خَبَرَيْن logo

أربعاء الموت في لبنان بين المدنيين والمقاتلين

شهد لبنان "الأربعاء الأسود" مع هجمات إسرائيلية عشوائية أسفرت عن مئات الضحايا، بينهم مدنيون. تتزايد الشكوك حول الرواية الإسرائيلية، بينما يستمر الصراع في تدمير مناطق آمنة. اكتشف المزيد عن هذه الأحداث المروعة على خَبَرَيْن.

رجال إنقاذ يحيطون بشاب مصاب، مغطى بالدماء، بعد الهجمات الإسرائيلية في لبنان، حيث تظهر علامات الفوضى والذعر في المشهد.
رجل نجا من غارة جوية إسرائيلية يتم إنقاذه بواسطة رجل إطفاء من مبنى مدمر في وسط بيروت، لبنان، في 8 أبريل 2026.
شارك الخبر:
FacebookTwitterLinkedInEmail

كان أحمد حمدي، البالغ من العمر 22 عاماً، جالساً على أريكته في منزله بحيّ تلّة الخيّاط ببيروت، بعد ساعاتٍ من إطلاق إسرائيل أكثر من 100 هجوم في أقلّ من 10 دقائق على مناطق متفرّقة من لبنان.

ثمّ سمع ما وصفه بالصوت "الذي يعجز اللسان عن وصفه"؛ صوت صاروخ. قفز أحمد عن الأريكة فيما تناثر الزجاج من حوله في المبنى قبل أن تتوالى الصواريخ.

أعمدة الغبار حجبت المشهد من شرفة شقّته في الطابق الرابع. حين انقشع الدخان، رأى المبنى المواجه مباشرةً لشقّته وقد تحوّل إلى ركامٍ من الأنقاض.

التفت إلى الأريكة التي كان يجلس عليها. في لحظةٍ ما بين الانفجار الثاني والرابع، اخترقت شظايا المقعدَ في الموضع ذاته الذي كان صدره فيه حين ضرب الصاروخ الأوّل.

قال أحمد: "حين تفكّر في تلّة الخيّاط، تشعر أنّها منطقة آمنة ومطمئنة. لم يكن أحدٌ يتوقّع أن يحدث شيءٌ كهذا".

هجماتٌ عشوائية

بات الثامن من أبريل يُعرف في لبنان بـ"الأربعاء الأسود". خلّفت الهجمات الإسرائيلية في ذلك اليوم ما لا يقلّ عن 357 شهيداً في أنحاء البلاد. وادّعت إسرائيل أنّها قتلت 250 عنصراً من حزب الله. ولا يزال التوزيع الدقيق بين المدنيين والمقاتلين غير محسوم، غير أنّ مصادر عديدة تحقّق في ضحايا ذلك اليوم أفادت بأنّ الهجمات بدت في أحسن الأحوال عشوائية، وفي بعض الحالات ربّما ارتقت إلى مستوى الاستهداف المباشر للمدنيين. وقد وصف خبراء الأمم المتحدة هجمات الثامن من أبريل بأنّها "عشوائية".

قال رمزي قيس، الباحث في لبنان لدى Human Rights Watch: "الأسلوب الذي جرت به الهجمات في منتصف النهار، بعشرات الضربات المتزامنة ودون أيّ إنذار مسبق وفي حضور مدنيين، يكشف عن تهوّرٍ في السلوك العسكري الإسرائيلي".

في الثاني من مارس، صعّدت إسرائيل حربها على لبنان للمرّة الثانية في أقلّ من عامين. وكان حزب الله قد ردّ في وقتٍ سابق من ذلك اليوم على الهجمات الإسرائيلية شبه اليومية على لبنان للمرّة الأولى منذ ديسمبر 2024، وذلك رداً على اغتيال الولايات المتحدة وإسرائيل للمرشد الإيراني الأعلى آية الله علي خامنئي.

كما اجتاحت إسرائيل جنوب لبنان، حيث عمدت إلى تدمير ممنهج للبلدات والقرى في ما وصفه خبراء — وبعض المسؤولين الإسرائيليين أنفسهم — بأنّه مسعىً لإنشاء "منطقة عازلة" غير صالحة للسكن على طول الحدود.

قال باسل دويك، الباحث في لبنان لدى مرصد بيانات مواقع النزاعات المسلّحة وأحداثها ACLED: "جزءٌ من الاستراتيجية العسكرية الإسرائيلية هو إنشاء منطقة عازلة وأرضٍ لا أحد فيها. ما تفعله إسرائيل في جنوب لبنان هو إنشاء منطقة عازلة متعدّدة الطبقات داخل الأراضي اللبنانية، ولهذا تهدم المنازل في البلدات الحدودية".

