مفاوضات إيران وأمريكا في إسلام آباد تثير الترقب
تتجه الأنظار إلى زيارة وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى إسلام آباد، حيث يُتوقع تحقيق اختراق في المفاوضات مع الولايات المتحدة وسط تصاعد التوترات. هل تنجح الدبلوماسية الباكستانية في إنهاء حالة القلق؟ خَبَرَيْن.

-في ليلة الجمعة، كان وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يستعدّ للتوجّه إلى إسلام آباد على رأس وفدٍ صغير، في خطوةٍ وصفها مسؤولون باكستانيون بأنّها محوريّة على طريق استئناف المفاوضات المباشرة بين إيران والولايات المتحدة.
أكّد مسؤولون حكوميون رفيعو المستوى في إسلام آباد هذه المعلومة، وذلك عقب سلسلة من المكالمات الهاتفية التي أجراها عراقجي مع مسؤولين باكستانيين خلال يوم الجمعة.
في المقابل، أوضحت وكالة الأنباء الإيرانية الرسمية IRNA أنّ زيارة عراقجي لباكستان ذات طابعٍ ثنائي في المقام الأوّل أي للتشاور مع المسؤولين الباكستانيين، لا لإجراء محادثات مباشرة مع الجانب الأمريكي فوراً. وأضافت IRNA أنّ عراقجي سيتوجّه بعد إسلام آباد إلى موسكو ثمّ مسقط.
بيد أنّ مسؤولاً باكستانياً أشار إلى أنّ ثمّة "احتمالاً مرتفعاً لتحقيق اختراق" في المفاوضات بين واشنطن وطهران، وذلك في أعقاب أيامٍ من التصعيد المتبادل وتصاعد التوترات في مضيق هرمز.
خلفية التوتّر
كان من المقرّر أن يصل وفدٌ أمريكي بقيادة نائب الرئيس JD Vance إلى إسلام آباد مطلع الأسبوع لإجراء محادثات، غير أنّ إيران أعلنت عدم استعدادها للعودة إلى طاولة التفاوض، محتجّةً بالحصار البحري المفروض على موانئها. فرض دونالد Trump هذا الحصار في 13 أبريل، أي بعد يومين من انتهاء الجولة الأولى من المفاوضات في إسلام آباد دون التوصّل إلى نتيجة.
منذ ذلك الحين، تعثّرت آفاق المحادثات؛ إذ أصرّت طهران على ضرورة رفع الحصار قبل أي عودة إلى التفاوض، فيما رفض Trump رفع الحصار حتى بعد أن أعلن عراقجي استعداد إيران لإعادة فتح المضيق الذي أغلقته فعلياً أمام معظم السفن منذ مطلع مارس.
شاهد ايضاً: إيران والحرب: كم أنفقت أمريكا فعلاً؟
في خضمّ هذا المأزق، اشتعلت التوترات في المضيق خلال الأيام الأخيرة؛ إذ استولت الولايات المتحدة أوّلاً على سفينة ترفع العلم الإيراني، فردّت إيران بالاستيلاء على سفينتين وإطلاق النار على ثالثة.
بحلول منتصف الأسبوع، كان مصير الجولة الثانية من المحادثات الأمريكية الإيرانية مجهولاً. ثمّ تبدّل المشهد فجأةً صباح الجمعة.
سلسلة اتصالات مكثّفة
أجرى عراقجي مكالمةً هاتفية مع نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية الباكستاني إسحاق دار صباح الجمعة. وأكّد دار أهمية الحوار المستدام، فيما أعرب عراقجي عن تقديره لـ"الدور التيسيري الثابت والبنّاء" الذي تضطلع به باكستان، وفق ما أفاد به وزارة الخارجية الباكستانية.
كما أشارت وكالة IRNA إلى مكالمة منفصلة بين عراقجي وقائد الجيش الباكستاني المارشال عاصم منير، وإن لم تؤكّد السلطات الباكستانية هذه المعلومة ولم تنفِها.
حتى الآن، لم تؤكّد الولايات المتحدة ما إذا كانت إدارة Trump ستُرسل وفداً للقاء عراقجي وفريقه، ولا الجدول الزمني لذلك، ولا هويّة أعضاء الوفد. وكان Vance قد رافقه في محادثات 11 أبريل في إسلام آباد المبعوث الخاص Steve Witkoff وصهر الرئيس Jared Kushner.
غير أنّ الوفد الإيراني في تلك المحادثات كان بقيادة رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، الذي يُنظر إليه على نطاقٍ واسع باعتباره أقرب إلى الحرس الثوري الإسلامي (IRGC) ذي النفوذ الواسع، مقارنةً بعراقجي والقيادة السياسية الإيرانية برئاسة الرئيس مسعود بزشكيان.
