تفاؤل حذر حول اتفاق نووي مع إيران
موجة من التفاؤل تجتاح السياسة الأمريكية مع اقتراب اتفاق مع إيران. لكن هل سيكون هذا الاتفاق حلاً حقيقياً أم مجرد خطوة أولى؟ تعقيدات البرنامج النووي الإيراني لا تزال تشكل تحدياً كبيراً. اكتشف التفاصيل مع خَبَرَيْن.

-ثمّة موجةٌ من التفاؤل تجتاح أروقة السياسة الأمريكية هذه الأيام: اتفاقٌ مع إيران بات أقرب مما كان عليه في أيّ وقتٍ مضى. والمفارقة أنّ هذه المرّة لا يقتصر التفاؤل على ما يدور في ذهن الرئيس Donald Trump وحده، بل إنّ وزير الخارجية الإيراني نفسه أقرّ بأنّ التوصّل إلى اتفاقٍ "لم يكن أقرب من أيّ وقتٍ مضى."
غير أنّ ثمّة ما ينبغي قوله بوضوح قبل الاسترسال في هذا التفاؤل: حتى لو صحّت الإشارات الإيجابية، فإنّ ما هو مطروحٌ على الطاولة ليس اتفاقَ سلامٍ بالمعنى الكامل للكلمة. إنّه خطوةٌ أولى في مسارٍ طويل ومعقّد، وما جرى حتى الآن كان على الأرجح الجزءَ الأيسر من الرحلة. ما يليه أشدّ وطأةً وأكثر تعقيداً.
الاتفاق المرحلي المطروح يقوم على معادلةٍ بسيطة في ظاهرها: تتفاهم الطرفان على النقاط الأقلّ إشكاليةً كإنهاء إيران تضييقَها على مضيق هرمز ورفع الحصار الأمريكي المقابل مع تحديد مهلة 60 يوماً وجدول أعمال للتفاوض على المسائل الأكثر تعقيداً. بيد أنّ الإدارة الأمريكية تتحدّث عن تنازلاتٍ إيرانية كبرى، فيما تروي وسائل الإعلام الإيرانية نسخةً مغايرةً تماماً من ملامح الاتفاق المحتمل.
وقد جاء صباح الجمعة ليُجسّد هشاشة المشهد: بعد أن نشرت وسائل إعلامٍ مرتبطة بالحكومة الإيرانية تفاصيلَ اتفاقٍ محتمل بدا مواتياً لطهران، انفجر Trump غاضباً واصفاً القيادة الإيرانية بأنّها "أناسٌ بالغو الخيانة في التعامل"، مؤكّداً أنّه "لا وجود لشيءٍ اسمه حسن النية في التعامل معهم."
فما هي إذن نقاط الخلاف الجوهرية التي يسعى Trump إلى حسمها مع طرفٍ يصفه بعدم الأمانة؟ ولماذا قد يجد صعوبةً في تسويق أيّ اتفاقٍ نهائي للرأي العام الأمريكي بوصفه إنجازاً حقيقياً؟
تفكيك البرنامج النووي الإيراني
هذه هي القضية الأكثر أهميةً في أيّ اتفاقٍ محتمل، وهي في الوقت ذاته الأكثر تشعّباً وتعقيداً.
تُلمّح الإدارة الأمريكية إلى أنّ إيران وافقت على تفكيك برنامجها النووي والالتزام "إلى أجلٍ غير مسمّى" بعدم امتلاك سلاحٍ نووي. لكن حتى لو صحّ ذلك، فإنّ التفاصيلَ المتعلّقة بآليات التنفيذ وضمانات الالتزام مستقبلاً هي جوهر المسألة وهي بالضبط ما تحوّل في السابق إلى نقطة خلافٍ محورية. ولن يكون حسمُها أمراً يتمّ في أيامٍ معدودة.
أشار مسؤولٌ رفيع في الإدارة الأمريكية يوم الجمعة إلى "نظام تفتيشٍ جديد"، لكنّ التفاصيل لا تزال شحيحة. والسؤال المطروح هنا: هل ستتخلّى إيران عن برنامجها النووي بالكامل، بما فيه ما يُدّعى أنّه مخصّصٌ للأغراض المدنية؟ أم ستكتفي بالالتزام بعدم تخصيب اليورانيوم فوق مستوىً معيّن، ما يحول نظرياً دون حصولها على يورانيوم بدرجة أسلحة؟
يبدو من تصريح المسؤول يوم الجمعة أنّ الخيار الثاني هو الأرجح، إذ قال صراحةً إنّ الإدارة "لا تمانع البتّة فكرة محطات الطاقة المدنية في إيران."
