هجمات مسلّحة تهزّ مالي وتفاقم الأزمة الأمنية
هزّت مالي موجة من الهجمات المنسّقة لجماعات مسلّحة، أسفرت عن مقتل وزير الدفاع وتوتّر أمني كبير. الجيش يؤكد صد الهجوم، لكن الوضع يبقى خطيرًا. تعرف على تفاصيل الأزمة المتصاعدة في خَبَرَيْن.

هزّت مالي موجةٌ من الهجمات المنسّقة شنّتها جماعات مسلّحة مجهولة الهوية بدءاً من السبت، في تصعيدٍ حادّ للأزمة الأمنية والسياسية التي تعيشها البلاد منذ أكثر من 14 عاماً تحت الحكم العسكري.
وفي الأحد، أفاد مصدر عسكري بمقتل وزير الدفاع المالي صاديو كامارا جرّاء هذه الهجمات التي استهدفت مواقع عسكرية عدة في أنحاء البلاد، بما فيها العاصمة باماكو. وكان منزله في مدينة كاتي قد تعرّض للهجوم يوم السبت.
وقال الجيش المالي في بيانٍ رسمي: "يُعلم هيئة الأركان العامة للقوات المسلّحة الرأيَ العام بأن جماعات إرهابية مسلّحة مجهولة استهدفت مواقع وثكنات عسكرية في العاصمة والداخل في الساعات الأولى من صباح 25 أبريل 2026، والمعارك لا تزال مستمرة."
وتبنّت جماعة نصرة الإسلام والمسلمين (JNIM) المرتبطة بتنظيم القاعدة مسؤولية الهجمات في كاتي القريبة من العاصمة، وفي مطار باماكو، وفي مناطق أخرى أبعد شمالاً تشمل موبتي وسيفاري وغاو. كما أعلن متمرّدون طوارق مشاركتهم في هذه الهجمات.
والحاكم العسكري الحالي أسيمي غويتا، الذي وصل إلى السلطة عبر انقلاب عام 2021 بوعودٍ بتعزيز الأمن في مواجهة النفوذ المتنامي للجماعات المسلّحة في واحدة من أفقر دول العالم، لم يُدلِ بأي تصريح علني حتى الآن.
ما الذي جرى؟
في صباح السبت، أعلن الجيش المالي أن جماعات "إرهابية" مجهولة الهوية شنّت هجمات على عدة مواقع عسكرية في باماكو والمناطق الداخلية.
شاهد ايضاً: ترامب يمدّد الهدنة مع إيران: الدوافع والحسابات
وأفاد شهود عيان بسماع انفجارَين عنيفَين وإطلاق نارٍ متواصل قُبيل الساعة السادسة صباحاً (06:00 بتوقيت غرينتش) بالقرب من قاعدة كاتي العسكرية الرئيسية شمال العاصمة، فيما انتشر الجنود لإغلاق الطرق. وتزامن ذلك مع اضطراباتٍ مماثلة في مدينة سيفاري الواقعة في وسط البلاد، وكذلك في كيدال وغاو شمالاً.
وأفاد أحد السكان بسماع إطلاق نارٍ كثيف قرب معسكرٍ عسكري مجاور لمطار باماكو، حيث تتمركز قوات المرتزقة الروس. أفيد بإطلاق نارٍ غزير في كاتي، التي تضمّ أيضاً مقرّ إقامة غويتا، ونشر سكّانها صوراً على منصات التواصل الاجتماعي تُظهر منازل مدمّرة. وقال أحدهم: "نحن محاصرون في كاتي."
وأعلن الجيش أنه أوقع "مئات" من المهاجمين وصدّ الهجوم الذي استهدف مواقع متعددة في باماكو ومحيطها، مؤكّداً أن الوضع بات تحت السيطرة وأن عمليات تمشيط واسعة النطاق جارية في العاصمة وكاتي وسائر مناطق البلاد.
ومن داكار السنغالية، وصف نيكولاس هاك حجم الهجوم وتنسيقه بأنهما "غير مسبوقَين"، مضيفاً أنه رغم السيطرة على الوضع، فإن "مستوى الذعر في صفوف العسكريين غير مسبوق".
وقد أدانت الاتحاد الأفريقي ومنظمة التعاون الإسلامي ومكتب الشؤون الأفريقية الأمريكي هذه الهجمات.
ووصف أولف لايسينغ، المحلّل المتخصّص في منطقة الساحل لدى مركز الفكر الألماني Konrad Adenauer Stiftung، المؤشّرات على تنسيق جماعات مسلّحة متعددة بأنها "تطوّر بالغ الخطورة"، مشيراً إلى أن الأمن يتدهور عاماً بعد عام منذ اندلاع الأزمة عام 2012، وأن الحكومة تفتقر إلى السيطرة على مساحات واسعة من البلاد.
