سرطان القولون في نيجيريا يتصاعد بسبب التحول الغذائي
ارتفاع غير متوقع في سرطان القولون والمستقيم بنيجيريا بسبب التحول الغذائي والتأخر في التشخيص والعلاج. قصة أبحاث وأمل في الكشف المبكر لتغيير مصير المرضى عبر جهود فريق طبي وبحثي متقدم من خَبَرَيْن.

ثلاثة مرضى دخلوا مستشفى جامعة Obafemi Awolowo في مدينة إيلي-إيفي بنيجيريا بتشخيصات مختلفة تماماً: التهاب الزائدة الدودية وقرحة المعدة. لم يكن أيٌّ منهم يعلم أنّه يحمل في أمعائه ورماً خبيثاً. حين اكتُشف الحقيقة، كان المرض قد تقدّم بما يكفي لاستدعاء جراحةٍ كبرى وما يقارب عاماً كاملاً من العلاج الكيميائي. قصّتهم ليست استثناءً في نيجيريا بل باتت تمثّل نمطاً متكرّراً يُقلق الأطباء والباحثين على حدٍّ سواء.
سرطان القولون والمستقيم (Colorectal Cancer) الذي يحتلّ المرتبة الثانية عالمياً بين أسباب الوفاة بالسرطان بعد سرطان الرئة كان يُعدّ حتى وقتٍ قريب نادراً في منطقة أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى. لكنّ هذه الصورة تغيّرت بشكلٍ لافت، وما كان استثناءً صار روتيناً أسبوعياً في عيادات المستشفيات التعليمية النيجيرية.
من الندرة إلى الوباء الصامت
الدكتور Olusegun Alatise، أستاذ الجراحة في مستشفى جامعة Obafemi Awolowo، يتذكّر جيّداً ما تعلّمه في بداياته: أنّ هذا السرطان نادرٌ في بلاده. لكنّ الواقع الذي عاشه في غرفة العمليات كان مختلفاً تماماً. يقول: "كان من المفترض أن يكون نادراً جداً، لكنّنا كنّا نرى حالةً كلّ أسبوع". ثمّ يضيف بلهجةٍ لا تخلو من قلق: "نحن نتحدّث عن زيادةٍ أسّية في معدّل الإصابة بسرطان القولون والمستقيم".
ما يجعل الأرقام النيجيرية مؤلمةً بشكلٍ خاص هو الفجوة الهائلة في معدّلات البقاء على قيد الحياة. في الولايات المتحدة وأوروبا، يصل نحو 2 من كلّ 3 مرضى إلى عامهم الخامس بعد التشخيص. أمّا في نيجيريا، فلا يصل إلى ذلك إلّا مريضٌ واحد من كلّ 5. والسبب ليس غياب العلاج بالضرورة بل التأخّر في طلبه.
يصف الدكتور Alatise المشهد بوضوح: "غالبيّتهم لا يأتون إلى المستشفى التعليمي للعلاج إلّا حين يكون المرض قد انتشر". ويُفصّل أكثر: "لديهم أعراضٌ أُهملت. يكونون يعانون من نزيفٍ مستقيمي لمدّة عام، لكنّ الجميع يعالجهم بأدويةٍ أخرى". هذا التأخير الذي يقيسه الأطباء بالأشهر لا بالأيام هو ما يحوّل ورماً قابلاً للاستئصال إلى مرضٍ منتشر يصعب السيطرة عليه.
