سابينا قصة شجاعة في مواجهة سرطان العظام
سابينا فتاة شجاعة تحارب سرطان العظام منذ طفولتها وتواجه انتكاسات متعددة بينما تبني حلمها كمغنية وتدافع عن أبحاث سرطان الأطفال التي تُهمل رغم أهميتها قصة ملهمة عن القوة والأمل في وجه المرض خَبَرَيْن










في الثانية عشرة من عمرها، تلقّت سابينا ماكماهون تشخيصاً بسرطان العظام (Osteosarcoma)، وهو أحد أشكال الأورام الخبيثة التي تصيب الأنسجة العظمية. بعد جلسات العلاج الكيميائي والإشعاعي وعملية جراحية لاستئصال العظم المصاب في ساقها، عاشت أكثر من عام خاليةً من المرض قبل أن ينتشر السرطان إلى رئتيها في أولى خمس انتكاسات متتالية.
حين يُصيب السرطان أي شخص من العائلة، فإنّه لا يُصيب الشخص وحده بل يسكن البيت كلّه. والد سابينا وأمّها وأخوها الأصغر تشارلي، الذين يقيمون في مدينة Portland بولاية Oregon، يخوضون يومياً معركة الحفاظ على شيءٍ يشبه الحياة الطبيعية، في حين يتنقّلون عبر الولايات بحثاً عن أفضل رعاية ممكنة لسابينا.
في أواخر الربيع الماضي، انتسبت سابينا إلى تجربة سريرية في مدينة Cleveland، غير أنّها اضطرّت إلى الانسحاب منها في وقتٍ مبكّر جداً لتخضع لعلاج كيميائي يستهدف تقليص أورامٍ عدوانية في رئتيها. سابينا اليوم في السابعة عشرة من عمرها، وتتلقّى علاجها في مستشفى Nationwide Children's Hospital في مدينة Columbus بولاية Ohio، حيث انتقلت عائلتها للإقامة معها.
لم تمنع معاناة سابينا الصحية حياتها من أن تتّسع: فهي تستعدّ لسنتها الأخيرة في المرحلة الثانوية، وتخطو خطواتها الأولى في مسيرتها كمغنّية وكاتبة أغانٍ، إذ أنجزت للتوّ ألبومها الغنائي الأوّل. فضلاً عن ذلك، باتت صوتاً مدافعاً عن أبحاث سرطان الأطفال، التي لا تحصل إلّا على 4 سنتات من كلّ دولار تُخصّصه الحكومة الفيدرالية للبحث العلمي، وكثيراً ما تتجاهلها شركات الأدوية.
سابينا
حين تُشخَّص فتاةٌ في الثانية عشرة من عمرها بالسرطان، لن يلومها أحدٌ لو خرجت من عيادة الطبيب صارخةً وهي تبكي. أنا بالتأكيد أردتُ ذلك… لكنّي لم أفعل. بدلاً من ذلك، جلستُ منتصبةً، ابتلعتُ ريقي، وأصغيتُ بينما كان طبيبي يسحب البساط من تحت طفولتي الجميلة. كان عليّ أن أبقى هادئةً وأستمع، لأنّك لا تتركين الخطّة التي ستنقذ حياتك.
فتجلسين هناك وتستمعين وهم يشرحون لك السمّ الذي سيضخّونه في جسدك. تكتمين أنينك حين يريونك طرف الركبة المعدني الثقيل الذي سيزرعونه في ساقك بعد أن يشقّوها لاستئصال الورم. وتنظرين بعيونٍ ضبابية وهم ينتزعون الحياة التي عرفتِها من بين يديكِ، ويضعونها في كيسٍ مُعلَّم بالتحذير لأنّكِ لم تعودي في مأمنٍ من أذى العالم. تفعلين كلّ هذا… لأنّه لا خيار آخر.