وقال لايسينغ: "مالي رقعةٌ جغرافية شاسعة، تبلغ ضعف مساحة فرنسا. معظم السكان يعيشون في الجنوب، أما الشمال فصحراء وجبال... السيطرة عليه مستحيلة، لم تنجح فيها فرنسا، فكيف بالروس." وأضاف أنه "لا حلّ عسكرياً" وأن الجماعات المسلّحة "متجذّرة" في الأرياف، مستدركاً: "الخبر الجيد الوحيد حتى الآن هو أن هذه الجماعات لم تتمكّن من السيطرة على المدن الكبرى.".
من يقف وراء هجمات السبت؟
تبنّت كلٌّ من جماعة JNIM ومتمرّدو الطوارق مسؤولية الهجمات.
وفي بيانٍ نشرته مجموعة SITE Intelligence Group، أعلنت JNIM شنّ هجمات في كاتي وباماكو وعدد من المناطق الشمالية تشمل موبتي وسيفاري وغاو. وتُعدّ JNIM الذراع الأفريقية لتنظيم القاعدة في منطقة الساحل، وأكثر الجماعات المسلّحة نشاطاً في المنطقة وفق ما يرصده مركز بيانات النزاعات المسلّحة ACLED. ومنذ سبتمبر الماضي، تشنّ عناصرها هجمات على ناقلات الوقود، ما أدى إلى شلل العاصمة في أكتوبر 2025.
وكانت الجماعة قد فرضت حصاراً اقتصادياً وقطعت إمدادات الوقود بإغلاق الطرق الرئيسية التي تستخدمها ناقلات الوقود القادمة من السنغال وكوت ديفوار إلى هذا البلد الحبيس في الساحل. وعجز معظم سكان باماكو لأسابيع عن الحصول على الوقود للسيارات والدراجات النارية، في ظل شحٍّ حادّ أوقف الحياة في العاصمة التي تعجّ عادةً بالحركة. وفي مارس الماضي، عاد شبح أزمة الديزل ليطلّ على المدينة، وسط أولوية في توزيع الوقود على قطاع الطاقة.
وأعلنت JNIM يوم السبت "السيطرة" على مدينة كيدال في عملية منسّقة مع جبهة تحرير أزواد (FLA)، وهي جماعة متمرّدة يهيمن عليها الطوارق. وقال المتحدث باسم الجبهة محمد المولود رمضان عبر منصات التواصل الاجتماعي إن الجبهة سيطرت على مواقع متعددة في كيدال وغاو، وهو ما لم تتمكّن الجزيرة من التحقق منه بصورة مستقلة. غير أن مقاطع فيديو نشرت عبر الإنترنت وتم التحقّق منها أظهرت مسلّحين يدخلون مخيم الشباب الوطني في كيدال يوم السبت.
وأشار هاك إلى أن جبهة FLA تبدو في طريقها لتوسيع نفوذها شمال البلاد، لافتاً إلى "مقاطع فيديو تتداول على وسائل التواصل الاجتماعي تُظهر بعض هؤلاء المقاتلين وهم يدخلون منزل محافظ كيدال." وأضاف: "كيدال ليست أكبر مدن الشمال، لكنها ذات رمزية عالية، فمن يسيطر على كيدال يسيطر على الشمال."
شاهد ايضاً: مدير الهجرة الأمريكية بالإنابة يستقيل من منصبه
أما إبراهيم يحيى إبراهيم، نائب مدير قسم الساحل في مجموعة الأزمات الدولية، فقد أشار إلى أن السلطات المالية بدت مفاجأةً بهذه الموجة من الهجمات. وقال في تصريحاته للجزيرة من داكار: "رغم صعوبة القول إن ما جرى مفاجأة تامة، فإنه يمثّل حلقةً درامية أخرى في سلسلة هجمات مدوّية شهدناها في السنوات الأخيرة من قِبَل JNIM ضد الحكومة."
ما دور المرتزقة الروس في هذه الأحداث؟
أفاد شهود عيان هاك بأن مرتزقة روساً شاركوا في المعارك في باماكو حول المطار، حيث يوجد أحد مقارّهم الرئيسية. بيد أن هاك أشار إلى أن "الضغط المتزايد على الجبهة الروسية الأوكرانية أدى إلى سحب بعض هؤلاء المرتزقة من مالي، مما أثّر سلباً على الوضع الأمني فيها."
وأضاف أن "المرتزقة الروس يبدو أنهم سلّموا مدينة كيدال أو على الأقل المعسكر العسكري الذي كانوا فيه مع القوات المالية"، مشيراً إلى أن مقاتلي الطوارق طالبوهم بتسليم أسلحتهم، وإن كان ما إذا فعلوا ذلك فعلاً لا يزال غير محسوم. وخلص إلى أن "عدم مقاومة المرتزقة الروس للمقاتلين المسلّحين أمرٌ له دلالته."
