استراتيجية ترامب لضغط اقتصادي على إيران
تسعى الولايات المتحدة لفرض حصار اقتصادي على إيران بدلاً من الضربات العسكرية، في رهان محفوف بالمخاطر. هل سينجح هذا الضغط في إجبار طهران على التفاوض؟ اكتشف المزيد عن التحديات والتداعيات في خَبَرَيْن.

كثيراً ما يُقال إنّ الحصار الاقتصادي أداةٌ أبطأ من الضربة العسكرية، لكنّه أقلّ كلفةً وأطول أثراً. هذه الفرضيّة تبدو اليوم في صلب الرهان الأمريكي على إيران وإن كان التاريخ يحمل شواهدَ تدعو إلى التأمّل قبل الجزم.
أفادت مصادر مطّلعة على المداولات بأنّ الرئيس Donald Trump أبلغ كبار مستشاريه في الأيام الأخيرة برغبته في الإبقاء على الحصار البحري الأمريكي لموانئ إيران، وأنّ فريقه بات يضع الأسس اللازمة لتمديده، بما في ذلك إغلاقٌ أطول أمداً لمضيق هرمز.
يبدو أنّ الرئيس يُراهن في المرحلة الراهنة على استراتيجية تهدف إلى إيقاع أكبر قدرٍ ممكن من الضرر الاقتصادي بإيران، أملاً في إجبار طهران على العودة إلى طاولة التفاوض دون الحاجة إلى استئناف الضربات العسكرية. غير أنّ هذا الرهان لا يخلو من مخاطر جوهرية، لا سيّما أنّ Trump نفسه كان قد تنبّأ بأن لا تتجاوز مدّة الصراع ستّة أسابيع، في حين يدخل الآن أسبوعه التاسع.
ثمنٌ يتراكم
أسهم إغلاق المضيق في رفع أسعار الوقود، ممّا أذكى سخطاً شعبياً متصاعداً من الحرب المستمرّة، وأوصل تقييمات Trump ولا سيّما في ملفّ الاقتصاد إلى مستوياتٍ متدنّية قياسية. وزاد الأمر تعقيداً حين أفاد مسؤولٌ رفيع في Pentagon أمام المشرّعين الأربعاء بأنّ تكلفة الحرب بلغت حتى الآن 25 مليار دولار وهو رقمٌ يُغذّي قلقاً متزايداً داخل الحزب الجمهوري (GOP) من تداعيات انتخابات نوفمبر.
ولا يزال يُساور المراقبين تساؤلٌ جوهري: هل ستنجح هذه الاستراتيجية أصلاً؟ فإيران أثبتت في مناسباتٍ سابقة قدرتها على تحمّل ضغوطٍ اقتصادية مُضنية دون الاستسلام للمطالب الأمريكية.
بيد أنّ Trump يبدو مصمّماً على تشديد الخناق على الاقتصاد الإيراني حتى تُذعن طهران لخطوطه الحمراء في ملفّ التخصيب النووي، معتقداً بحسب تعبيره أن الولايات المتحدة تمتلك "جميع الأوراق".
وقال Trump في مقابلة هاتفية مع Axios الأربعاء: "الحصار أشدّ فاعليةً من القصف. إنّهم يختنقون كالخنزير المحشو. وسيزداد الأمر سوءاً بالنسبة لهم. لا يمكنهم امتلاك سلاحٍ نووي."
وفي وقتٍ لاحق من اليوم ذاته، وفي المكتب البيضاوي، بدا وكأنّه يُلمّح إلى استعداد واشنطن للمضيّ في هذا المسار طويلاً، إذ قال إنّ الحرب على إيران قد تنتهي على "جدول زمني مشابه" لحرب أوكرانيا وهو صراعٌ يتجاوز الأربع سنوات ولا تلوح له نهايةٌ قريبة.
"ثلاثة أيام قبل الانهيار"
أطّلع مسؤولون أمريكيون على معلوماتٍ استخباراتية تُشير إلى أنّ الاقتصاد الإيراني لا يتحمّل سوى أسابيع قليلة، بل ربما أيام، قبل أن يُفضي ضغط الحصار إلى انهياره، وذلك في ضوء عجز طهران عن تخزين نفطها غير المُباع. وقد أشار Trump إلى أنّ تراكم هذا النفط الفائض سيُلحق أضراراً دائمة بالبنية التحتية الإيرانية للطاقة.
وقال الأحد: "ما يحدث هو أنّ ذلك الخطّ ينفجر من الداخل، ميكانيكياً وفي باطن الأرض. يقولون إنّه لم يتبقَّ سوى نحو ثلاثة أيام قبل أن يحدث ذلك. وحين ينفجر، لن تستطيع إعادة بنائه كما كان."
وقد اعترضت الولايات المتحدة أو أعادت توجيه ما يقارب 40 سفينةً كانت تحاول دخول الموانئ الإيرانية أو الخروج منها منذ بدء الحصار في مطلع هذا الشهر. ويُراهن Trump على أنّ هذا الضغط سيوفّر نفوذاً كافياً لإنجاح الدبلوماسية.
وكتب Trump على منصات التواصل الاجتماعي الثلاثاء: "أبلغتنا إيران للتوّ أنّها في 'حالة انهيار'. يريدون منّا 'فتح مضيق هرمز' في أقرب وقتٍ ممكن، في حين يحاولون ترتيب أوضاعهم القيادية."