لن أجلس هنا وأستعرض تفاصيل علاجي، لأنّني وبكلّ صدق لا أتذكّر الكثير منه. من يمرّون بتجربة مشابهة يُسمّون هذه الظاهرة "ChemoBrain". لكنّ ما تعلّمتُه مع الوقت هو أنّ شُحّ ذاكرتي قد يكون نتيجةً لاضطراب ما بعد الصدمة الطبّية (MPTSD)، وهو ببساطة طريقة جسدي لحمايتي من إعادة عيش تلك التجربة المُضنية.
بالطبع أتذكّر الأشياء الكبيرة: دخولي غرفة العمليات لاستئصال الورم من ركبتي اليمنى وتركيب قضيبٍ من التيتانيوم مكانه؛ وربطي حامل المحلول الوريدي الصاخب في مؤخّرة دراجةٍ ثلاثية العجلات وأنا أدور دوراتٍ متتالية حول جناح سرطان الأطفال علّ التعرّق يُخرج بعض الدواء من جسدي؛ والنظرة التي رأيتُها على وجهَي والدَيّ والرنين الحلو للجرس حين أنهيتُ العلاج. أتذكّر أعلى اللحظات وأشدّها إشراقاً، كما أتذكّر أحلكها وأمرّها ولأسبابٍ لا أستطيع تفسيرها، لن أُبادل هذه التجربة بأيّ شيء.
كيت
لا بدّ أنّها كانت الخريف، إذ كان الطريق المؤدّي إلى مستشفى Doernbecher للأطفال في Portland مظلماً وزلقاً بأوراق القيقب المتساقطة. قبل ذلك بخمس عشرة دقيقة، تبادلتُ وشون رسالةً نصّية قصيرة: "لنذهب"، وانطلق كلٌّ منّا في اتجاهٍ معاكس. هو كان في طريقه من جناح العلاج الكيميائي إلى البيت ليبقى مع تشارلي، وأنا كنتُ في طريقي إلى المستشفى لأبقى مع سابينا. في عام 2021، كنّا نسكن على بُعد 10 كيلومترات فحسب من المستشفى، مسافةٌ تكفي لتشغيل ثلاث أو أربع أغانٍ على مشغّل السيارة… بصوتٍ عالٍ. تلك كانت الأيام الأولى في رحلة سابينا مع السرطان، واقعُنا الجديد المروّع.
بعد ما يقارب خمس سنوات، باتت لحظات ضعفي تُدمّرني وتُشلّ حركتي وتُحيلني كتلةً من الدموع. أبقي تلك النسخة منّي طيّ الكتمان داخل سيارتي. أختار أن أُفرغها وحيدةً لأنّني أُحسن ذلك بمفردي. حين تداهمني موجةٌ من الخوف والحزن، أركب السيارة وأنطلق مع رفع الصوت عالياً. أغاني الحزن التي ألجأ إليها هي "Forever Young" لـ Alphaville، و"Before I Walk on Fire" لـ Sophie B. Hawkins، و"Bigger Than the Whole Sky" لـ Taylor Swift وهذا العام، "Ain't Kansas Anymore" لـ Sabina Clare. أغرق في الكلمات، أُسلم نفسي للمشاعر وأبكي بلا تجميل. أصرخ في وجه الكون لأنّه سمح للسرطان أن يُصيب سابينا. أحزن على آباءٍ وأمّهاتٍ أعرفهم عبروا إلى الجانب الآخر من رحيل أطفالهم. أسمح لنفسي بأن أتخيّل الحياة على هذه الأرض دون سابينا تمشي فيها معي، وتلك الفكرة تُغرقني في ظلامٍ شائك. الغضب، الخوف، الكراهية للسرطان. أصرخ مطالبةً الله؛ أُبرم صفقات: إن أنقذتَها، أعرض نفسي فداءً ثمّ أتراجع لأنّني أفكّر فيما سيفعله ذلك بتشارلي وشون. ثمّ يتملّكني الذنب لاختياري هذا.
أتخيّل حياتنا قبل السرطان وكم كانت هذه السنوات الخمس الماضية يمكن أن تكون أجمل لسابينا ولعائلتي كلّها. أغضب من ظلم الأمر وقسوته. أشعر أنّني سُرقت من الحياة التي أردتُها لعائلتي ولنفسي.
