الفساد يتغلغل في واشنطن رغم وعود ترامب
خَبَرَيْن يكشف كيف أن وعود ترامب بمحاربة الفساد لم تغير واقع انتشار الفساد في الحكومة الأمريكية حيث يرى أغلب المواطنين أن الرئاسة والمؤسسات السياسية تعاني من تضارب مصالح وانتهاك للثقة العامة مما يهدد مستقبل الديمقراطية.

حين أعلن Donald Trump في خطاب تنصيبه الأول أنّه يُعيد السلطة إلى الشعب الأمريكي، صفّق له الملايين. وحين كرّر في خطابه الثاني الحديث عن "مؤسسة فاسدة راديكالية" نهبت ثروات المواطنين، بدا أنّ الرجل يحمل مشروعاً لتطهير واشنطن. لكنّ استطلاعات الرأي الصادرة في 2026 تكشف مفارقةً صارخة: الأمريكيون لم يكونوا يوماً أكثر اقتناعاً بأنّ الفساد يسري في عروق حكومتهم وذلك في عهد الرجل الذي وعد بتجفيف المستنقع.
أرقامٌ لا تُفرّق بين الحزبَين
استطلاع Gallup لعام 2026 يُسجّل رقماً قياسياً: 89% من الأمريكيين يرون أنّ الفساد منتشرٌ على نطاقٍ واسع في الحكومة. الأكثر لفتاً للنظر أنّ هذا الرقم لا يعكس انقساماً حزبياً حاداً، بل توافقاً نادراً في مشهدٍ سياسي مُستقطَب: 91% من الديمقراطيين و90% من المستقلّين يتشاركون هذا الشعور، وكذلك 83% من الجمهوريين وهم أنصار الحزب الحاكم ذاته.
استطلاع جامعة Massachusetts يذهب أبعد من ذلك: 97% من المستطلَعين يقولون إنّ ثمّة قدراً من الفساد في الحكومة، فيما يرى 75% منهم أنّ هذا الفساد يبلغ حدّ "الكثير الكبير". وتُشير بيانات Gallup إلى أنّ نسبة الإدراك هذه تتجاوز 70% منذ عام 2010، وبلغت 79% في 2025، وهي نسبةٌ تضع الولايات المتحدة في مصافّ كولومبيا على مقياس التصوّر الشعبي للفساد.
تاريخياً، كان أنصار الحزب الفائز يُبدون ثقةً أعلى بالحكومة عقب فوزه. لكنّ هذه المعادلة لم تنطبق في 2026: الجمهوريون الذين أوصلوا Trump إلى السلطة لا يزالون يرون الفساد منتشراً، حتى وإن انخفضت نسبتهم قليلاً من 87% في 2024 إلى 83% في 2026. الأزمة، إذن، أعمق من مجرّد خطاب المعارضة.
من الأكثر فساداً في نظر الأمريكيين؟
يُلقي استطلاع جامعة Massachusetts ضوءاً على تراتبية الثقة المفقودة: 53% من المشاركين يضعون الرئاسة في صدارة المؤسسات الأكثر فساداً، فيما يُصنّف 18% الكونغرس في المرتبة الأولى، و41% في المرتبة الثانية. وتُجمع غالبيةٌ واسعة 77% على أنّ الرئيس لا ينبغي له الاستفادة مالياً من مشاريع تجارية تتأثّر بسياسات إدارته.
هذا الرأي العام يصطدم بواقعٍ مختلف تماماً. فعائلة Trump تُوسّع نشاطها التجاري في ظلّ رئاسةٍ ثانية لم تُخفِ طابعها العائلي. نجلاه Eric وDon Jr. أسّسا شركة World Liberty Financial للاستثمار في العملات المشفّرة، كما تربطهما مصالح في شركات مقاولات الدفاع، وذلك في الوقت الذي يدفع فيه Trump نحو ميزانية دفاع تبلغ 1.5 تريليون دولار بزيادةٍ تُقدَّر بـ500 مليار دولار في عامٍ واحد.
أمّا شركة Trump Media، فتبيع لشركات Wall Street حق الوصول المبكر إلى منشورات Trump على وسائل التواصل الاجتماعي، بأسعارٍ تصل إلى 100,000 دولار شهرياً. وحين سُئل Trump عن هذا الخلط بين السلطة والمال، أجاب بصراحةٍ مُثيرة للجدل في مقابلة مع New York Times في يناير 2026: "اكتشفتُ أنّ أحداً لم يكترث."
