خَبَرَيْن logo

تغيرات المحيط الأطلسي تهدد المناخ العالمي

في ظاهرة غريبة، تنخفض درجات حرارة المحيط في شمال الأطلسي رغم ارتفاعها عالميًا. دراسة جديدة تكشف عن تأثير تراجع تيارات AMOC، مما ينذر بتداعيات مناخية خطيرة على العالم. اكتشف المزيد عن هذا اللغز البيئي في خَبَرَيْن.

تظهر الصورة خريطة حرارية للمحيط الأطلسي، حيث تُبرز "البقعة الباردة" باللون الأزرق، محاطة بمياه دافئة، مما يعكس تأثيرات تغير المناخ.
تظهر "الكتلة الباردة" في تصور بياني يوضح متوسط درجات الحرارة في عام 2015، مقارنةً بمتوسط درجات الحرارة بين عامي 1951 و1980، من استوديو التصوير العلمي التابع لناسا ومركز غودارد لرحلات الفضاء.
التصنيف:مناخ
شارك الخبر:
FacebookTwitterLinkedInEmail

في جنوب غرينلاند وأيسلندا، تجري في المحيط الأطلسي الشمالي ظاهرةٌ لافتة: بينما يرتفع متوسّط درجات حرارة المحيطات حول العالم، تواصل رقعةٌ واسعة من المياه في هذه المنطقة بالتحديد الانخفاضَ في درجة حرارتها. دراسةٌ علمية جديدة تقول أنّها وجدت تفسيراً لهذا اللغز وهو تفسيرٌ يُشير إلى مسارٍ مقلق نحو أحد أخطر نقاط التحوّل المناخي.

هذه الرقعة المائية، التي يُطلق عليها الباحثون اسم "البقعة الباردة" (cold blob) أو "حفرة الاحترار" (warming hole)، انخفضت حرارتها بما يقارب درجةً مئوية واحدة أي نحو 1.8 درجة فهرنهايت منذ عام 1900. رقمٌ يبدو متواضعاً، لكنّه في السياق الفيزيائي يعكس تحوّلاً جوهرياً في ديناميكيات نقل الحرارة في المحيط.

جدلٌ علمي قديم، وإجابةٌ جديدة

ظلّ العلماء منقسمين حول تفسير هذه الظاهرة: هل هي نتيجة فقدان الحرارة من سطح المحيط بفعل تغيّرات الرياح والغيوم؟ أم أنّها إشارةٌ إلى إضعاف منظومة تيّارات مائية بالغة الأهمية؟ الدراسة الجديدة تحسم الجدل لصالح الاحتمال الثاني، وتستخلص نتائج ذات دلالةٍ بعيدة المدى.

المنظومة المعنيّة هي ما يُعرف بـ"الدوران المحيطي الأطلسي الانقلابي" (AMOC - Atlantic Meridional Overturning Circulation)، وهي تعمل كحزامٍ ناقل هائل يسحب المياه الدافئة من المناطق الاستوائية نحو نصف الكرة الشمالي، حيث تبرد وتغوص إلى الأعماق ثمّ تعود جنوباً في دورةٍ مستمرة.

تُشير جملةٌ من الأبحاث إلى أنّ هذه المنظومة تتراجع في قوّتها، إذ يُذيب الاحترار العالمي الناجم عن النشاط البشري كميّاتٍ متزايدة من الجليد، ما يُضخّ كميّاتٍ كبيرة من المياه العذبة في المحيط ويُخلّ بالتوازن الدقيق بين الحرارة والملوحة الذي يُحرّك AMOC. بعض العلماء يُحذّرون من أنّ هذه المنظومة تقترب من نقطة تحوّل لا رجعة فيها، يُحتمل أن تقع قبل نهاية هذا القرن.

كارثةٌ مناخية بأبعادٍ قارّية

توقّف AMOC ليس سيناريو نظري بعيد الاحتمال، بل هو حدثٌ تترتّب عليه تداعياتٌ موثّقة في النماذج المناخية: تسارعٌ في ارتفاع مستوى البحر على الساحل الشرقي للولايات المتحدة، وموجاتُ صقيع حادّة تضرب أوروبا، وتحوّلٌ في أنماط الرياح الموسمية في أفريقيا يُفضي إلى جفافٍ مطوّل.

البقعة الباردة نفسها تُعدّ من قِبَل عددٍ من الباحثين بصمةً تدلّ على تغيّر AMOC، لأنّها تقع تحديداً في المنطقة التي تُوصل إليها هذه المنظومة معظم حرارتها.

ما الذي كشفته الدراسة الجديدة؟

لفكّ لغز هذه المنطقة من المحيط الأطلسي، جمع فريق الباحثين بين بياناتٍ حرارية فعلية مُرصودة بالأجهزة والأقمار الاصطناعية ونماذج مناخية حاسوبية. وتوصّلوا إلى أنّ التبرّد في البقعة الباردة لا يقتصر على السطح، بل يمتدّ إلى أعماق المحيط، حيث يضعف تأثير العوامل الجوية كالرياح والغيوم بشكلٍ ملحوظ.

كلّ هذه المؤشّرات تصبّ في اتجاهٍ واحد: تأثير AMOC. يقول Stefan Rahmstorf، أحد مؤلّفي الدراسة وأستاذ الفيزياء وعلوم المحيطات في جامعة Potsdam الألمانية: "إنّه يُغيّر نقل الحرارة في المحيط"، وهو ما يقود إلى تبرّد البقعة الباردة. وأضاف Rahmstorf أنّ ثمّة أدلّةً وفيرة أخرى على إضعاف AMOC مستقلّةً عن البقعة الباردة، مع دراساتٍ تُشير إلى أنّه بلغ أدنى مستوياته منذ نحو 1,000 عام.