والأهمّ من ذلك: كيف ستتحقّق هيئات التفتيش من التزام إيران بأيّ اتفاق؟
يُضخّم Trump فكرة أنّ التزام إيران بعدم بناء سلاحٍ نووي يُمثّل انتصاراً كبيراً. لكنّ الحقيقة أنّ إيران تؤكّد منذ سنواتٍ طويلة أنّها لا تسعى إلى ذلك أصلاً. فالمسألة الحقيقية تكمن في آليات ضمان الامتثال، لا في الإعلان عن النوايا.
يُضاف إلى ذلك أنّ Trump مُلزَمٌ بأن يُثبت للرأي العام الأمريكي أنّ هذا الاتفاق يتفوّق على الاتفاق الذي أبرمته إدارة Barack Obama، الذي لم يتوقّف عن وصفه بالضعف والقصور. وذلك الاتفاق كان يتضمّن قيوداً على تخصيب اليورانيوم وآليةً للتحقّق من الامتثال عبر الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
العقبة الكبرى هنا أنّ كثيراً من الصقور في الحزب الجمهوري يرون أنّ طهران لا يمكن الوثوق بها في الالتزام ببنود أيّ اتفاق. وتصريحات Trump يوم الجمعة عن عدم موثوقية إيران تُعمّق هذا الإشكال بدلاً من أن تُخفّفه.
اليورانيوم عالي التخصيب
يُشكّل اليورانيوم المخصَّب مسبقاً إشكاليةً قائمةً بذاتها. طالبت الإدارة الأمريكية بتسليمه، لكنّه مدفونٌ في أعماق الأرض عقب الغارات الجوية الأمريكية التي شُنّت قبل نحو عام.
وقد أشار Trump مراراً وبصورةٍ لافتة إلى احتمال ألّا تتمكّن الولايات المتحدة في نهاية المطاف من الحصول على تلك المواد، مُلمّحاً إلى إمكانية "تحصين" المواقع ومراقبتها عسكرياً. وقال في أحد تصريحاته في أبريل: "إنّه عميقٌ جداً تحت الأرض، لا يُقلقني ذلك."
وثمّة حديثٌ أيضاً عن إمكانية "تخفيف تخصيب" اليورانيوم بحيث لا يبقى عالي التخصيب، مع إبقائه في إيران بوصفه وقوداً.
وأكّد المسؤول الرفيع يوم الجمعة أنّ الاتفاق المرحلي يتضمّن "تدمير اليورانيوم في موقعه ثمّ إخراجه من البلاد"، لكنّه أقرّ بأنّ الأمر "سيستغرق بعض الوقت لتحديد" كيفية تحقيق ذلك بدقّة.
يصعب تصوّر كيف يستطيع Trump تقديم هذا الملفّ بوصفه انتصاراً كبيراً دون الحصول فعلياً على اليورانيوم المخصَّب الذي تمتلكه إيران.
الأصول الإيرانية المجمّدة
هنا تحديداً قد يُثقل Trump خطابُه القديم كاهلَه.
في عام 2016، أطلق Trump ورفاقه الجمهوريون هجوماً حاداً على إدارة Obama بسبب تسليمها إيران 400 مليون دولار نقداً في صفقةٍ مرتبطة بالإفراج عن رهائن والاتفاق النووي. صحيحٌ أنّ المبلغ لم يكن هبةً بالمعنى الحرفي، بل جاء لتسوية مطالباتٍ أمام محكمة تحكيمٍ دولية في لاهاي تتعلّق بصفقة أسلحة فاشلة عام 1979. لكنّ الصورة كانت كارثية، وادّعى Trump وآخرون أنّ المال سيُوظَّف لتمويل الإرهاب. (وكان ذلك المبلغ أوّل دفعةٍ من أصل 1.7 مليار دولار كانت مستحقّةً لإيران.)
أمّا اليوم، فتبدو إيران مُصرّةً على الإفراج عن مبلغٍ أضخم بكثير: 24 مليار دولار من أصولها المجمّدة.
