رحلات الترحيل القسرية والمجهولة للمهاجرين في أمريكا
خَبَرَيْن يكشف كيف ترحّل إدارة ترامب مهاجرين إلى دول مجهولة بلا حقوق أو ضمانات قانونية وتثير مخاوف حقوقية دولية من انتهاكات خطيرة في سياسة ترحيل تتحدى القانون الدولي وتترك آلاف اللاجئين في مصير مجهول ومخيف.

وصف مهاجرٌ كوبي ما جرى له بكلمةٍ واحدة: "اختطاف". لم يكن يعلم إلى أين يُساق، ولم يكن يعرف متى سيُفرَج عنه، ولم تربطه بالأرض التي هبطت فيه الطائرة أيُّ صلةٍ من قريبٍ أو بعيد. هذا ليس وصفاً استعارياً؛ إنّه ما تفعله إدارة Donald Trump اليوم بالمهاجرين وطالبي اللجوء: ترسلهم إلى بلدانٍ لا يعرفونها ولا تعرفهم، في سياسةٍ تتحدّى التعريفات القانونية التقليدية للترحيل وتُثير قلقاً حقوقياً متصاعداً.
رحلاتٌ إلى المجهول: من ليبيريا إلى غينيا الاستوائية
قبل نحو أسبوعين، أقلّت طائرات أمريكية مهاجرين كوبيين وفنزويليين ولاتينيين آخرين من مراكز الاحتجاز إلى ليبيريا في غرب أفريقيا. رفض بعض الرجال النزول من الطائرة؛ فهم لا يعرفون أفريقيا ولا تعرفهم، وليس لهم فيها أهلٌ ولا مأوى. غير أنّ رفضهم لم يُفضِ إلى إعادتهم إلى الولايات المتحدة، بل إلى نقلهم إلى وجهةٍ أشدّ قسوة: غينيا الاستوائية، الدولة الأفريقية التي تصنّفها منظمات حقوق الإنسان ضمن أنظمة الحكم الاستبدادي ذات السجلّ الحقوقي المثير للقلق.
في غينيا الاستوائية، احتُجز المهاجرون في فندق دون أن يُخبَروا متى سيُطلَق سراحهم، ودون أن يتمكّنوا من الوصول إلى وثائقهم أو هواتفهم أو أيّ وسيلةٍ للمعيشة. وقد وصف مهاجرٌ كوبي لم يُكشَف عن هويّته تجربته بأنّها "اختطاف"، وهي كلمةٌ تختزل ما يصعب على المصطلحات القانونية الجافّة أن تعبّر عنه.
"الترحيل" كلمةٌ قاصرة عن وصف ما يجري
ثمّة معركةٌ لغويةٌ وقانونية تدور في الخلفية، لا تقلّ أهميةً عمّا يجري على أرض الواقع. فكلمة "deportation" الترحيل التي دخلت اللغة الإنجليزية عام 1595 وأُدرجت في الاستخدام القانوني الأمريكي عام 1893 إبّان قضية Fong Yue Ting، كانت تعني تاريخياً إعادة المهاجر إلى بلده الأصلي أو البلد الذي دخل منه. وقد جمع قانون الهجرة والجنسية الصادر عام 1965 بين مفهومَي "الإقصاء" و"الترحيل" تحت مصطلحٍ واحد هو "الإزالة" (removal).
لكنّ ما تفعله إدارة Trump اليوم يتجاوز هذا الإطار التاريخي كلّه. تقول Amy Fischer، مديرة ملفّ حقوق اللاجئين والمهاجرين في منظمة Amnesty International USA: «"الترحيل" تعبيرٌ قاصر، لأنّه لا يعكس العشوائية والقسوة والخطر المصاحبَين للترحيل إلى دولٍ ثالثة». وتذهب Anna O. Law، المؤرّخة المتخصّصة في الهجرة والأستاذة في Brooklyn College، إلى أبعد من ذلك، إذ ترى أنّ «المفهوم الشائع للترحيل لا ينسجم دائماً مع ما يتعرّض له الناس فعلاً، وهو يُقلّل من حجم الانتهاكات الحقيقية».
أمّا Aaron Reichlin-Melnick، الباحث الأوّل في American Immigration Council، فيُشير إلى أنّ ما تفعله الولايات المتحدة اليوم يُمثّل منعطفاً تاريخياً: «أن تبدأ الولايات المتحدة الآن بإرسال آلاف الأشخاص إلى بلدانٍ ليست بلدانهم، حتى وإن جاء ذلك تحت مسمّى "الإزالة" المنصوص عليه في القانون، يوحي بأنّنا أمام شيءٍ مختلف تماماً».
سياسةٌ تتحدّى القانون الدولي
