انتخابات فلسطينية في ظل الاحتلال والتشرذم السياسي
يتوجه الفلسطينيون إلى صناديق الاقتراع في انتخابات محلية محدودة، وسط مشاعر متضاربة من السخرية والترقب. تعكس هذه الانتخابات واقع الحوكمة تحت الإكراه، وتكشف عن التشرذم الجغرافي والسياسي الذي يعيشه الشعب الفلسطيني. خَبَرَيْن.

في الخامس والعشرين من أبريل، يتوجّه الفلسطينيون إلى صناديق الاقتراع لانتخاب ممثّليهم في المجالس البلدية ومجالس القرى لولاياتٍ مدّتها أربع سنوات. تأتي هذه الانتخابات بعد سنواتٍ من التأجيل المتكرّر للانتخابات الوطنية، إذ لم تُجرَ أيّ انتخاباتٍ تشريعية منذ عام 2006.
في مدن الضفة الغربية المحتلّة كرام الله والبيرة ونابلس، تملأ لافتات المرشّحين المحلّيين الشوارع، فيما تنتشر صورهم في الفضاءات العامة بالقرى والبلدات.
تُحيط بهذه الانتخابات مشاعر متضاربة بين السخرية والترقّب الحذر، فقد باتت الآليةَ الانتخابية الوحيدة المتبقّية التي يستطيع الفلسطينيون من خلالها وإن بصورةٍ محدودة ممارسة شكلٍ من أشكال المشاركة السياسية.
غير أنّ هذه الانتخابات لا تُمثّل لحظةَ تجديدٍ ديمقراطي بقدر ما تعكس إعادةَ إنتاج الحوكمة تحت الإكراه. إنّها في آنٍ واحد أداءٌ مسرحيٌّ وكاشفٌ حقيقي: تُظهر كيف يُضطرّ الفلسطينيون، رغم الضغط المتواصل وغياب الاستقرار الاجتماعي والسياسي واستنزاف الموارد والتفتيت الممنهج الذي تفرضه إسرائيل، إلى تأكيد صمودهم من خلال البنى ذاتها التي تُقيّدهم.
يتجلّى هذا الواقع أيضاً في مكان إجراء هذه الانتخابات وفي مَن تشملهم. فالتصويت يجري في أرجاء الضفة الغربية المحتلّة، بينما يقتصر في غزة على بلديةٍ واحدة هي دير البلح، ممّا يكشف عمق التشرذم الجغرافي والسياسي الذي يُرغَم الفلسطينيون على التعامل معه.
تمثيلٌ بلا سيادة
السياق الفلسطيني سياقٌ غير ديمقراطي في جوهره، لا لمجرّد أنّ الفلسطينيين لم يُجروا انتخاباتٍ وطنية منذ ما يقارب عقدين، بل لأنّهم يخضعون لسلطةٍ قمعية لم يختاروها.
الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين، المدعوم من الولايات المتحدة والحكومات الغربية، يُحكم قبضته على كلّ جانبٍ من جوانب الحياة الفلسطينية ويُديرها بالقوّة. أن تعيش في فلسطين يعني أن تُفصَل قسراً عن أبناء شعبك، وأن تعيش رهينةً تحت التهديد الدائم بالاعتقال والاحتجاز بسبب أفكارك السياسية ومشاركتك العامة، وأن تجد نفسك في حالةٍ دائمة من الطوارئ في ظلّ التمدّد الاستيطاني المتصاعد. هذا الواقع لا يترك سوى هامشٍ ضيّق للتطوّر السياسي الحقيقي والفعّال.
في غزة، يُمارَس الاحتلال الإسرائيلي بالقنابل والرصاص. أمّا في الضفة الغربية المحتلّة، فيعمل عبر القوّة العسكرية في آنٍ واحد، ومن خلال شبكةٍ كثيفة من السياسات والهياكل القانونية المُنفَّذة بعنفٍ ممنهج.
في هذا الواقع، لا تُتّخذ أيّ سياسةٍ أو قرارٍ سياسي رسمي دون الحصول على موافقة إسرائيلية. وقد اضطرّ الفلسطينيون لسنواتٍ إلى مشاهدة قيادتهم تنخرط في أعمال تتّسم بالخيانة والتعاون المباشر مع إسرائيل.
يعود ذلك إلى بنية السلطة الفلسطينية التي أُسِّست بموجب اتفاقيات أوسلو، وقد صُمِّمت لا لخدمة التحرّر الوطني الفلسطيني، بل لإدارة الحياة اليومية في ظلّ الاحتلال وامتصاص المقاومة الفلسطينية ضمن أُطرٍ مؤسسية قابلة للمراقبة والاحتواء.
وبذلك، خفّفت السلطة الفلسطينية فعلياً من تكاليف الاحتلال على إسرائيل، بتولّيها مسؤولياتٍ تقع بموجب القانون الدولي على عاتق القوّة المحتلّة.
في الوقت ذاته، لم تكتفِ إسرائيل بالإبقاء على احتلالها، بل وسّعته جغرافياً وكثّفته عسكرياً حتى بلغ حدّ الإبادة الصريحة.
تمثيلٌ لمن: واقعٌ جيوسياسي ممزّق
شاهد ايضاً: خمسة شهداء أثر غارة إسرائيلية بينهم ثلاثة أطفال
تكشف هذه الانتخابات المحلّية عن تداعيات الحملة الإسرائيلية المتواصلة لتفتيت الحياة الفلسطينية جغرافياً وتمزيقها على مدى السنوات الخمس الماضية.
