولم يشكّ في أيٍّ من السلوكيّات المنسوبة إلى Epstein الراحل.
ولن يتطرّق الزوجان الملكيّان إلى قضية Epstein مباشرةً خلال الزيارة، لكنّهما سيلتقيان بممثّلين عن مؤسّساتٍ خيرية تعمل مع ناجيات العنف الأسري، في رسالةٍ ضمنية بأنّ الناجيات يجب أن يكنّ دائماً في صميم الاهتمام.
وبعيداً عن العاصمة، سيواصل الزوجان الملكيّان نسج خيط التواصل مع الأمريكيّين العاديّين في نيويورك، حيث سيزوران نصب ذكرى 11 سبتمبر ويلتقيان بعناصر الإسعاف الأوّلي، فضلاً عن زيارة مبادرةٍ مجتمعية في حيّ Harlem، وحضور فعاليةٍ لتشجيع القراءة، وجولةٍ ميدانية محتملة بين المواطنين.
ثمّ في ولاية فيرجينيا، سيلتقيان بمجتمعاتٍ أصلية للاستماع إلى قضايا الحفاظ على البيئة وملفّ حقوق الأراضي الشائك، وهو ما قد يُثير حساسيّاتٍ لدى إدارة Trump. وسيحضران أيضاً احتفالاً شعبياً بالذكرى الـ250 للاستقلال. وبعد مغادرة الولايات المتحدة، سيتوجّه الملك إلى برمودا قبل العودة إلى المملكة المتحدة.
البيت الأبيض يريد أن يُبهر بدوره
تمثّل هذه الزيارة اختباراً دبلوماسياً رفيع المستوى للبيت الأبيض أيضاً، الذي يستعدّ لتقديم كامل مراسم الاستقبال الرسمية.
وقد تولّى Trump شخصياً دوراً موسّعاً في التخطيط لحفل الثلاثاء المسائي، وفق ما أفاد به مصدرٌ مطّلع على الأمر.
شاهد ايضاً: إعادة بناء الوجوه وتحديد الوشوم، الذكاء الاصطناعي ينضم إلى البحث عن المفقودين في المكسيك
وأشارت السيّدة الأولى Melania Trump إلى أنّها أشرفت على اختيار الزهور وأطقم الطعام، بالتنسيق مع فريقٍ من الطهاة والموظّفين الاجتماعيّين وخبراء البروتوكول في البيت الأبيض. ونشر مكتب السيّدة الأولى مقطعاً بالأبيض والأسود يُلمح إلى "اللمسات الأخيرة"، يُظهر تنسيقاتٍ زهرية من الأماراثوس والورود، وطقماً من خدمة Clinton الصينية المذهّبة، وقائمة طعامٍ خطّها فنّان الخطّ الرسمي لدى البيت الأبيض.
وقال مسؤولٌ في البيت الأبيض : "حدثٌ بهذه الأهمية والضخامة يستحقّ كلّ هذه العناية والاهتمام."
وقد تولّى Trump قيادة التفاصيل من إعداد قائمة المدعوّين إلى اختيار قائمة الطعام، وذلك في غياب منسّق الفعاليات الاجتماعية للبيت الأبيض، وهو منصبٌ محوري في إدارة المناسبات الكبرى لم تشغله Melania Trump حتى الآن، على الرغم من أنّ طاقم عملها أصغر مقارنةً بسابقاتها.
وقال مسؤولٌ سابق في البيت الأبيض: "سيريد أن يكون الحفل باذخاً للغاية"، متذكّراً مدى إعجاب Trump خلال زيارةٍ سابقة لقصر Buckingham. وقد لعب الرئيس دوراً مماثلاً في التخطيط لحفل الحكّام في وقتٍ سابق من هذا العام، حين أدّت فرقةٌ عسكرية مقطوعاتٍ من مسرحية Les Misérables.
وتأتي هذه الاستعدادات في سياق إشرافه على هدم الجناح الشرقي للبيت الأبيض، الذي كان موطناً للسيّدات الأوليات وطواقمهنّ لعقودٍ طويلة، فيما يُشرف على تحويلاتٍ تطال حديقة الورود والرواق الغربي وإنشاء قاعة احتفالات جديدة.
وفي الوقت الذي يلتقي فيه الزوجان، ستستضيف Melania الملكة Camilla في فعاليةٍ تعليمية تستخدم فيها طلّابٌ أمريكيون نظّاراتٍ للواقع الافتراضي وأخرى مدعومةً بالذكاء الاصطناعي.
وبينما يُشبع Trump شغفه بكلّ ما هو ملكي، سيُسلّط Charles الضوء على التاريخ المشترك بين البلدَين وربّما في هذه العملية يُسهم في تخفيف التوترات الراهنة.
وحين سُئل Trump يوم الخميس عمّا إذا كانت زيارة الملك Charles والملكة Camilla قادرةً على إصلاح العلاقة الأمريكية البريطانية المتداعية، جاء ردّه إيجابياً: "بالتأكيد، الجواب نعم"، قال في مقابلةٍ هاتفية. "أعرفه جيّداً، وأعرفه منذ سنواتٍ طويلة. إنّه رجلٌ شجاع وعظيم. ستكون زيارتهما إيجابيةً بالتأكيد."
أخبار ذات صلة

هل ستنضم الصين إلى جهود باكستان للتوسط في السلام بين الولايات المتحدة وإيران؟

الهجوم الإيراني يتسبب في أضرار لمحطة الكهرباء وتحلية المياه في الكويت ويقتل عاملاً

ناشطة فلسطينية في الولايات المتحدة تقول إن مكتب التحقيقات الفيدرالي أحبط مخطط اغتيال ضدها