تُسوّغ إدارة Trump هذه الترحيلات بالقول إنّ الاتفاقيات الدبلوماسية المبرمة مع الدول المستقبِلة تتضمّن ضماناتٍ بعدم تعرّض المهاجرين للاضطهاد. غير أنّ خبراء القانون الدولي يرون في ذلك تحايلاً على مبدأ "عدم الإعادة القسرية" (non-refoulement)، الذي يحظر صراحةً إرسال المهاجرين إلى بلدانٍ قد يتعرّضون فيها للاضطهاد أو التعذيب. والأخطر من ذلك ما يُعرف بـ"الإعادة القسرية المتسلسلة" (chain refoulement)، أي إرسال طالبي اللجوء إلى دولٍ ثالثة قد تُعيدهم بدورها إلى بلدانهم الأصلية التي فرّوا منها.
يُنبّه خبراء الأمم المتحدة إلى أنّ هذه الممارسات تنتهك أحكام القانون الدولي الإنساني، فيما يذهب بعض المحلّلين إلى تشبيهها بما يُعرف بـ"التسليم الاستثنائي" (extraordinary rendition)، تلك الممارسة التي اكتسبت سمعةً سيّئة في سياق الحرب على الإرهاب.
الوقائع على الأرض تدعم هذه المخاوف: كثيرٌ من المهاجرين لا يتلقّون سوى يومٍ واحد من الإشعار قبل ترحيلهم إلى بلدانٍ نائية، ويجدون أنفسهم عند الوصول محتجَزين دون وثائق أو هواتف أو أيّ وسيلةٍ للتواصل مع العالم الخارجي.
من بايدن إلى Trump: تصعيدٌ على تصعيد
تجدر الإشارة إلى أنّ ظاهرة الترحيل إلى دولٍ ثالثة ليست وليدة إدارة Trump وحدها؛ فقد شهدت سنوات إدارة Biden توسّعاً ملحوظاً في هذه الممارسة. لكنّ ما فعلته إدارة Trump هو تحويلها من استثناءٍ إلى سياسةٍ منهجية، في سياق هدفٍ معلنٍ يقضي بترحيل مليون شخصٍ سنوياً.
يُلخّص Reichlin-Melnick هذا المنعطف بعبارةٍ لا تخلو من حدّة: «هذا مستوىً من القسوة المُقنَّنة رسمياً لم تنخرط فيه أيّ إدارةٍ في العصر الحديث، وهو يجسّد الحاجة الملحّة إلى أن يتدخّل الكونغرس ويفعل شيئاً».
في هذا السياق، يُشير المدافعون عن حقوق المهاجرين إلى أنّ الحكومة الأمريكية تملك صلاحية إرسال المهاجرين إلى دولٍ ثالثة حين يتعذّر إعادتهم إلى بلدانهم الأصلية أو البلد الذي دخلوا منه وهو ما يمنحها هامشاً قانونياً تتحرّك من خلاله. غير أنّ المنتقدين يؤكّدون أنّ هذا الهامش لا يُسوّغ إرسال أشخاصٍ إلى دكتاتوريات بعيدة دون ضمانات حقيقية وقابلة للتحقّق، ودون أن يُتاح لهم الحقّ في الطعن القانوني.
الجانب الأكثر إثارةً للجدل هو غياب الشفافية؛ فوزارة الخارجية الأمريكية لم تُعلّق على تفاصيل الاتفاقيات المبرمة مع الدول المستقبِلة، فيما كشفت تحقيقاتٌ صحفية عن أنّ واشنطن استخدمت حوافز دبلوماسية وأموالاً في إبرام بعض هذه الصفقات السرية.
السؤال المفتوح: إلى أين؟
ما يجري اليوم يُعيد رسم حدود مفهومٍ قانونيٍّ عمره قرونٌ. منذ قانون الأجانب عام 1798 الذي منح الرئيس صلاحية طرد الأجانب، مروراً بقانون الهجرة عام 1907 الذي رسّخ مصطلح "الترحيل"، وصولاً إلى قانون 1965 الذي وحّد المصطلحات تحت "الإزالة" كان المنطق الضمني دائماً أنّ المُرحَّل يعود إلى مكانٍ يعرفه. اليوم، ينهار هذا المنطق.
السؤال الذي يطرحه المدافعون عن حقوق الإنسان ليس فقط أين يُرسَل هؤلاء الناس، بل من يضمن سلامتهم حين يصلون؟ ومن يُحاسَب حين تُخفَق تلك الضمانات الدبلوماسية أو تتبخّر؟ الكونغرس لم يتحرّك بعد، والمحاكم تنظر في طعوناتٍ متعدّدة، فيما تواصل الطائرات رحلاتها إلى وجهاتٍ لم يسمع بها المهاجرون يوماً — وربّما لم يتخيّلوا يوماً أنّهم سيُجبَرون على النزول فيها.
أخبار ذات صلة

رجل يُحكم عليه بـ 20 سنة في قضيةٍ من «حقول تكساس» بعد عقودٍ من اكتشاف عشرات الجثث

الفساد الحكومي الأمريكي يدخل مرحلةً جديدة

أكبر منطقة تعليمية في البلاد تحظر الذكاء الاصطناعي حتى الصف الثامن