اجتماعٌ في البيت الأبيض
في اليوم ذاته، التقى Trump بمسؤولين تنفيذيين في قطاع الطاقة، حيث ناقشوا إجراءاتٍ يمكن اتخاذها لمواصلة الحصار لأشهرٍ إن لزم الأمر، إلى جانب سُبل الحدّ من تداعياته على المستهلك الأمريكي، وفق ما أفاد به مسؤولون في البيت الأبيض.
وترأّس وزير الخزانة Scott Bessent الاجتماع الذي حضره نائب الرئيس JD Vance، ورئيسة الديوان Susie Wiles، والمبعوث الخاص Steve Witkoff، وصهر الرئيس Jared Kushner. كما حضر الرئيس التنفيذي لشركة Chevron Mike Wirth، ومسؤولون من شركات Trafigura وVitol وMercuria. وكان موقع Axios أوّل من أفاد بعقد هذا الاجتماع.
وفي حين يواصل Pentagon استعداداته لاحتمال قرار الرئيس باستئناف حملة القصف، فإنّ Trump أشار داخلياً وبصورة متكرّرة إلى تفضيله التوصّل إلى صفقةٍ مع إيران وتجنّب المزيد من العمليات العسكرية المباشرة. وقد أشار الرئيس سرّاً إلى مخاطر استئناف القصف ومنها احتمال استئناف الضربات الإيرانية على دول الخليج معتبراً أنّ الحصار أجدى وسيلةً لدفع إيران نحو التفاوض.
شاهد ايضاً: ميانمار: الجيش يرفض عرض محادثات السلام
وقال Trump للصحفيين الأربعاء حين سُئل عن المدّة التي سيستمرّ فيها الحصار: "الحصار عبقريٌّ. الآن عليهم أن يستسلموا، هذا كلّ ما عليهم فعله. فقط قولوا: 'نستسلم'."
وكانت The Wall Street Journal أوّل من أفادت بأنّ Trump يعتزم التعويل على تمديد الحصار.
مفاوضاتٌ في مراوحة
لم يتوقّف Trump عن إطلاق التهديدات؛ إذ نشر الأربعاء صورةً مُولَّدة بالذكاء الاصطناعي لنفسه يحمل فيها مسدّساً مع تحذير: "NO MORE MR. NICE GUY."
يُقرّ عددٌ من كبار مستشاري الرئيس وحلفائه بالمخاطر السياسية التي ينطوي عليها الإبقاء على الوضع الراهن. فقد ألقى الحصار بظلاله الثقيلة على الاقتصاد العالمي، مع تجاوز أسعار الوقود في الولايات المتحدة حاجز 4 دولارات للغالون ممّا يُجرّد الجمهوريين من ورقةٍ دعائية رئيسية قبيل انتخابات التجديد النصفي. ومع ذلك، يتّفق كثيرٌ من مستشاري Trump على أنّ الدبلوماسية تبقى الحلّ الأمثل لإنهاء الحرب بسرعة، وهو ما كان قد وعد به حين أطلق الضربات على طهران.
بيد أنّ مسار التفاوض لحلّ النزاع يراوح في مكانه. وأشار Trump هذا الأسبوع إلى أنّه لن يقبل على الأرجح المقترح الإيراني الأخير، الذي دعا إلى إعادة فتح المضيق مع إرجاء ملفّ البرنامج النووي إلى مفاوضاتٍ لاحقة.
وقال وزير الخارجية Marco Rubio في مقابلةٍ في وقتٍ سابق من هذا الأسبوع إنّ المقترح الإيراني الجديد "أفضل ممّا توقّعنا أن يُقدّموه"، لكنّه شدّد على أنّ أيّ اتفاقٍ مستقبلي يجب أن يحول دون امتلاك إيران للسلاح النووي.
وقال: "يكفي القول إنّ المسألة النووية هي السبب الذي أوصلنا إلى ما نحن فيه أصلاً"، مؤكّداً أنّ البرنامج النووي الإيراني "لا يزال القضية المحورية هنا".
وأفاد شخصان مطّلعان على الملفّ بأنّ Trump أبدى موقفه هذا خلال اجتماعٍ عُقد الاثنين مع كبار مسؤولي الأمن القومي خُصّص للبحث في الملفّ الإيراني، وأنّ الرئيس على الأرجح لن يقبل المقترح المطروح.
ويرى المسؤولون أنّ إعادة فتح المضيق دون تسوية ملفّ التخصيب النووي أو مخزون اليورانيوم شبه الصالح لصنع القنبلة قد يُفضي إلى التفريط في ورقة ضغطٍ أمريكية رئيسية في المفاوضات.
ولم يتّضح في أعقاب اجتماع الاثنين ما هي الخطوات التالية التي ينوي Trump اتخاذها. ويُبدي المسؤولون الأمريكيون قلقهم ممّا يصفونه بالانقسامات داخل النظام الإيراني، وعدم اليقين بشأن من يملك صلاحية اتخاذ القرار النهائي في أيّ اتفاقٍ محتمل.
في المرحلة الراهنة، يقول المسؤولون إنّهم ينتظرون ردّ إيران على مقترحٍ معدَّل يحظى بمباركة المرشد الأعلى Mojtaba Khamenei، الذي لم يظهر علناً منذ اندلاع الحرب.
أخبار ذات صلة

رجل مدان بمساعدة تنظيم داعش لكن هيئة المحلفين تعجز عن الاتفاق بشأن دوره في تفجير مطار كابل