تُجرى هذه الانتخابات في 420 هيئةً محلّية، ويبلغ عدد الناخبين المؤهّلين أكثر من مليون شخص. بيد أنّ غزة مُستثناةٌ في معظمها، فيما يعجز الفلسطينيون من حاملي الجنسية الإسرائيلية وهويّات القدس عن المشاركة، إذ يظلّون خاضعين للحوكمة الإسرائيلية. ويُضاف إلى ذلك أنّ أكثر من نصف الشعب الفلسطيني يعيش في الشتات والمنفى القسري.
ونتيجةً لذلك، يُحرَم الغالبية العظمى من الفلسطينيين من هذا المسار الأخير للمشاركة السياسية. حتى داخل الضفة الغربية المحتلّة، تبقى جغرافية التصويت ذاتها مُمزَّقة.
شاهد ايضاً: إجراءات الاستيقاف في أعالي البحار قد تعمّق الفجوة أمام محادثات السلام الأمريكية الإيرانية
فالحواجز الإسرائيلية والإغلاقات المتقطّعة والمداهمات على البلدات والقرى، إلى جانب العنف الاستيطاني المتصاعد وتوسّع المستوطنات، لا تُقيّد حرّية التنقّل اللازمة للحملات الانتخابية والتنظيم والحوكمة فحسب، بل تُعيد رسم ملامح الأرض ذاتها باستمرار.
في هذا السياق، تظلّ صلاحيات الممثّلين المنتخَبين وولايتهم وقدراتهم في حالةٍ من التغيّر الدائم. وتنحصر الأدوار المتنافَس عليها في الحفاظ على أُطرٍ مؤسسية تعكس أولوياتٍ خارجية لا فلسطينية.
فضلاً عن ذلك، تجدر الإشارة إلى أنّ هذه الانتخابات مقتصرةٌ على فصيلٍ سياسي واحد هو حركة فتح التابعة للسلطة الفلسطينية. ويعود ذلك في المقام الأوّل إلى القمع السياسي الذي تمارسه كلٌّ من إسرائيل والسلطة الفلسطينية، واللتان شدّدتا خلال العامين الماضيين قبضتهما على الفلسطينيين المنتمين إلى فصائل سياسية أخرى. بل إنّ المنتمين إلى فتح أنفسهم يعملون ضمن بنيةٍ مُصمَّمة لاسترضاء المصالح الإسرائيلية.
بدلاً من التمثيل الحقيقي، لا يُقدَّم للفلسطينيين سوى إيماءاتٍ رمزية في معظمها. ما يحتاجونه فعلاً هو جسمٌ حامٍ: قادرٌ على التصدّي للهجمات الاستيطانية المتصاعدة التي تحصد أرواحاً فلسطينية بمعدّلاتٍ غير مسبوقة، وغير مقيَّدٍ بالقوانين والسياسات الإسرائيلية التمييزية والقمعية.
انتخاباتٌ لاسترضاء الغرب
بالنسبة للفلسطينيين، تشهد هذه الانتخابات على قدرتهم على الصمود والتفاوض ضمن هوامش الحكم الذاتي المتضيّقة باستمرار.
في أعقاب اتفاقيات أوسلو، لم تُعفَ إسرائيل فحسب من التزاماتها تجاه الشعب الفلسطيني المحتلّ، بل أُوهِم الفلسطينيون أيضاً بوهمٍ من صنع تلك الاتفاقيات: شكلٌ خارجي لدولةٍ بلا مضمون، يُبقي الفلسطينيين في حالةٍ مطوّلة من الشلل السياسي.
دأبت القيادات الغربية على إلقاء المسؤولية على الفلسطينيين بسبب إخفاقهم في بناء حوكمةٍ ديمقراطية. وطالما طالبت الهيئات الدولية بإجراء انتخابات، دون أن تُقرّ ولو مرّةً واحدة بالقيود والعراقيل والانتهاكات التي تفرضها إسرائيل. والأدهى من ذلك غياب أيّ اعترافٍ بالشروط اللازمة للتحرّر الفلسطيني التي تُتيح بناء إطار حوكمةٍ يُجيب على الاحتياجات الفلسطينية لا على مصالح إسرائيل وحلفائها الغربيين.
في هذا السياق، لا ينبغي إسقاط هذه الانتخابات باعتبارها عديمة المعنى. معناها يكمن في مكانٍ آخر: فهي لا تعكس التعبير الحرّ عن الإرادة الجماعية، لكنّها تُجسّد تفاوضاً واعياً مع القيود المفروضة من الخارج.
تُجرى هذه الانتخابات في سياقٍ من التطهير العرقي الممنهج والتقسيم الذي تفرضه إسرائيل والإبادة الجارية. وهي تُظهر أنّ الفلسطينيين، في غياب التواصل الجغرافي، يسعون إلى الحفاظ على شكلٍ من أشكال الاستمرارية المؤسسية، حتى وإن ظلّت المؤسسة ذاتها مُقيَّدةً في جوهرها.
إنّها تعكس إرادةً على صون الحياة السياسية والمؤسسية في ظلّ الاحتلال، في عالمٍ كثيراً ما ينظر إلى الفلسطيني باعتباره ميّتاً أو عاجزاً.
أخبار ذات صلة

الحاخام المتهم بجرائم حرب يُختار لقائمة الاحتفالات الوطنية الإسرائيلية

الجامعات البريطانية تعاقدت مع شركة أمنية لمراقبة الطلاب المؤيدين لفلسطين

وزراء إسرائيليون يحتفلون بإعادة تأسيس مستوطنة سانور بالضفة الغربية