ولم تتوقّف إسرائيل عن مهاجمة لبنان منذ أكتوبر 2023، وقد انتهكت وقف إطلاق النار المُبرم في نوفمبر 2024 أكثر من 10,000 مرّة وفق الأمم المتحدة، إذ تتركّز معظم هجماتها على جنوب لبنان والبقاع في الشرق.

شكوكٌ حول الرواية الإسرائيلية

نفّذت إسرائيل 100 غارة جوية وأسقطت أكثر من 160 قنبلة في أنحاء لبنان يوم الثامن من أبريل، وفقاً لـ ACLED.

وادّعت إسرائيل أنّ الهجمات استهدفت مقرّات حزب الله ومراكز القيادة والسيطرة والتشكيلات العسكرية وأصول وحدة سلاح الجوّ وقوّة الرضوان النخبوية.

كان حزب الله قد توقّف في سبتمبر 2024 عن الإفصاح عن ملابسات مقتل عناصره. وينظّم الحزب بعض مراسم الجنازات العلنية للمقاتلين الذين يسقطون في معارك جنوب لبنان، إلّا أنّ التحقّق من الأعداد الدقيقة للقتلى يبقى أمراً عسيراً، ممّا يجعل إثبات الرواية الإسرائيلية أو دحضها أمراً بالغ الصعوبة.

بيد أنّ الجهات المحقّقة في هجمات الثامن من أبريل أفادت بأنّ المعطيات المتاحة تُلقي بظلالٍ من الشكّ على الرواية الإسرائيلية. وأشار محلّلو ACLED إلى أنّهم لا يزالون يتحقّقون من أعداد الضحايا، لكنّ المؤشّرات الأوّلية تكشف أنّ عدداً محدوداً فحسب من الضحايا المعروفين كانوا أعضاء في حزب الله.

قالت غيدا فرنجية، المحامية اللبنانية والباحثة في منظّمة Legal Agenda، وهي منظّمة بحثية ومناصراتية غير ربحية مقرّها بيروت: "لقي 101 امرأةٍ وطفلٍ حتفهم في الثامن من أبريل. كي يكون رقم الـ 250 صحيحاً، يعني ذلك أنّ كلّ رجلٍ قُتل كان مقاتلاً في حزب الله. وهذا غير صحيح، إذ تمكّنّا من توثيق مقتل عددٍ من الرجال المدنيين خلال هذه الهجمات".

ونقلت وسائل الإعلام اللبنانية تفاصيل عن عددٍ من الضحايا الذين قتلتهم إسرائيل في الثامن من أبريل، من بينهم موظّفون في مطاعم محلية، ومعلّمون، وشاعر، وصحفيون، وجنودٌ لبنانيون، وعضوٌ في حزبٍ سياسي يمثّل الطائفة الدرزية.

وفي بعض الحالات، أبادت الغارات الإسرائيلية عائلاتٍ بأكملها. فقد لقي سبعة أفراد من عائلة ناصر الدين حتفهم في هرمل بشمال شرق لبنان يوم الثامن من أبريل وفق ما أُفيد. كما قُتلت ثلاثة أجيال من عائلة حاوي النازحة، من بينهم ثلاثة أطفال، في حيّ الجناح المتاخم لبيروت.

إسرائيل "تشعر بتشجيعٍ على مواصلة" انتهاكات القانون الدولي

حتى لو كانت أهدافٌ تابعة لحزب الله موجودةً في جميع المواقع التي استُهدفت يوم الثامن من أبريل، فإنّ الباحثين يرون أنّ الهجمات ينبغي أن تُصنَّف عشوائية على أيّ حال. وبينما قد يظلّ ثمّة جدلٌ حول الأرقام الدقيقة للمقاتلين مقابل المدنيين بين القتلى، فإنّ القانون الإنساني الدولي يُلقي عبء الإثبات على عاتق الجيش المهاجم.

قالت ريّنا وهبي، منسّقة حملات لبنان في Amnesty International: "القانون الإنساني الدولي صريح: يجب على القوّات المسلّحة أن تميّز في جميع الأوقات بين المدنيين والأهداف العسكرية. حتى حين يكون ثمّة هدفٌ عسكري مشروع، وتفادياً للهجمات العشوائية أو غير المتناسبة أو غير المشروعة، يتعيّن على الأطراف احترام مبدأ الحيطة، وبذل كلّ ما هو ممكن للتحقّق من أنّ الأهداف هي أهدافٌ عسكرية، وتقييم التناسب في الهجمات، ووقفها إذا تبيّن أنّها موجّهة بشكلٍ خاطئ أو غير متناسبة".

على مدى السنتين ونصف الماضيتين، انتهكت إسرائيل بصورةٍ متكرّرة قوانين الحرب في لبنان وغزّة، من خلال الهجمات العشوائية على المدنيين، واستهداف المسعفين والصحفيين، واستخدام الفسفور الأبيض. ومع ذلك، يرى الخبراء أنّ احتمال مساءلة إسرائيل يبقى ضئيلاً.

