انهيار نهر كولورادو يهدد ملايين السكان والمزارع
منسوب المياه في بحيرتي Powell وMead ينخفض إلى أدنى مستوى تاريخي مهدداً حياة ملايين السكان والزراعة والطاقة في جنوب غرب أمريكا. أزمة نهر Colorado تكشف هشاشة المنظومة المائية وحاجة ملحة لاتفاق جديد. خَبَرَيْن

منسوب المياه المشترك في اثنين من أكبر خزّانات الولايات المتحدة بحيرة Powell وبحيرة Mead انخفض إلى مستوى قياسي تاريخي، في ما يصفه الخبراء بأنّه لحظةٌ فارقة في أزمة نهر Colorado، تُهدّد منظومةً مائية تُغذّي عشرات الملايين من السكّان.
في 12 يوليو، سجّلت بحيرة Powell ارتفاعاً بلغ 3,524 قدماً، فيما كانت بحيرة Mead عند ما دون 1,043 قدماً بقليل، متجاوزتَين بذلك الرقم القياسي الذي سُجّل في مارس 2023، وفق تحليل نشره خمسة خبراء متخصّصين في نهر Colorado الأسبوع الماضي. معاً، لم تبلغ البحيرتان هذا المستوى المنخفض منذ عام 1957، حين كان سدّ Glen Canyon لا يزال قيد الإنشاء، قبل أن تُوجَد بحيرة Powell أصلاً.
وصف Jack Schmidt، مدير مركز دراسات نهر Colorado في جامعة Utah State وأحد مؤلّفي التحليل، ما يجري بأنّه "محطّةٌ بارزة في تاريخ تخزين المياه في حوض نهر Colorado"، مضيفاً أنّ الرقم القياسي يكشف "خطورة الكميّة الضئيلة بشكل غير مسبوق من المياه المخزّنة حالياً في خزّانات الحوض".
نهر Colorado هو شريان الحياة للمنطقة الجنوبية الغربية من الولايات المتحدة؛ يروي أكثر من 5 ملايين فدّان من الأراضي الزراعية، ويُولّد طاقةً كهربائية كافية لتغذية نحو 700,000 منزل، ويُمدّ 40 مليون شخص بالمياه.
ينبع هذا النهر الممتدّ على طول 1,400 ميل من جبال Rocky، مُغتذياً بذوبان الثلوج المتراكمة. يتدفّق عبر سبع ولايات، مالئاً بحيرتَي Powell وMead في طريقه نحو خليج كاليفورنيا. وتحتجز البحيرتان اللتان تُشكّلان في جوهرهما خزّاناً ضخماً واحداً يفصل بينهما Grand Canyon ما يقارب 60% من إجمالي المياه المخزّنة في الحوض.
تقلّص نهر Colorado بوتيرةٍ متسارعة خلال الخمسة والعشرين سنة الماضية، مع تصاعد الطلب على المياه في ظلّ تغيّر المناخ الذي أفضى إلى طقسٍ أكثر حرارةً وجفافاً وتراجعٍ ملحوظ في الغطاء الثلجي. واليوم، تعاني 95% من مساحة الحوض من الجفاف.
لم يكن الشتاء الماضي عاديًا؛ إذ شهد غرب الولايات المتحدة أحد أجفّ فصول الشتاء وأشدّها دفئاً في السجلّات المناخية، ممّا أفضى إلى شحٍّ حادّ في الغطاء الثلجي. والثلوج المتراكمة تعمل كخزّانٍ طبيعي للمياه، وغيابها يُلقي بثقله مباشرةً على الخزّانات.
واصل منسوب البحيرتين انخفاضه منذ تسجيل الرقم القياسي الأسبوع الماضي. فبحيرة Powell، التي لا تتجاوز طاقتها الحالية 23%، تُسجّل أدنى مستوى لها في يوليو منذ بدء التسجيل، وقد تبلغ أدنى مستوياتها على الإطلاق في غضون الشهر المقبل وفق معدّلات الانخفاض الراهنة. أمّا بحيرة Mead فلا تتجاوز طاقتها 27%، وتبعد أقلّ من قدمٍ واحدة عن مستواها القياسي الأدنى المسجَّل في يوليو 2022.
يتوقّع الباحثون أن تُسجّل بحيرتا Mead وPowell رقماً قياسياً جديداً في الانخفاض المشترك كلّ يومٍ من الآن حتى الربيع المقبل، حين تبدأ مياه ذوبان الثلوج الشتوية في تغذية الخزّانات من جديد.