والغريب أنّ ما يُعيدني إلى النور هو التفكير في نساءٍ سبقنني، كجدّتي وإليزا هاميلتون (نعم، تلك إليزا). كلتاهما عاشتا الحرب وفقدان الوالدين وفقدان الأبناء وفقدان الأزواج. تخيّل! كيف يمكن لإنسانٍ أن يحتمل كلّ هذا الألم والحزن؟ ومع ذلك، حملتا أحزانهما لعقودٍ وعاشتا حتّى التسعينيات رغم الفجوة الزمنية والحضارية الشاسعة بيننا. أقول في نفسي: إن استطاعتا المضيّ قُدُماً، أستطيع أنا أيضاً.
الذين سبقونا سواء عرفناهم أم لا يُريننا أنّنا وإن لم نتجاوز الخسارة المؤلمة يوماً، فلا بدّ أن نستمرّ في المضيّ. حين أرى كيف تحوّل الآخرون ألمهم إلى قوّة، أرى لمحةً من الكيمياء الروحية التي نحملها جميعاً بداخلنا. لمن يتساءلون إن كانوا يمتلكون القوّة الكافية لمواجهة مرض طفلهم بالسرطان: نعم. لديكم هذه القوّة. … أتمنّى فقط ألّا يأتي اليوم الذي تكتشفون فيه مدى قوّتكم الحقيقية.
أصل إلى المستشفى وأدخل غرفة سابينا بثقة ربّان سفينةٍ يخوض العاصفة.
سابينا
لن أنسى أبداً ما شعرتُ به حين سمعتُ أغنيتي مسجَّلةً باحترافيةٍ للمرّة الأولى. كنتُ أقيم في شقّةٍ مستأجرة في Seattle حين أرسل لي منتجي جاستن النسخة الأولى من أغنيتي الأولى "Cinematic". كانت لديّ جراحةٌ في صباح اليوم التالي لاستئصال إحدى العُقيدات الانتكاسية، لكن في تلك اللحظة، لم يكن يهمّني شيءٌ غير الموسيقى. جلستُ أستمع، أصدر أصواتاً من الفرح مع بداية الأبيات الأولى. ثمّ الأغنية كاملةً. حتّى تلك اللحظة، كانت تسجيلاتي مجرّد صوتي وغيتاري، فسماع الطبول والأصوات الإضافية أذهل عقلي. كنتُ أُسعد نسخة نفسي ذات الخمس سنوات التي كانت تحلم بأن تكون Taylor Swift، وكان يكفيني أن أتخيّلها تقفز على الطاولة وترقص بكلّ بهجة.
الموسيقى جزءٌ من حياتي منذ أقدم ذاكرة أملكها. حين كنتُ في الثالثة من عمري، طلب منّي أحد أبناء عمومتي أن أُغنّي، فصعدتُ على خشبة مسرح منزل أجدادي وغنّيتُ "Somewhere Over the Rainbow" بكلّ ما في رئتيّ. ومنذ ذلك اليوم وأنا أُمتّع (أو أُزعج) والديّ بالغناء في أرجاء البيت، وأكتب الأغاني منذ كنتُ في العاشرة. كلّ فتاةٍ صغيرة تمرّ بمرحلة تحلم فيها بأن تكون نجمة البوب القادمة أنا فحسب لم أخرج من تلك المرحلة.
فحين جاء التشخيص، كان طبيعياً أن أتّجه إلى الموسيقى. كتبتُ عن الصداقات التي تلاشت حين ابتعدتُ عن المدرسة، وعن تلك التي بقيت إلى جانبي. كتبتُ في لحظات الحزن العميق، أُفرغ غضبي من السرطان وما أحدثه في حياتي عبر لحنٍ وتتابعٍ من الأوتار. لديّ أغانٍ عن أصدقاء رحلوا بسبب السرطان في نفس الدفتر .