قال قيس من Human Rights Watch: "لا يوجد أيّ رادع للجيش الإسرائيلي يمنعه من ارتكاب الانتهاكات في لبنان. فعقب الجرائم ضدّ الإنسانية في غزّة، كان بإمكان الدول تعليق مبيعات الأسلحة فوراً، ووقف عبور الأسلحة عبر المطارات، وفرض عقوباتٍ مستهدفة على المسؤولين، وكان بإمكان الولايات المتحدة وغيرها تعليق صفقات الأسلحة، لكنّ شيئاً من ذلك لم يحدث".

وأشار قيس إلى أنّ بإمكان لبنان أيضاً أن يمنح المحكمة الجنائية الدولية (ICC) صلاحية التحقيق في جرائم إسرائيل في لبنان ومحاكمتها عليها، علماً بأنّ لبنان ليس عضواً فيها حالياً. وكانت المحكمة قد أصدرت مذكّرتَي اعتقال بحقّ رئيس الوزراء الإسرائيلي Benjamin Netanyahu ووزير الدفاع السابق Yoav Gallant بتهم جرائم حرب وجرائم ضدّ الإنسانية في غزّة.

وقد توقّفت الهجمات على بيروت مؤقّتاً منذ إعلان الرئيس الأمريكي Donald Trump وقف إطلاق النار في لبنان في السادس عشر من أبريل. غير أنّ الحرب تتواصل في جنوب لبنان مع استمرار إسرائيل في قتل المدنيين بمن فيهم عمّال الإنقاذ. وقد بدأت إسرائيل ولبنان في الانخراط في مفاوضات مباشرة رغم اعتراض حزب الله، في ما تأمل الدولة اللبنانية أن يُفضي إلى وضعٍ حدٍّ لهجمات إسرائيل واحتلالها لجنوب لبنان.

لكن على أرض الواقع، يبقى الرادع والمساءلة عن الجرائم الإسرائيلية بحقّ المدنيين شبه غائبَين.

قال قيس: "لم يحدث هذا في السنتين الماضيتين، لذا يشعر الجيش الإسرائيلي على الأرض بأنّه مُشجَّعٌ على المضيّ قُدُماً".

أخبار ذات صلة

Loading...
دخان كثيف يتصاعد من مطار الملك خالد الدولي بالرياض بعد هجوم صاروخي للحوثيين تسبب في أضرار وخسائر بشرية.

هجوم على مطار سعودي يوقع قتلى وحوثيون يحذرون من صراع مستمر

تصاعدت الهجمات الحوثية على مطار الملك خالد بالرياض، ما تسبب في خسائر بشرية وأضرار مادية كبيرة. اكتشف تفاصيل التصعيد وتأثيره على الأمن السعودي واستعد للمزيد من التغطية الحصرية. اقرأ الآن!
الشرق الأوسط
Loading...
ناقلات نفط عالقة في مياه هادئة وسط ضباب كثيف قبالة سواحل، تعكس تأثير العقوبات الأمريكية على صادرات النفط الإيراني وحصار الملاحة البحرية.

ترامب يضيّق الخناق على إيران... والنظام يرفض الاستسلام

تواجه صادرات النفط الإيراني أزمة حادة مع توقف الشحنات منذ سبتمبر وسط حصار أمريكي خانق، والاقتصاد ينهار بسرعة. اكتشف كيف يصمد النظام رغم العقوبات القاسية واستمر في القراءة لتعرف التفاصيل.
الشرق الأوسط
Loading...
مجموعة من الجنود اليمنيين على متن شاحنة عسكرية في طريق ريفي، في سياق التصعيد العسكري لاستعادة مناطق الحوثيين في اليمن.

التحالف السعودي يتعهد بدعم العملية العسكرية اليمنية ضد الحوثيين

تتصاعد الحرب في اليمن مع انطلاق هجوم واسع لاستعادة مناطق الحوثيين، ما يهدد الملاحة الدولية ويزيد من معاناة الأسر جوعاً. تعرف على تفاصيل المعركة وتأثيرها الإنساني والاقتصادي في قلب الصراع اليمني المستمر. تابع المزيد الآن.
الشرق الأوسط
Loading...
منظر جوي لموقع نووي إيراني في الصحراء يعكس التوترات والمفاوضات الأمريكية الإيرانية حول البرنامج النووي ورفع العقوبات.

ترامب مستعدّ لتخفيف العقوبات على إيران مقابل تقدّم ملموس في الملفّ النووي

تتواصل المفاوضات بين واشنطن وطهران وسط شروط أمريكية صارمة ورفض مقترحات إيرانية حول مضيق هرمز. هل تنجح الوساطة القطرية في كسر الجمود؟ تابع التفاصيل لتعرف المزيد.
الشرق الأوسط
الرئيسيةأخبارسياسةأعمالرياضةالعالمتكنولوجيااقتصادصحةتسلية