وعلى الرغم من تأجيل المحادثات التي كانت مقرّرة مطلع الأسبوع، يؤكّد المسؤولون أنّ الولايات المتحدة لا تزال مستعدّة لحضور الجولة الثانية. وقد وصلت إلى المدينة هذا الأسبوع ما لا يقلّ عن 9 طائرات أمريكية تحمل معدّات اتصالات ومركبات وطواقم أمن وكوادر تقنية، تحضيراً للحوار متى انعقد.
ويبقى غير واضح ما إذا كانت المرونة الإيرانية الظاهرة في العودة إلى التفاوض نتاجَ ضغوط اقتصادية ناجمة عن الحصار البحري الأمريكي الذي أوقف ناقلات النفط الإيرانية عن التصدير إلى الاقتصادات الآسيوية أم أنّها ثمرة قنوات دبلوماسية خلفية أسفرت عن اختراقٍ حقيقي.
ويبقى البرنامج النووي الإيراني والعقوبات الأمريكية ومستقبل مضيق هرمز أبرز نقاط الخلاف التي هدّدت في الأيام الأخيرة بتقويض جهود الوساطة الباكستانية.
إسلام آباد في حالة ترقّب قسري
شاهد ايضاً: البحرين تسحب الجنسية من 69 شخصاً لدعمهم إيران
بالنسبة لسكّان العاصمة الباكستانية، تبدو المعادلة أبسط وإن كانت أشدّ إيلاماً: يريدون أن تنتهي هذه المفاوضات في أقرب وقتٍ ممكن، بسبب ما تسبّبه من اضطرابٍ في حياتهم اليومية وحالة التعليق المستمرّة حول مصير المحادثات.
"نعيش في حالة حرجة غير مستقرة "
تبدأ ماهين سليم فاروقي كلّ صباح بالطريقة ذاتها هذه الأيام. تتفقّد هاتفها قبل النهوض من السرير لا لمتابعة الأخبار، بل بحثاً عن تعليمات: هل غيّر مكتبها خططه؟ هل تحوّلت مدرسة أطفالها إلى التعليم عن بُعد؟ هل الطريق التي تسلكها إلى المخبز لا تزال مفتوحة أم أُغلقت خلف حاجزٍ أمني آخر؟
قالت هذه المستشارة البالغة من العمر 41 عاماً وأمّ الطفلين: "يومك بأكمله يقوم على هيكلٍ مُحكَم ومُخطَّط له مسبقاً. أيّ قدرٍ من الغموض يعني إعادة ترتيب كلّ شيء من الصفر، وهو ما يوازي الفوضى. الأسابيع الماضية كانت إعادة ترتيبٍ لا تتوقّف".
قبيل الجولة الثانية المرتقبة من المحادثات مطلع هذا الأسبوع، فرضت السلطات قيوداً مشدّدة على حركة التنقّل داخل العاصمة. ومن المتوقّع أن تُعقد المفاوضات في فندق Serena، حيث جرت الجولة الأولى داخل المنطقة الحمراء عالية الأمان.
وعلى الرغم من أنّ إيران بدت في مرحلةٍ ما كأنّها تنسحب من المحادثات قبل أن تُبدي استعداداً للتفاوض يوم الجمعة، فإنّ القيود الأمنية ظلّت سارية طوال الأسبوع.
راجا طلحة سرفراز، محامٍ يبلغ 26 عاماً يمثّل أمام محكمة إسلام آباد العليا، لم يمثّل أمام أيّ هيئة قضائية منذ أكثر من أسبوع. المحكمة، الواقعة داخل المنطقة الحمراء، مغلقة منذ الخميس الماضي. وأيّام الجمعة عطلةٌ رسمية أصلاً بموجب إجراءات التقشّف الحكومية في استهلاك الوقود، ما يعني أسبوعاً كاملاً دون يومٍ عمل واحد في المحاكم، دون أيّ إشارة إلى موعد استئناف الجلسات.
الأثر على سرفراز كان بالغاً بشكلٍ خاص. أحد موكّليه، المحكوم عليه بالإعدام، كان استئنافه مُدرَجاً بعد انتظارٍ دام عشرة أشهر. جاء الموعد والمحكمة مغلقة. والموكّل يقبع في السجن منذ أربع سنوات.
استئناف موكّلٍ آخر، المُدرَج ليوم الأربعاء للمرّة الأولى منذ سبتمبر 2025، لم يُنظر فيه هو الآخر. ولا يعلم سرفراز متى ستُعاد جدولته.
قال: "موكّلي الثاني في السجن منذ 2017. قبل سبتمبر، كانت هناك أربع مناسبات أُدرج فيها الاستئناف في جدول الأعمال وأُلغي في كلّ مرّة لأسبابٍ متعدّدة، والآن هذا".
يُدرّس سرفراز القانون أيضاً، لكنّ محاضراته الجامعية تحوّلت إلى التعليم عن بُعد، وهو ترتيبٌ يراه قاصراً. كما أُرجئ امتحانٌ كان مقرّراً أن يشرف عليه.