بدأتُ العمل مع منتجي جاستن تشيس في سنتي الثانية بالمرحلة الثانوية. كنتُ قد غبتُ عن المدرسة لأشهرٍ بسبب مضاعفات دوائي، فكان لديّ وقتٌ وفير لأعمل على موسيقاي. أصدرتُ أغنيتي الأولى "Cinematic" في 13 سبتمبر 2025، بالضبط بعد أربع سنوات من تشخيصي الأوّل.
انتقلت عائلتنا إلى Ohio هذا الصيف حتّى أتمكّن من متابعة علاجي وإجراء عمليّاتي هناك. فرض الانتقال تحدّياتٍ أمام إنتاجي الموسيقي، لكنّني كنتُ مصمّمةً ألّا أتركه يتراجع. في يونيو الماضي، دخلتُ استوديو تسجيلٍ هنا في Columbus لتسجيل الأصوات النهائية لألبومي الأوّل "forget me not"، وأرسلتُها إلى جاستن في الوقت المناسب قبيل إصدار الألبوم في 21 أغسطس.
أمزح بأنّني أُصاب بأعراض الانسحاب حين لا تكون غيتاري أو البيانو في متناول يدي. لا أعرف حقّاً ما الذي كنتُ سأفعله لو لم تكن الموسيقى ملجأً أعود إليه. لكنّ رحلتي مع السرطان حوّلت الأمر من طموحٍ شخصي إلى شيءٍ أكبر: أن أكون مصدر إلهامٍ لكلّ طفلٍ صغير يستمع إلى موسيقاي من سريره في المستشفى وهو يتلقّى العلاج الكيميائي. أعرف كم احتجتُ إلى ذلك حين كنتُ صغيرة، وآمل أن أكون ذلك لشخصٍ آخر.
تشارلي
كان لوالديّ حياةٌ كاملة قبل أن يأتي السرطان. كانت أختي مراهقة. كانت لهم حياةٌ قبل أن يُدمّرها السرطان. أمّا أنا، فكنتُ طفلاً صغيراً. هكذا ببساطة نشأتُ. لم تكن لي حياةٌ حقيقية بعيداً عن السرطان. لذا حين يسألني أحدٌ عن حياتي قبله، أقول إنّني لا أتذكّر الكثير. كلّ شيءٍ ضبابي. وكثيرٌ من الناس يرون في ذلك شيئاً سيّئاً. لكنّه بالنسبة لي أمرٌ طبيعي. هكذا نشأتُ. لقد كان السرطان جزءاً ضخماً من حياتي طوال السنوات الخمس الماضية السنوات التي كبرتُ فيها أكثر ما كبرتُ. لكنّني تعلّمتُ أن أعيش مع هذه الخشونة.
حين شُخِّصت سابينا، كنتُ في التاسعة من عمري، في الصفّ الثالث. كنتُ أظنّ أنّ السرطان مجرّد مرضٍ شديد. حين كانت أختي تتلقّى العلاج الكيميائي للمرّة الأولى، كان فيروس كوفيد لا يزال منتشراً بقوّة، وكان المستشفى يسمح بزيارتَين فقط في آنٍ واحد. أبعد ما وصلتُ إليه كان الردهة الرئيسية. لم أدخل قطّ الغرفة التي قضت فيها عائلتي ساعاتٍ لا تُحصى. كنتُ أرى أختي كلّ أسبوعَين، أو ربّما أكثر. أبعدني والداي عن الأشياء المروّعة التي كانت تمرّ بها.
الآن، أنا على وشك أن أبلغ الرابعة عشرة، وتعلّمتُ كيف أعيش مع التنقّلات الطبّية المتواصلة والأسابيع الطويلة بعيداً عن عائلتي. أكتب هذا في بيتنا في Portland، بينما والدي وأختي على بُعد أكثر من 4000 كيلومتر في Ohio. نعم، أكره ذلك. نعم، الأمر صعب. لكن لو لم تكن هناك تتلقّى أفضل رعايةٍ ممكنة، ربّما كنتُ أروي قصّةً مختلفة، قصّةً لا تكون فيها حيّة. هذه الفكرة أسوأ بكثيرٍ من أيّ مسافة.
