عودة العريان إلى القضاء بعد انشقاق تاريخي
في لحظة تاريخية، عاد القاضي فخر الدين العريان إلى منصته ليترأس محاكمة عاطف نجيب، أحد أبرز منتهكي حقوق الإنسان في سوريا. تعكس هذه المحاكمة التزاماً بالعدالة الانتقالية وتطبيق القانون، بعد سنوات من الانشقاق والمعاناة. خَبَرَيْن

في الـ 13 من مارس 2013، أعلن فخر الدين العريان، القاضي في محكمة الاستئناف المدنية بإدلب، انشقاقه العلني عن نظام الأسد، فكان جزاؤه حكماً بالإعدام غيابياً.
بعد أكثر من عقدٍ كامل، وفي ديسمبر 2024، سقط النظام الذي انشقّ عنه، وعاد العريان إلى القضاء السوري.
وفي أحدث محطّات هذه الرحلة الاستثنائية من الانشقاق إلى المنفى إلى العودة ترأّس العريان يوم الأحد جلسة افتتاح محاكمة عاطف نجيب، ابن عمّ الرئيس المخلوع بشار الأسد ورئيس جهاز الأمن السياسي السابق في محافظة درعا الجنوبية. ويواجه نجيب تهماً بالقتل العمد والتعذيب المفضي إلى الوفاة وارتكاب جرائم ضدّ الإنسانية.
ويُحاكَم الأسد وشقيقه ماهر الأسد، القائد العسكري السابق، غيابياً بدورهما، إذ فرّ الاثنان إلى روسيا في أعقاب سقوط نظامهما عام 2024.
وقال فاضل عبد الغني، مؤسّس الشبكة السورية لحقوق الإنسان، إنّ هذه اللحظة تحمل ثقلاً رمزياً بالغاً.
وأوضح عبد الغني: «قاضٍ صدر بحقّه حكمٌ بالإعدام من نظام الأسد بسبب دفاعه عن سيادة القانون، يعود اليوم إلى منصّة القضاء ليطبّق هذا القانون ذاته على أحد أكثر منتهكي النظام توثيقاً». وأضاف: «هذا الانقلاب في موازين القوى يعكس وعد سيادة القانون الذي نادراً ما يتحقّق في مراحل التحوّل من الأنظمة الاستبدادية. وما يجعل هذه اللحظة بالغة الأهمية ليس الطابع الاستعراضي، بل التزامها بضمانات المحاكمة العادلة».
الانشقاق والعودة
كان العريان مستشاراً قضائياً في السنوات الأولى من الانتفاضة السورية التي اندلعت في مارس 2011، حين تصاعدت الاحتجاجات واستندت الدولة بصورة متزايدة إلى منطق الأمن بديلاً عن منطق القانون.
وفي عام 2013، قرّر القطيعة مع الدولة السورية، فأعلن انشقاقه في تسجيلٍ مصوّر أطّر فيه قراره باعتباره مسؤوليةً قانونية وأخلاقية في آنٍ معاً.
وقال في التسجيل: «في ضوء المسؤولية الملقاة على عاتق القضاة، حُرّاس العدالة والحقيقة، ونتيجةً للمجازر التي ارتكبها النظام بحقّ المدنيين والأطفال والنساء، أُعلن انشقاقي عن وزارة العدل والتحاقي بالمجلس القضائي السوري المستقل، لأكون درعاً منيعاً للعدالة والمساواة».
شاهد ايضاً: إسرائيل تواصل القصف على لبنان رغم تمديد الهدنة
بعد انشقاقه، التحق العريان بالهيئات القضائية التابعة للحكومة السورية المؤقتة آنذاك، وانخرط في بناء ما وُصف بالمسار القضائي الموازي في المناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة. وفي هذا الإطار، عمل على إنشاء محاكم بديلة والنظر في القضايا القانونية وتوثيق الجرائم المنسوبة إلى النظام السابق.
في المقابل، أصدرت السلطات بحقّه حكماً بالإعدام غيابياً وصادرت ممتلكاته، بما فيها أصول بِيعت لاحقاً في مزادات علنية.
وبعد سقوط نظام الأسد، عاد اسم العريان إلى الواجهة في يونيو، إثر مرسوم رئاسي بإعادة القضاة المفصولين إلى مناصبهم. وتوّج هذا المسار بتعيينه رئيساً للمحكمة الجنائية الرابعة في دمشق، ليجد نفسه في قلب أولى إجراءات العدالة الانتقالية في البلاد.
نجيب وصلته بقمع الثورة السورية
شاهد ايضاً: حاملة طائرات أمريكية ثالثة تصل الشرق الأوسط وترامب يرفض تحديد موعد لإنهاء الحرب مع إيران
ما شهده مسار العريان من تحوّل يعكسه بصورةٍ مغايرة مسار الرجل الجالس اليوم في قفص الاتهام أمام محكمته.