لقاء غيّر مسار البحث
في عام 2009، سافر الدكتور Alatise إلى نيويورك ليتدرّب في مركز Memorial Sloan Kettering Cancer Center (MSK) ليكون أوّل جرّاحٍ أفريقي يتقدّم بطلبٍ لهذا البرنامج. هناك التقى بالجرّاح الأمريكي الدكتور Peter Kingham، الذي زار نيجيريا بعدها عام 2011 وبدأ تعاوناً سنوياً مع زميله النيجيري. وفي عام 2013، أسّس الاثنان معاً مجموعة African Research Group for Oncology (ARGO)، التي نمت لتضمّ اليوم أكثر من 24 موقعاً بحثياً في نيجيريا، وأكثر من 60 موظّفاً، وقرابة 10,000 مريضٍ في برامجها البحثية. وقد حظيت ARGO بما لا يقلّ عن 4 منحٍ من المعاهد الوطنية الأمريكية للصحة (US National Institutes of Health) تركّز على سرطان القولون والمستقيم.
الدكتور Kingham يصف فلسفة العمل في نيجيريا بصدقٍ لافت: "في MSK، نُجري قدراً هائلاً من الأبحاث الغامضة، معظمها مهمٌّ، لكنّه أيضاً ترفٌ. في نيجيريا، ليس لدينا الترف نفسه. كلّ شيءٍ نفعله، علينا أن نسأل: هل يمكن لهذا فعلاً أن يغيّر مسار ما يحدث للمريض؟". ويلخّص الهدف في عبارةٍ واحدة: "الهدف هو إجراء بحثٍ ذي معنى سريري".
لعنة التحوّل الغذائي
لا يمكن فهم ارتفاع معدّلات الإصابة بمعزلٍ عن التحوّلات الاجتماعية التي تشهدها نيجيريا. الغذاء الغربي والأطعمة المصنّعة من أبرز العوامل المرتبطة بارتفاع خطر الإصابة بسرطان القولون والمستقيم، وهذا ما يُشير إليه الدكتور Kingham بعبارةٍ لاذعة: "النظام الغذائي الغربي مرتبطٌ ارتباطاً وثيقاً بسرطان القولون والمستقيم، وكذلك الأطعمة المصنّعة. هذه هي لعنة التنمية".
الدكتور Alatise يُضيف بُعداً اجتماعياً يكشف عن مفارقةٍ صارخة: "حتى الناس القادمون من المجتمعات الريفية يأكلون في معظمهم الأطعمة المصنّعة، لأنّها تُعدّ طعام الأغنياء، في حين أنّ النظام الغذائي الغني بالألياف والأطعمة التقليدية يُنظر إليه باعتباره طعام الفقراء". ثمّ يستدرك بمرارة: "في الخارج، كلّ غنيٍّ يحاول إضافة الألياف إلى نظامه الغذائي، أمّا في أفريقيا فهم يحاولون أن يكونوا أكثر تغرّباً".
هذه المعادلة المقلوبة حيث يُعيد الثريّ الغربي اكتشاف الغذاء التقليدي بينما يتخلّى عنه النيجيري الطامح إلى الحداثة تتقاطع مع ما يراه الأطباء في غرف العمليات كلّ أسبوع.
الكشف المبكّر: عقبات وبوادر أمل
في عام 2014، أطلقت ARGO دراسةً تجريبية أوليّة قدّمت فيها تنظير القولون (Colonoscopy) مجّاناً لـ 362 مريضاً يعانون من نزيفٍ مستقيمي. النتائج كانت صادمة: قرابة 20% من هؤلاء كانوا يحملون سرطان القولون والمستقيم. والأهمّ من ذلك أنّ 74% من الحالات المكتشفة كانت في مراحل قابلة للشفاء أي ضعف ما كان يُسجَّل تاريخياً. فضلاً عن ذلك، جرى الكشف عن 4 حالات سرطانٍ مبكّرة و13 زلولة (Polyp) عالية الخطورة بين أكثر من 300 شخصٍ أُحيلوا للفحص في إطار حملة التوعية. يعلّق الدكتور Alatise على هذه الحالات الأخيرة: "كان يمكن أن ينتهوا بالوفاة من سرطان القولون والمستقيم، لكنّنا أزلنا الزوائد، وهم الآن بخير".