تظهر الصورة تدفقات المحيط الأطلسي الشمالية، مع تباين الألوان الذي يوضح درجات الحرارة المختلفة، مما يعكس تأثيرات تغير المناخ على الدورة المائية.
Loading image...
تصوير لتيارات المحيط في شمال الأطلسي. الألوان توضح درجة حرارة سطح البحر (البرتقالي والأصفر أكثر دفئًا، والأخضر والأزرق أكثر برودة). مركز غودارد لرحلات الفضاء التابع لناسا.

تحفّظاتٌ علمية مشروعة

René van Westen، باحثٌ في علوم البحار والغلاف الجوي بجامعة Utrecht الهولندية ولم يشارك في الدراسة، أشار إلى أنّ دراساتٍ سابقة أثبتت إمكانية توليد بقعةٍ باردة من خلال العوامل الجوية وحدها. غير أنّ تطابق النتائج عبر مجموعاتٍ مختلفة من البيانات في الدراسة الجديدة "يُعزّز متانة الاستنتاجات"، على حدّ تعبيره.

David Thornalley، أستاذ علوم المحيطات والمناخ في University College London وغير مشاركٍ هو الآخر في البحث، رأى أنّ الدراسة تُقوّي الأدلّة على الصلة بين البقعة الباردة وتراجع AMOC، لكنّه نبّه إلى أنّ شُحّ البيانات الميدانية يعني أنّ مجموعات البيانات المتاحة "يُحسن النظر إليها باعتبارها تقريباتٍ جيّدة لا تمثيلاً مثالياً للواقع". وأكّد أنّ الغموض لا يزال قائماً، وأنّه "لا يعتقد أنّ هذه الدراسة ستكون الكلمة الأخيرة في المسألة".

Jonathan Baker، كبير علماء المناخ في المكتب الأرصادي البريطاني (UK Met Office)، أبدى موقفاً مماثلاً، قائلاً: "أنظر إلى هذه الدراسة باعتبارها إضافةً للأدلّة على مساهمة AMOC في البقعة الباردة، لا حسماً نهائياً للمسألة."

ما يمكن قوله بثقةٍ هو أنّ الأدلّة تتراكم، وأنّ الصورة تزداد وضوحاً حتّى لو ظلّت التفاصيل موضع نقاشٍ علمي مشروع. وفي علم المناخ، هذا التراكم التدريجي للأدلّة هو بالضبط ما يُحدّد الإشارة المناخية الحقيقية.

أخبار ذات صلة

Loading...
رجل يسحب الماء يدوياً من بئر عميق في كابل مع خلفية جبلية، يعكس أزمة ندرة المياه الجوفية في أفغانستان.

مدينة تواجه أزمة المياه: النهاية قد تكون قريبة أقرب مما يتوقّع السكان

تعاني كابل من أزمة مياه حادة تهدد ملايين السكان بسبب انخفاض المياه الجوفية والجفاف المستمر. اكتشف كيف تؤثر هذه الأزمة على الحياة اليومية في المدينة وكن جزءًا من الحل. اقرأ المزيد الآن!
مناخ
Loading...
باحثان يجريان دراسة ميدانية في منطقة حرائق غابات يلوستون، تظهر الأرض محترقة وجذوع أشجار متفحمة مع ضعف تجدد الأشجار بسبب الحرائق الشديدة.

حرائق الغابات الأمريكية تُعيد تشكيل المناظر الطبيعية.. ونقطة اللاعودة تقترب

تشهد غابات أمريكا تحوّلاً جذرياً بعد حرائق أشد حرارةً وأسرع انتشاراً، حيث تحل الشجيرات محل الأشجار القديمة. اكتشف كيف تؤثر هذه الظاهرة على المناخ ومستقبل الغابات. تابع القراءة لتعرف المزيد.
مناخ
Loading...
خريطة توضح مواقع العواصف المدارية والإعصارات النادرة في المحيط الأطلسي خلال موسم 2026 مع تأثير ظاهرة النينيو على نشاط الأعاصير.

النينيو يُوقف الأعاصير: هل يستمرّ الهدوء الأطلسي؟

شهد المحيط الأطلسي في سبتمبر الحالي ظاهرة نادرة بعدم تسجيل أي إعصار، نتيجة تأثير النينيو وقصّ الرياح القوي، ما قد يجعل موسم 2026 الأكثر استثنائية منذ 76 عاماً. اكتشف التفاصيل وكيف يؤثر ذلك على المناخ.
مناخ
Loading...
بطاريق تقف على جليد متصدع في القطب الجنوبي، مما يعكس تأثيرات الاحترار العالمي وذوبان الجليد القطبي على النظم البيئية البحرية.

العلماء يحذّرون من تحوّلاتٍ عميقة تجتاح محيطات الأرض

تشهد المحيطات ارتفاعاً قياسياً في امتصاص الحرارة مع تسارع ظاهرة النينيو، ما يهدد النظم البيئية ويدفع مستويات البحار للارتفاع. اكتشف كيف تؤثر هذه التغيرات على كوكبنا وكن جزءاً من الحل.
مناخ
الرئيسيةأخبارسياسةأعمالرياضةالعالمتكنولوجيااقتصادصحةتسلية