وفي يونيو من العام الماضي، أعلنت مجموعة Wagner الروسية انسحابها من مالي بعد أكثر من ثلاث سنوات ونصف من العمليات، مؤكّدةً إتمام مهمّتها ضد الجماعات المسلّحة. غير أن انسحاب Wagner لم يعنِ رحيل المقاتلين الروس كلياً؛ إذ بقي المرتزقة تحت راية Africa Corps، وهي مجموعة شبه عسكرية مموّلة من الكرملين أُسّست في أعقاب التمرّد الفاشل الذي قاده مؤسّس Wagner يفغيني بريغوجين ضد الجيش الروسي في يونيو 2023. وتنشط Africa Corps إلى جانب مالي في دول أفريقية أخرى، من بينها غينيا الاستوائية وجمهورية أفريقيا الوسطى.
ماذا يعني كل هذا لأمن مالي ومنطقة الساحل؟
منذ استقلالها عام 1960، تعاقبت على مالي دورات متكرّرة من الاستقرار والاضطراب السياسي، تخلّلتها تمرّدات وأزمات اقتصادية وانقلابات عسكرية.
ففي عام 2012، شنّ انفصاليون طوارق من عرقية أمازيغية، بالتحالف مع مقاتلين من فصيل مرتبط بتنظيم القاعدة، تمرّداً استولوا خلاله على شمال البلاد. ثم سرعان ما دفعت جماعة أنصار الدين الطوارقَ جانباً وسيطرت على المدن الشمالية الكبرى، مما استدعى تدخّلاً عسكرياً فرنسياً في مطلع عام 2013 بطلبٍ من الحكومة. ولاحقاً، اندمجت أنصار الدين مع جماعات أخرى لتشكيل JNIM.
وفي سبتمبر 2013، انتُخب إبراهيم بوبكر كيتا رئيساً، غير أن حكمه الديمقراطي الهشّ انتهى عام 2020. وفي عهده، رعت الأمم المتحدة عام 2015 اتفاقية سلام بين الحكومة وجماعات الطوارق الشمالية المطالِبة باستقلال أزواد. ثم أُطيح بكيتا في انقلابٍ عسكري في أغسطس 2020 إثر موجة احتجاجات شعبية واسعة على الأوضاع الاقتصادية وتقدّم الجماعات المسلّحة. وفي سبتمبر من العام ذاته، أُقسمت اليمين لباه نداو رئيساً انتقالياً، مع غويتا نائباً له.
وفي مايو 2021، انقضّ غويتا على السلطة في انقلابٍ ثانٍ، وتعهّدت حكومته العسكرية في البداية بالعودة إلى الحكم المدني في مارس 2024، وهو وعدٌ لم يُنفَّذ حتى اليوم.
وفي ديسمبر 2021، دعا غويتا المرتزقة الروس لدعم حكومته العسكرية في مواجهة الجماعات المسلّحة، بعد أن طالب القوات الفرنسية بالانسحاب، مما أوجد فراغاً أمنياً. وفي يناير 2024، ألغت السلطات المالية اتفاقية السلام لعام 2015 مع متمرّدي الطوارق، بذريعة عدم التزامهم بها، مما أشعل فتيل تدهورٍ أمني جديد. ثم في سبتمبر 2025، فرضت JNIM حصارها على واردات الوقود، شالّةً الحياة في باماكو.
شاهد ايضاً: المرشح الديمقراطي لاستبدال مارغوري تايلور غرين يواجه مهمة صعبة، لكن الجمهوريين لا يزالون يراقبون عن كثب
وانضمّت مالي، إلى جانب النيجر وبوركينا فاسو، إلى تحالف دول الساحل (AES) بعد انفصالها رسمياً عن التكتّل الإقليمي لغرب أفريقيا ECOWAS العام الماضي. بيد أن وزير الخارجية المالي عبد الله جوب حضر في وقتٍ سابق من هذا الأسبوع منتدىً أمنياً في السنغال، وأكّد فيه أن الانسحاب "نهائي"، لكنه أبدى انفتاحاً على إبقاء حوارٍ بنّاء مع ECOWAS في ملفَّي حرية التنقّل والسوق المشتركة.
وعلّق المحلّل السياسي المتخصّص في شؤون الساحل وغرب أفريقيا أداما غاي للجزيرة بالقول: "حتى حضور الوزير المالي في هذا المؤتمر يدلّ على أنهم يشعرون بالخوف ويحتاجون إلى الانفتاح، وهو إشارةٌ أيضاً إلى رغبتهم في التواصل مع ECOWAS." وأضاف أن الحكومة العسكرية بقيادة غويتا "لا تملك شرعيةً في بلدها"، واصفاً أداءها بأنه "كان سيئاً على صعيد التقدّم الاقتصادي والسلام والاستقرار"، ومحذّراً من أن "هذه الهجمات ستُضاف إلى سجلّ إخفاقاتهم في إثبات قدرتهم على ضبط الأمن في مالي."
أخبار ذات صلة

جندي أمريكي يُعتقل بتهمة المراهنة على 400 ألف دولار من عملية ضدّ مادورو

العراق: هل يتمكّن الكتلة الشيعية من تجاوز العقبات لاختيار رئيس الوزراء القادم؟

الخليج يملك الوحدة.. الآن يحتاج إلى دفاع وتنمية مشتركة