غير أنّ تحديات الفحص المنهجي لا تزال ضخمة. تكلفة تنظير القولون في نيجيريا تعادل نحو نصف الدخل الشهري المتوسّط، وهو رقمٌ يجعله بعيداً عن متناول شريحةٍ واسعة من السكّان. أمّا اختبارات الدم الخفيّ في البراز، الشائعة في الدول الغنية، فهي غير مجدية اقتصادياً في السياق النيجيري لأنّها تستدعي تنظير القولون لاحقاً في حال جاءت إيجابية.
لمواجهة هذه العقبات، درّبت ARGO مقدّمي الرعاية في العيادات المحلية على التعرّف إلى الأعراض التحذيرية وإحالة المرضى للفحص. يقول الدكتور Tajudeen Mohammed، أحد الجرّاحين المشاركين في المشروع: "جرى إخبارهم بمزيدٍ من التفاصيل حول كيفية التعرّف إلى هذه الأعراض وكيفية أخذ التاريخ المرضي من المريض".
لكنّ العوائق لا تقتصر على المال والجغرافيا. يُشير Chris Bamidele، الباحث المشارك في ARGO: "بالنسبة لبعض الناس، أعتقد أنّه الخوف، وبالنسبة لآخرين، ثمّة أيديولوجيا دينية حول أشياء كالسرطان". الوصمة الاجتماعية والمعتقدات الخاطئة تحول دون مجيء المرضى في الوقت المناسب، بقدر ما تفعل التكلفة والمسافة.
علاجٌ مصمَّم لجينات نيجيريا
لا تقف ARGO عند حدود الكشف المبكّر. في عام 2024، أطلقت المجموعة تجربةً سريرية باستخدام tislelizumab، وهو مثبّطٌ لنقاط التفتيش المناعية (Immune Checkpoint Inhibitor) فئةٌ من الأدوية تعمل على تعزيز استجابة الجهاز المناعي لمهاجمة الورم. ما يجعل هذه التجربة مثيرةً للاهتمام البحثي هو أنّ البصمة الجينية التي يستهدفها هذا الدواء أكثر شيوعاً بثلاثة أضعاف في المرضى النيجيريين مقارنةً بنظرائهم الأمريكيين. يعلّق الدكتور Kingham: "هذا يعني أنّه أكثر احتمالاً بثلاثة أضعاف للاستفادة منه المرضى هناك".
في الوقت ذاته، تتعاون ARGO مع MSK وجامعة University of Alberta لتطوير اختبارٍ للكشف عن سرطان القولون والمستقيم عبر البول وهو ما قد يُمثّل بديلاً أقلّ تكلفةً وأيسر وصولاً إن نجح.
هذه الجهود مجتمعةً تطرح سؤالاً جوهرياً: هل يمكن لنموذجٍ بحثي مُصمَّم خصّيصاً للسياق الأفريقي يأخذ بعين الاعتبار التركيب الجيني للمرضى وطبيعة العوائق الاجتماعية والاقتصادية أن يُحدث فارقاً حقيقياً في معدّلات البقاء؟
الإجابة لا تزال تتشكّل في مختبرات إيلي-إيفي وغرف عملياتها. لكنّ أحد المرضى محاضرٌ جامعي تشخّصت حالته متأخّراً ثمّ شُفي يملك رأياً واضحاً يريد مشاركته مع كلّ من يتردّد: "الفحص ليس مريحاً، لكنّ الانزعاج منه أقلّ بكثيرٍ من مشكلة أن تصبح مريض سرطان. أشجّع الناس على تقبّله". كلماتٌ بسيطة، لكنّها تختصر ما يحاول الباحثون والأطباء قوله منذ عقد من الزمن.
أخبار ذات صلة

مؤشر كتلة الجسم قد لا يعكس الصحة الحقيقية لدى كبار السن

الأشخاص الوحيدون الذين يبثّون عن السعادة: ماذا نتعلّم من تجربتهم؟

سرطانُ الأمل: رحلةُ عائلةٍ بين الفقدان والعطاء