وبحسب تقريرٍ صدر في يوليو عن مكتب الاستصلاح الأمريكي (Bureau of Reclamation)، قد ينخفض منسوب بحيرة Powell بحلول ربيع 2027 إلى ما يُعرف بـ"الحدّ الأدنى لتوليد الطاقة" (minimum power pool)، أي المستوى الذي لن يتمكّن عنده السدّ من توليد الكهرباء المائية.
وصف متحدّث باسم المكتب هذا التقرير بأنّه "يُسلّط الضوء على الهشاشة المستمرّة لمنظومة نهر Colorado، ويُؤكّد الحاجة الملحّة إلى تحديث الإرشادات والإجراءات التشغيلية".
الأمر قد يزداد سوءاً، وفق ما يقوله الخبراء. قالت Sarah Porter، مديرة مركز Kyl لسياسة المياه في جامعة Arizona State: "المستويات المنخفضة للخزّانات إشارةٌ صارخة إلى أنّ المنظومة على حافّة الانهيار، بمعنى أن تنخفض المياه إلى حدٍّ لا يمكن معه ضخّها أو توزيعها."
وقد يُلقي هذا الواقع بظلاله على المفاوضات الشائكة الجارية بين الولايات السبع حول كيفية تقاسم مياه نهر Colorado المتضائلة.
بموجب اتفاقية نهر Colorado المبرمة عام 1922، تحصل الولايات الأربع في الحوض الأعلى Colorado وNew Mexico وUtah وWyoming على 7.5 ملايين أكر-قدم من المياه سنوياً، فيما تُخصَّص كميّةٌ مماثلة لثلاث ولايات الحوض الأدنى California وArizona وNevada.
تقلّص النهر يعني أنّ الولايات ستضطرّ إلى القبول بحصصٍ أقلّ، غير أنّ آليات تطبيق ذلك لم تُحسم بعد. وقد مرّ الموعد النهائي الذي حدّدته الحكومة الفيدرالية في فبراير دون التوصّل إلى اتفاق.
وصفت Porter المفاوضات بأنّها بالغة التعقيد؛ إذ تُطلب من الولايات "الموافقة على تخفيضاتٍ جذرية واعتماد استراتيجيات إدارية جديدة ومعقّدة، ثمّ العودة إلى مستوياتها المحلية لإقناع مستخدمي المياه وصانعي القرار بها". بيد أنّها أضافت أنّ "الرقم القياسي الجديد قد يكون عاملاً مُحفِّزاً".
يوم الثلاثاء، عقد وزير الداخلية Doug Burgum اجتماعاً افتراضياً مع حكّام الولايات السبع المطلّة على الحوض لبحث أوضاع نهر Colorado. وفي بيانٍ أصدره عقب الاجتماع، أثنى على الحكّام "لقيادتهم والتزامهم بإيجاد حلول لمعالجة أوضاع الجفاف"، مؤكّداً أنّ "وزارة الداخلية تواصل تركيزها على وضع إطار تشغيلي جديد".
وأعلن مكتب الاستصلاح أنّه سيُصدر إرشادات تشغيلية جديدة في الأسابيع المقبلة، "توفّر إطاراً متيناً لإدارة عمليات النهر مستقبلاً والتعامل مع التحدّيات القادمة".
ثمّة بصيصٌ من الأمل؛ إذ قد يبدأ الجفاف في التراجع خلال الخريف والشتاء بفعل ظاهرة El Niño، التي تميل إلى إحضار أمطارٍ وثلوجٍ أكثر وفرةً إلى المنطقة الجنوبية الغربية.
لكنّ الخبراء يرون أنّ ذلك يستبعد أن يُفضي إلى تحسّنٍ جوهري على المدى البعيد. قالت Porter من جامعة Arizona State: "حتى لو كان الغطاء الثلجي هذا الشتاء قياسياً، فلن يكفي لإخراجنا من منطقة الخطر."
وشدّد Schmidt على ضرورة اتّخاذ إجراءاتٍ فورية، من بينها ضخّ استثمارات كبيرة لرفع كفاءة استخدام المياه في الزراعة وضمان زراعة المحاصيل الملائمة في المناطق الملائمة لها.
وختم Schmidt بقوله: "أخشى أن يبقى الأمل كبيراً في أن يُنقذنا الغطاء الثلجي الشتوي المقبل. الأمل والدعاء ليسا منهجاً لإدارة منظومة مائية وطنية."
أخبار ذات صلة

انخفاض تاريخي لخزانات كولورادو يفرض تخفيضات حادة على ثلاث ولايات

أوروبا تحت الحرّ الشديد.. يوروستار تطلب قطاراً يتحمّل 55 درجة مئوية

موجات حرّ قاسية تضرب أوروبا والولايات المتحدة: نموذج مبكّر للمستقبل