بالطبع أحزن. من لن يحزن؟ لديّ أيامٌ جيّدة، وأيامٌ رائعة، وأيامٌ سيّئة، وأيامٌ أتمنّى أن أمحوها. لكنّني تعلّمتُ أن أستمتع بالأوقات التي أكون فيها مع عائلتي. أمضي قُدُماً من أجل أختي، من أجل عائلتي، ومن أجل كلّ من أحبّهم وأهتمّ بهم. لأنّه رغم كلّ المرض والحزن، لا بدّ أن تستمرّ. لا بدّ أن تتحمّل وتواجه.
شون
أحتفظ بذكرى رائعة لرحلةٍ قمتُ بها مع سابينا إلى Chicago منذ فترةٍ ليست ببعيدة. كانت ليلةً ربيعيةً دافئة بشكلٍ غير معتاد، وقرّرنا أن نتعشّى في أحد مطاعم الممشى المحاذي للنهر. وبينما جلسنا نتحدّث لساعاتٍ عن أحلام سابينا، لم أستطع إلّا أن أُدرك كم أنا محظوظٌ بتلك اللحظات مع ابنتي. كنتُ أعلم في الوقت ذاته أنّنا لم نكن لنكون هناك لولا السرطان.
قد يبدو هذا غريباً، لكن ليست كلّ الذكريات المرتبطة برحلة سابينا مع السرطان ذكرياتٍ سيّئة. بعد تشخيصها في الثانية عشرة، أمضينا الأشهر التسعة التالية نعيش جزءاً من وقتنا داخل غرفة المستشفى. وخلال تلك الفترة، أجرينا محادثاتٍ عميقةً ومعبّرة كتلك التي يُجريها "رفاق الغرفة" عادةً. حين تُدرك أنّ السرطان يحاول أن يأخذ ابنتك، تتوقّف عن تأجيل أجمل قصصك إلى "وقتٍ لاحق من الحياة". فبينما تُقرّر كثيرٌ من الفتيات في تلك المرحلة أنّ آباءهنّ باتوا "محرجين"، أصبحتُ أنا وسابينا أقرب… بسبب السرطان.
لقد عاشت عائلتنا السنوات الخمس الماضية وفق مبدأ YOLO الشهير: لا تعيش مرّتَين. حين تكون ابنتك ربّما لا تملك وقتاً طويلاً، تُعيد النظر في علاقتك بالمغامرات. قمنا برحلاتٍ عائلية رائعة إلى New York City وHawaii، لكنّ اللحظات البسيطة هي ما يسكن قلبي أكثر. في طريق العودة من Chicago، على متن قطار Amtrak، أتيحت لي ولسابينا فرصة تناول العشاء في عربة الطعام والشمس تغرب فوق Glacier National Park. أن أتناول العشاء مع ابنتي ونحن نحدّق في ذلك المشهد الخلّاب كان شيئاً لا يُوصف. لم يكن ليحدث لولا السرطان.
نعم، السرطان شيءٌ فظيع. وبالطبع، كنتُ سأتنازل عن كلّ تلك الذكريات الجميلة بكلّ سرور لو أنّ سابينا لم تُصَب به أصلاً. لكنّها أُصيبت. ولو أنّني ركّزتُ فقط على اللحظات السيّئة وعلى ظلم الأمر الفادح، لجُننتُ. السرطان أخذ الكثير من عائلتي، لكنّه أعطانا أشياء أيضاً.
