انتخابات دير البلح أمل جديد في غزّة المنكوبة
تتجه أنظار سكان دير البلح إلى صناديق الاقتراع في أول انتخابات بلدية منذ أكثر من 20 عاماً، وسط آمال بتحسين الخدمات الأساسية. هل ستنجح هذه الانتخابات في إحداث تغيير حقيقي في حياة الناس؟ اكتشفوا المزيد على خَبَرَيْن.

في مكانٍ لا تزال جروحه مفتوحة، وحيث تختلط رائحة الإسمنت المهشَّم بغبار الحياة اليومية، يتوجّه سكّان دير البلح في قطاع غزة إلى صناديق الاقتراع يوم السبت، في أولى الانتخابات البلدية التي تشهدها المدينة منذ أكثر من عقدين. يحمل الناخبون معهم أملاً هشّاً: أن تُعيد هذه العملية الديمقراطية شيئاً من الحوكمة المحلية إلى مدينةٍ لم تتعافَ بعد من ويلات الحرب الإسرائيلية المدمّرة.
اختِيرت دير البلح، المدينة الواقعة في وسط القطاع، لتكون ساحةَ اختبارٍ لإحياء العملية الديمقراطية، وذلك لأنّها تكبّدت أضراراً في البنية التحتية أقلّ حدّةً مقارنةً بمناطق أخرى في القطاع المحاصَر. غير أنّ ندوب الحرب لا تزال بادية للعيان. ففي ديسمبر 2024، قصفت القوات الإسرائيلية مبنى بلدية دير البلح، ما أدى لاستشهاد رئيس البلدية آنذاك ضياء الجاروع وعشرة من موظّفيه، فيما كانوا يعملون على توفير الخدمات الأساسية للنازحين الفلسطينيين. وجاء الهجوم الدامي على الرغم من تصنيف الجيش الإسرائيلي المدينةَ "منطقةً آمنة".
اليوم، تنظر لجنة الانتخابات المركزية الفلسطينية الهيئة المستقلة المنوط بها الإشراف على الانتخابات في الأراضي الفلسطينية إلى هذا التصويت باعتباره محطّةً مفصلية. وقد أوضح جميل الخالدي، المدير الإقليمي للجنة، أنّ انتخابات 25 أبريل ستكون جزءاً من مسارٍ أشمل يضمّ 420 مجلساً محلياً في الضفة الغربية المحتلة، فيما تبقى دير البلح البلديةَ الوحيدة المشاركة من غزة.
ويُمثّل هذا الحدث تحوّلاً جوهرياً عن سياسة التعيينات الإدارية التي حكمت القطاع في ظلّ قيادة حركة حماس على مدى 21 عاماً.
يحقّ لنحو 70,000 ناخبٍ تجاوزوا سنّ الثامنة عشرة الإدلاء بأصواتهم بين الساعة السابعة صباحاً والخامسة مساءً (04:00-14:00 بتوقيت غرينتش). وحرصاً على سلاسة العملية، أطلقت اللجنة خطاً ساخناً مجانياً يتيح للناخبين التحقّق من قيودهم الانتخابية. يجري التصويت في 12 مركزاً انتخابياً تشمل ملاعب محلية ومراكز نشاط نسائية وعياداتٍ سابقة، ويضمّ كلّ مركزٍ ثمانية مراكز اقتراع.
يختار الناخبون من بين قوائم مرشّحين. وكما شرح الخالدي: "يقوم النظام الانتخابي على القوائم المغلقة"، إذ يجب أن تضمّ كلّ قائمة 15 مرشّحاً على الأقل، منهم أربع نساء على الأدنى. يختار الناخب أوّلاً إحدى القوائم الأربع، ثمّ يُدلي بأصواتٍ تفضيلية لخمسة مرشّحين بعينهم داخل تلك القائمة. ويشكّل المرشّحون الخمسة عشر الأعلى دعماً المجلسَ المحلّي الجديد، مع ضمان التمثيل النسائي.
والجدير بالذكر أنّ الأحزاب السياسية الرسمية كـ حماس و فتح لا تخوض هذه الانتخابات تحت مسمّياتها الرسمية، بل يتجمّع المرشّحون في معظمهم ضمن تحالفاتٍ عشائرية أو مهنية.
المياه النظيفة لا السياسة
تتنافس أربع قوائم مستقلة اسمياً على مقاعد المجلس: السلام والبناء، ودير البلح تجمعنا، ومستقبل دير البلح، ونهضة دير البلح.
في أحاديثهم ، حرص قادة هذه القوائم ومنهم محمد أبو ناصر رئيس قائمة السلام والبناء، وفاتن حرب مرشّحة قائمة نهضة دير البلح على التأكيد بأنّ برامجهم خدماتية صرفة، قائمة على الشفافية، وبعيدة عن "الحزبية".
شاهد ايضاً: إسرائيل تواصل القصف على لبنان رغم تمديد الهدنة
ولا تزال التساؤلات قائمة في غزة حول الانتماءات الحقيقية للمرشّحين في مشهدٍ سياسي بالغ الانقسام. بيد أنّ كثيراً من السكّان المنهَكين من الحرب يرون أنّ العودة إلى صناديق الاقتراع لن تعني شيئاً ما لم تُترجَم إلى تحسّناتٍ ملموسة على أرض الواقع.
"المواطن اليوم لا يبحث عن شعارات، بل عن حلولٍ حقيقية"، قالت المواطنة رَبحا البحيصي، مشيرةً إلى الحاجة الماسّة إلى خدماتٍ أساسية كالمياه النظيفة والكهرباء وشبكات الصرف الصحي.