فقد وضع موقع نجيب بوصفه مسؤولاً أمنياً رفيعاً في درعا عام 2011 هذا القريب من عائلة الأسد في صلب أولى المواجهات الكبرى بين المدنيين وأجهزة الأمن. وتُعرف درعا بـ«مهد الثورة»، إذ كان القمع الحكومي للمحتجّين فيها الشرارة التي أشعلت جذوة الانتفاضة في سائر أنحاء البلاد.
وتبقى حادثةٌ بعينها راسخةً في الذاكرة الجمعية للسوريين: اعتقال أطفالٍ وتعذيبهم بعد أن كتبوا على الجدران «الشعب يريد إسقاط النظام»، واستشهد أحدهم، وهو حمزة الخطيب البالغ من العمر 13 عاماً، في ما يُعدّ على نطاقٍ واسع الشرارة الحقيقية للثورة السورية.
وتُشكّل صلة نجيب بتلك الحادثة واستشهاد حمزة أحد الأسباب الرئيسية التي تجعل هذه المحاكمة ذات أهمية استثنائية في المشهد السوري.
وقد اعتُقل المسؤول السابق في يناير 2025 في منطقة اللاذقية، حيث لجأ عددٌ من الموالين للنظام السابق.
العدالة الانتقالية
بالنسبة للشبكة السورية لحقوق الإنسان، لا تقتصر أهمية المحاكمة على هوية المتّهم، بل تمتدّ إلى طريقة إدارتها.
وشدّد عبد الغني على أنّ «هذه ليست محكمةً ثورية ولا محكمة المنتصرين»، بل قضيةٌ مرّت بمراحل قانونية رسمية متسلسلة: اعتقالٌ من وزارة الداخلية، فتحقيق، فادّعاء عام، فإحالة إلى محكمة جنائية في دمشق.
وتشمل التهم القتل العمد والتعذيب المفضي إلى الوفاة، المصنَّفَين جريمتَين ضدّ الإنسانية وفق القانون الدولي. وأوضح عبد الغني أنّ هذا التأطير القانوني مقصودٌ في حدّ ذاته، إذ يضع الإجراءات المحلية ضمن إطار المعايير الجنائية الدولية، وهو أمرٌ لا غنى عنه لضمان مصداقية أيّ حكمٍ يصدر.
كما أبرز عبد الغني الرسالة المؤسّسية التي تحملها المحاكمة، ولا سيّما إدراج الرئيس المخلوع وشقيقه في قائمة المتّهمين رغم غيابهما عن قاعة المحكمة وعن سوريا.
شاهد ايضاً: خمسة شهداء أثر غارة إسرائيلية بينهم ثلاثة أطفال
وقال: «الغياب الجسدي لا يرقى إلى مرتبة الحصانة القانونية».
بيد أنّ عبد الغني حرص على التأكيد بأنّ هذه المحاكمة ليست نهاية مسار العدالة الانتقالية في بلدٍ فقد مئات الآلاف من أبنائه بين شهيدٍ ومختفٍ خلال سنوات الحرب وعقود الحكم الممتدّة لخمسة عقود في ظلّ الأسد الأب والابن. وما زال الغموض يلفّ كثيراً من قضايا المعتقلين والمختفين. وقد وثّقت الشبكة السورية لحقوق الإنسان ما لا يقلّ عن 177,000 حالة اختفاء قسري منذ عام 2011، يُنسب الغالبية العظمى منها إلى النظام السابق.
وأوضح عبد الغني أنّ المساءلة في سوريا لا يمكن اختزالها في المحاكمات الجنائية وحدها، بل لا بدّ أن تقوم على أربعة ركائز مترابطة: المساءلة الجنائية، والبحث عن الحقيقة، والتعويضات، وإصلاح المؤسّسات.
شاهد ايضاً: إجراءات الاستيقاف في أعالي البحار قد تعمّق الفجوة أمام محادثات السلام الأمريكية الإيرانية
وأكّد أنّ هذه الركائز يجب أن تعمل معاً تحت مظلّةٍ موحّدة، لا أن تسير كلٌّ منها في مسارٍ منفصل أو متتابع.
وأولى عبد الغني اهتماماً خاصاً لمسألة إصلاح المؤسّسات، مشيراً إلى أنّ الجهاز القضائي السوري كان في السابق أداةً للقمع لا للعدالة.
وقال: «من دون هذه الإصلاحات، تغدو محاكمات العدالة الانتقالية مجرّد إجراءاتٍ تجريها مؤسّساتٌ قضائية لم تتحوّل هي ذاتها بعد»، مطالباً بتفكيك المحاكم الاستثنائية وإعادة بناء استقلالية القضاء.
وأضاف أنّ البحث عن الحقيقة لا يقلّ ضرورةً عن ذلك كلّه، فلأسر الضحايا حقٌّ في معرفة مصير ذويهم، وهو حقٌّ قائمٌ بذاته بمعزلٍ عن مسارات الملاحقة الجنائية.
وختم بالقول: «يستحقّون الإجابات»، مؤكّداً أنّ الاعتراف بالحقيقة وتحقيق العدالة وتقديم التعويضات يجب أن يكون غير مشروطٍ إذا كان ثمّة أملٌ في تحقيق مصالحةٍ دائمة.
أخبار ذات صلة

السلطات السورية تعتقل المشتبه الأول في مجزرة التَّضامن 2013

الاتحاد الأوروبي وإسرائيل: لماذا تتعثّر المساءلة رغم المليارات؟