ويعيش سرفراز في ضواحي إسلام آباد، حيث يشعر بوطأة إغلاق الطرق التي تُخنق سلاسل الإمداد إلى المدينة منذ 19 أبريل، ممّا يجعل حتى رحلات التسوّق الاعتيادية أمراً غير مضمون.
مع إغلاق المحاكم وانتقال الدروس إلى الشاشات، لجأ إلى البقاء في المنزل معتمداً على ما توفّر من مؤن. وقال: "الحياة معلّقة. نعيش في المطهر، لا ندري متى ينتهي هذا كلّه".
في إسلام آباد المجاورة وفي مدينة رواليندي، استقرّ هذا الشعور بالتعليق في النسيج اليومي للحياة.
في المناطق السكنية القريبة من قاعدة نور خان الجوية، أُغلقت عدّة طرق منذ 19 أبريل. والمطار هو المكان الذي يهبط فيه كبار الضيوف الأجانب عند زيارتهم لإسلام آباد.
شاهد ايضاً: إيران تناقش الحرب والسلام بعد تمديد ترامب للهدنة
المدينة بأسرها تعكس الضغط ذاته. منطقة Blue Area، التي تُعدّ عادةً المركز التجاري لإسلام آباد، شهدت تراجعاً ملحوظاً في النشاط طوال الأسبوع.
إسلام آباد ليست غريبةً على الاضطراب؛ فقد عاشت هجمات جماعات مسلّحة وموجات احتجاج سياسي وزيارات رؤساء دول، وكلّها جلبت معها إغلاق الطرق وتعطيل الروتين اليومي.
لكنّ ما أنهك السكّان هذه المرّة هو الحجم والتكرار. جاءت الموجة الأولى من القيود في مطلع أبريل مع الجولة الأولى من المحادثات، ولم تُرفع بعض الإجراءات كلياً قبل أن تبدأ مرحلة جديدة من الغموض.
"ستزداد الأمور سوءاً قبل أن تتحسّن"
شاهد ايضاً: إيران تتهم أمريكا بـ"القرصنة".. هل هي كذلك؟
وجدت باكستان نفسها في قلب واحدٍ من أكثر الجهود الدبلوماسية أهميةً في السنوات الأخيرة. فاستضافة محادثات بين واشنطن وطهران تُعزّز مكانة البلاد على الساحة الدولية وتدعم علاقاتها مع الدائنين والمستثمرين.
لكنّ تكلفة هذا الدور على المواطنين باتت يصعب تجاهلها.
باكستان لا تزال تخضع لبرنامج صندوق النقد الدولي البالغ 7 مليارات دولار. وارتفعت أسعار البنزين بما لا يقلّ عن 14%، وعادت انقطاعات الكهرباء المتكرّرة. وبعد سنواتٍ من الضغوط الاقتصادية، يواجه كثيرون الآن طبقةً إضافية من الاضطراب.
شاهد ايضاً: إيران تطلق النار على سفينة شحن قبالة سواحل عمّان
بالنسبة لفاروقي، يعمل الغموض على مستوياتٍ متعدّدة. ثمّة الخوف الأكبر من حربٍ زعزعت الاقتصاد العالمي منذ فبراير. وثمّة النسخة الأصغر اليومية: هل ستكون طريق المخبز مفتوحة؟ هل ستتحوّل المدرسة إلى التعليم الإلكتروني دون إشعارٍ كافٍ؟ هل ستصمد الخطط التي رُسمت ليلة أمس؟
قالت: "كلّ ليلة كانت تمريناً في تفقّد البريد الإلكتروني والرسائل لمعرفة ما إذا كان قد تغيّر شيء هل الطرق مفتوحة؟ هل أعلنت الحكومة شيئاً؟ هل يعلم أحدٌ بأيّ جديد؟"
وأضافت: "عشنا لحظةً أعلنت فيها مدرسة ابنتي أنّ الدراسة ستكون حضورية، ثمّ بعد 30 دقيقة تراجعت عن قرارها وتحوّلت إلى التعليم الإلكتروني لأنّه لا يوجد أيّ وضوح فيما يجري".
وأشارت إلى أنّها تحاول الحفاظ على روتينها اليومي، وتشرح لأطفالها سبب تغيّر جدول مدرستهم باستمرار، أحياناً في الصباح الواحد.
وختمت بالقول: "أحياناً يطغى واقع المرحلة على أبسط الأشياء، كالقدرة على التركيز في عملك. وبصراحة، لا أرى تحسّناً في الأفق القريب. بل يبدو أنّ الأمور ستزداد سوءاً قبل أن تتحسّن".
أخبار ذات صلة

قادة الخليج يجتمعون بالسعودية للمرة الأولى منذ بدء الحرب على إيران

إيران تبحث عن طرقٍ برّية بديلة مع تراكم 3000 حاوية في باكستان

إسرائيل تشنّ غارات على لبنان: صحفيون بين الجرحى