وزراء وصفقات: من يُراقب من؟
لا تقتصر الصورة على العائلة الرئاسية. وزير الدفاع Pete Hegseth رفض في جلسة التأكيد أمام مجلس الشيوخ أن يتعهّد بعدم العمل لدى شركات مقاولات الدفاع بعد مغادرته منصبه. وحين واجهته السيناتور Elizabeth Warren بهذا السؤال، ردّ ببرود: "لستُ جنرالاً يا سيناتورة." الردّ الذي بدا وكأنّه يتهرّب من السؤال الجوهري أكثر ممّا يُجيب عنه.
Steve Witkoff، المفاوض الأمريكي في ملفَّي الشرق الأوسط وأوكرانيا، يرتبط بعلاقةٍ عائلية مع World Liberty Financial، إذ إنّ نجله شريكٌ في الشركة. وقد استقطب وزير التجارة Howard Lutnick انتقاداتٍ علنية، حتى من مضيفي قناة CNBC المعروفين بتأييدهم لـTrump، حين واجهه أحدهم بسؤالٍ مباشر عن تعارض مصالحه التجارية مع مهامه الوزارية.
في السياق ذاته، أدّى Elon Musk دوراً استثنائياً في بداية إدارة Trump بوصفه موظّفاً حكومياً خاصاً مُكلَّفاً بخفض الإنفاق، وذلك بعد أن أنفق ما يقارب 300 مليون دولار لدعم حملة Trump الانتخابية في 2024. غير أنّه غادر منصبه لاحقاً دون أن تتّضح معالم ما أنجزه فعلياً.
الكونغرس في قفص الاتهام أيضاً
المشكلة لا تتوقّف عند السلطة التنفيذية. بيانات تداول أعضاء الكونغرس تكشف نشاطاً مالياً مكثّفاً من مشرّعين على رأسهم Nancy Pelosi وRo Khanna، وكلاهما ديمقراطيّان. وتُشير استطلاعات الرأي إلى أنّ غالبيةً من الحزبَين تدعم حظر تداول الأسهم على أعضاء الكونغرس وذويهم لكنّ هذا الحظر لم يُترجَم بعد إلى قانون.
هذا التوافق الشعبي النادر حين يتّفق الجمهوريون والديمقراطيون والمستقلّون على قضيةٍ واحدة لم يُفضِ إلى أيّ إجراءٍ تشريعي ملموس. وهو ما يُعمّق الشعور بأنّ المنظومة السياسية برمّتها تُقاوم الإصلاح، بصرف النظر عمّن يُمسك بزمامها.
الديْن والوعود الضائعة
خلف كلّ هذا الجدل يرزح الاقتصاد الأمريكي تحت ثقل دَيْنٍ عام تجاوز 40 تريليون دولار. وبدلاً من معالجة هذا العبء، اختارت إدارة Trump تخفيض الإيرادات عبر تخفيضاتٍ ضريبية ضخمة، في وقتٍ تُحذّر فيه أصوات اقتصادية من مخاطر الإنفاق المتصاعد. الميزانية العسكرية المُقترحة بـ1.5 تريليون دولار تُضاف إلى هذا المشهد المالي المُقلق.
بيانات Pew Research تُظهر أنّ أزمة الثقة في الحكومة الأمريكية ليست وليدة اليوم؛ فجذورها تمتدّ إلى عقود. لكنّ ما يجعل لحظة 2026 استثنائيةً هو أنّ الرجل الذي قدّم نفسه مُنقذاً من الفساد بات يُجسّد في نظر كثيرين نموذجاً من النماذج التي وعد بمحاربتها.
السؤال الذي يُلحّ على الأمريكيين اليوم ليس فقط من هو الأكثر فساداً، بل ما إذا كانت المؤسسات القائمة بحزبَيها ومحاكمها وإعلامها قادرةً أصلاً على إنتاج إصلاحٍ حقيقي، أم أنّ الـ89% الذين يرون الفساد في كلّ مكان محكومٌ عليهم بالتفرّج على مشهدٍ لا يتغيّر، بصرف النظر عمّن يجلس في البيت الأبيض.
أخبار ذات صلة

رجل يُحكم عليه بـ 20 سنة في قضيةٍ من «حقول تكساس» بعد عقودٍ من اكتشاف عشرات الجثث

تهجير الكوبيين إلى أفريقيا: هل هو ترحيل أم عقوبة؟

أكبر منطقة تعليمية في البلاد تحظر الذكاء الاصطناعي حتى الصف الثامن