حين تسرّبت أنباء احتمال الإفراج عن هذه الأصول في أبريل، طمأن Trump الرأيَ العام قائلاً: "لن يتبادل أحدٌ أيّ أموالٍ بأيّ شكلٍ من الأشكال."
لكنّه ربّما يُمارس لعبةً لغوية، يُفرّق فيها بين تجميد الأصول ودفع النقد. ويبدو أنّ هذا هو الخطّ الدقيق الذي قد تسير عليه الإدارة، إذا ما قرأنا تغريدة نائب الرئيس JD Vance يوم الجمعة بتمعّن: أكّد Vance أنّ إيران لن تحصل على "نقد"، لكنّه أضاف أنّ "لا أموالَ ستُفرج عنها مقابل التوقيع على اتفاقٍ أو حضور اجتماع." وهذا الكلام يُلمّح ضمنياً إلى أنّ الأموال ستُفرج عنها في مرحلةٍ ما.
والمفارقة أنّ مبلغ عام 2016 كان هو الآخر أموالاً كان يُفترض أن تكون في حوزة إيران أصلاً. وبناءً على الخطوط الحمراء الإيرانية المُعلنة، يبدو أنّ الأموال ستكون جزءاً من أيّ اتفاق بصورةٍ أو بأخرى. وإن كان ذلك، فإنّ Trump يُعرّض نفسه لاتهاماتٍ مماثلة لتلك التي وجّهها لسلفه: أنّه يُسلّم إيران أموالاً قد تُوظَّف لتمويل الإرهاب.
إعادة فتح مضيق هرمز
في حين تبدو كثيرٌ من تفاصيل الاتفاق المحتمل مشابهةً لاتفاق Obama النووي، يُمثّل مضيق هرمز متغيّراً جديداً في هذه المعادلة.
فالحرب منحت إيران انتصاراً استراتيجياً لافتاً في هذا الملفّ: أثبتت قدرتها على إغلاق المضيق فعلياً والتأثير سلباً على الاقتصاد العالمي بأسره، وهو ورقةُ ضغطٍ بالغة الثقل.
السؤال الجوهري هنا لا يتعلّق بما إذا كانت إيران ستتخلّى عن سيطرتها الفعلية على المضيق في المرحلة الراهنة — فالإدارة الأمريكية ستطالب بذلك حتماً. السؤال الحقيقي هو: كيف يُعالج الاتفاق قدرةَ إيران على إغلاق المضيق مستقبلاً؟
إن ظلّت هذه المسألة دون معالجةٍ جدّية، وبدا الاتفاق في مجمله مشابهاً للاتفاق النووي الأوبامي، فسيكون من السهل على منتقدي Trump أن يُجادلوا بأنّ ما حصل عليه أدنى ممّا حصل عليه سلفه.
الجماعات الوكيلة لإيران
في بداية المواجهة، أعلن Trump ومن حوله أنّ من أبرز أهدافهم قطع تمويل إيران لجماعاتها الوكيلة كـحماس و حزب الله التي تُشيع الفوضى والإرهاب في المنطقة.
وحين ادّعى Trump قبل شهرين خطأً أنّ إيران وافقت على جميع مطالبه، قال إنّ ذلك شمل التزاماً بوقف دعم جميع الجماعات الوكيلة. ثمّ توقّف Trump وإدارته عن الحديث في هذا الملفّ بصورةٍ شبه كاملة.
أكّد مسؤولٌ رفيع في الإدارة يوم الجمعة أنّ إيران توافق على عدم تمويل الجماعات الإرهابية. لكن مرّةً أخرى حتى لو صحّ ذلك، فإنّ التفاصيل هي التي تصنع الفارق: ماذا يعني ذلك على أرض الواقع؟ وكيف يمكن التحقّق منه؟
وإن لم يحصل Trump على ضماناتٍ صلبة في هذا الملفّ، فسيعني ذلك أنّه أخفق في تحقيق واحدٍ من أبرز الأهداف الأربعة التي أعلنها في بداية المواجهة.
أخبار ذات صلة

الأحزاب السياسية الرئيسية في لبنان: دليل شامل

ستّ دول تفرض عقوبات على ممولي العنف الاستيطاني بالضفة الغربية

ترامب يعلن عن "مراحل أخيرة" لاتفاق سلام بينما يتجاوز عدد الشهداء في لبنان الثمانية