شاهد ايضاً: حاملة طائرات أمريكية ثالثة تصل الشرق الأوسط وترامب يرفض تحديد موعد لإنهاء الحرب مع إيران
وأضاف مواطنٌ آخر هو علي ريّان أنّ إجراء الانتخابات "لن يكفي إن لم تستجب للحدّ الأدنى من متطلّبات الحياة وتتحوّل إلى تغييرٍ ملموس على أرض الواقع".
وإدراكاً لهذه الرقابة الشعبية المشدَّدة، يسعى المرشّحون إلى النأي بأنفسهم عن الحزبية. فقد أكّد أبو ناصر أنّ مرحلة التعافي الراهنة تستلزم حلولاً عملية ومبتكرة تعوّل على طاقة الشباب، فيما شدّدت فاتن حرب على أنّ قائمتها تخوض الانتخابات على أساسٍ وطني خدماتي بحت يستهدف تعزيز الشفافية. أمّا سالم أبو حسنين، المدير الإعلامي لقائمة مستقبل دير البلح، فقد أكّد أنّ نجاح هذه التجربة الديمقراطية يجب أن يكون الأولوية القصوى، قائلاً: "الرهان الحقيقي هو على إنتاج مجلسٍ قادر على خدمة الناس، بعيداً عن الحسابات السياسية الضيّقة".
"محاولةٌ يائسة" لإثبات الشرعية
يتشابك هذا الاقتراع مع نقاشاتٍ دولية مكثّفة حول "اليوم التالي" في غزة وأزمة الحوكمة الفلسطينية الأشمل. غير أنّ المحلّلين يحذّرون من قراءة هذا التصويت المعزول مقياساً حقيقياً للشعبية السياسية لحماس التي تحكم غزة منذ عام 2007.
ويرى المحلّل السياسي وسام عفيفة، أنّ الواقع القاسي للحرب يجعل من المستحيل قياس الثقل السياسي الحقيقي لأيّ فصيل. وقال: "لا حماس ولا أيّ فصيلٍ آخر، بما فيها فتح، تنظر إلى هذه الانتخابات باعتبارها فرصةً لإثبات شرعيتها أو قياس شعبيتها. الظروف استثنائية ببساطة. حتى حماس لم تُعلن صراحةً أنّها ستتنافس، بل تحاول المراقبة عن بُعد أو المشاركة الرمزية."
ويذهب عفيفة إلى أنّ الاتكاء الكثيف على القوائم "المستقلة" يكشف أنّ المجتمع الفلسطيني يلجأ إلى الشبكات العائلية التقليدية التي تقود هذه القوائم في معظمها، لا إلى تحوّلٍ حقيقي نحو ما تطالب به الأطراف الدولية من حوكمةٍ "تكنوقراطية". كما أشار إلى أنّ أيّ مجلسٍ منتخَب سيضطرّ إلى التعامل مع "اللجنة التكنوقراطية" التابعة لمجلس السلام الذي أسّسه الرئيس الأمريكي Donald Trump، بقيادة Nickolay Mladenov، المنتظَر أن يتولّى إدارة غزة.
في هذا السياق، تكتسب الانتخابات أهمّيةً خاصة للسلطة الفلسطينية بحسب المحلّلين. فبإجراء انتخاباتٍ موازية في الضفة الغربية المحتلة حيث تُسرّع إسرائيل مصادرة الأراضي وتوسيع المستوطنات غير الشرعية وترسيخ الحكم العسكري تسعى السلطة ومقرّها رام الله إلى تأكيد حضورها وإثبات أنّها لا تزال طرفاً فاعلاً.
"السلطة تناضل من أجل وجودها ورمزيّتها"، قال عفيفة، مشيراً إلى أنّ السلطة أُقصيت إلى حدٍّ بعيد من النقاشات الدولية المتعلّقة بـ"اللجنة التكنوقراطية" المدعومة دولياً لإدارة غزة في مرحلة ما بعد الحرب. وحذّر من أنّ نجاح هذا النموذج في غزة قد يُقترَح تطبيقه في الضفة الغربية أيضاً، ممّا يزيد من تهديد شرعية السلطة. وخلص إلى القول: "هذه الانتخابات محاولةٌ يائسة من السلطة الفلسطينية للتعبير عن نفسها وشرعيّتها ووجودها أمام المجتمع الدولي."
في المحصّلة، يلفت مراقبون من أمثال بسّام الفار، ممثّل جبهة التحرير العربية، إلى أنّه رغم اتفاق الفصائل في غزة والضفة الغربية على ضرورة إجراء التصويت، فإنّ التحدّي الحقيقي يكمن في قدرة أيّ هيئةٍ منتخَبة على العمل الفعلي في ظلّ الأوضاع المعيشية القاسية والمعابر المغلقة والانقسام السياسي الذي مزّق الحياة الفلسطينية.
اليوم، تقف دير البلح عند مفترق طرق: فإمّا أن يكون تصويت السبت بداية عودةٍ تدريجية إلى الديمقراطية، وإمّا أن يبقى تجربةً رمزية معزولة تُكبّلها حقيقةٌ أعقد بكثيرٍ من أن تحلّها صناديق الاقتراع وحدها.
أخبار ذات صلة

إيران أذلّت واشنطن: ميرتس يصف الموقف الألماني بـ"الأقوى"

لبنان لا يُستعاد بالقصف

الانتخابات البلدية تعود إلى غزة بعد عقدين من الانقطاع