سابينا
في إحدى الليالي الأخيرة، كنتُ مستيقظةً أبكي لأنّني شعرتُ أنّني عدتُ إلى نقطة الصفر. كأنّ بدء العلاج الكيميائي من جديد يعني أنّني بدأتُ من الأوّل. تذكّرتُ كيف كنتُ أتطلّع إلى سنتي الأخيرة في المرحلة الثانوية بوصفها علامةً فارقة تُمثّل خمس سنواتٍ خاليةً من السرطان، وهذا لم يعد واقعي. شعرتُ أنّني خذلتُ نفسي في الثانية عشرة. في تلك اللحظة، كلّ ما أردتُه كان أن أحتضن تلك النسخة الأصغر منّي وأقول لها إنّني آسفة لأنّها لا تزال تمرّ بهذا. لكنّني أدركتُ بعدها أنّني عشتُ حياةً كاملةً بين زمنها وزمني. زرتُ بلداناً جميلة، التقيتُ بأناسٍ رائعين، وصنعتُ ذكرياتٍ من لحظاتٍ كانت مجرّد أحلامٍ بالنسبة لها. أدركتُ أنّني لو أخذتُ نفسي في الثانية عشرة لتناول القهوة، فسأريد أن أحدّثها عن تلك التجارب، لا عن الحزن الذي شعرتُ به لساعةٍ في تلك الليلة.
لو استطعتُ أن أجلس مع نفسي حديثة التشخيص، سأقول لها إنّني أعرف كم الأمر مُخيف، ولا، هي لم تفعل شيئاً يستحقّ هذا. سأقول لها إنّه سيؤلمها حين يتخلّى عنها بعض أصدقائها، لكن لا يجب أن تلومهم كثيراً لأنّهم أيضاً في الثانية عشرة. سأكون صادقةً وأقول إنّها ستمرّ بأيامٍ تشعر فيها بالوحدة بسبب الغياب عن المدرسة، لكنّ هناك أناساً كثيرين يحبّونها ويتمنّون لها الخير. سأقول لها إنّني أعرف أنّها تشعر بالمرض وأنّ الجراحة ستكون صعبةً جداً، لكنّ كلّ شيءٍ سيكون يستحق حين تسمع رنين الجرس في 13 مايو 2022. سأقول لها إنّها ستمرّ بمراحل مضحكة مع شعرها وهو ينمو من جديد، لكنّها ستُصفّفه بأناقة.
سأُدهشها بأن أحدّثها عن كلّ الفعاليات التي ستتحدّث فيها، تروي قصّتها لرفع الوعي وجمع التمويل لأبحاث سرطان الأطفال. سأحدّثها عن كلّ الأشخاص الرائعين الذين سيدخلون حياتها. سأقول لها إنّني أعرف أنّها تحلم بأن يكون لها حبيب، لكن هذا لا يعني أن تُخفّف ضوءها من أجل ذلك الشخص ، لأنّه لن يكون طيّباً معها في النهاية، وهي تستحق أفضل لأنّها انتصرت على السرطان! وسأقول لها إنّ الشخص القادم سيكون حبّ حياتها. في الواقع، هي تعرفه بالفعل. سأقول لها أن تثق بنفسها حين يتعلّق الأمر بالأداء على المسرح، لأنّها ستحصل على الدور الرئيسي في مسرحية مدرستها في سنتها الأولى، وهو ما سيمنحها بعضاً من أجمل الصداقات.
سأقول لها إنّ هناك لحظاتٍ في أعلى القمم وأخرى في أحلك الأعماق، وأيّاماً لن تريد فيها إلّا الاستسلام لكنّها يجب أن تستمرّ. سأقول لها إنّها قويّة جداً، وهي تعرف أنّها سمعت ذلك ألف مرّة. لكن هذه المرّة، سأُذكّرها بما قاله Bob Marley: "لن تعرف أبداً كم أنت قويٌّ حتّى تكون القوّة خيارك الوحيد."
قبل أن أنهض من طاولة قهوتنا الصغيرة، ستوقفني وتسألني سؤالاً أخيراً: "هل ستكون حالنا بخير؟" لكنّها لا يجب أن تعرف الجواب. هي تحتاج إلى أمل "نعم" لتعبر أيام الألم والمرض القادمة، لكنّها تحتاج أيضاً إلى خوف "لا" لتدفعها إلى القبول بعلاجاتٍ لا تريدها بعد الانتكاسة. سأكتفي بابتسامةٍ قبل أن أعود إلى مكاني في مستقبلها، لأنّ الجواب هو: نعم، يا حبيبتي الصغيرة، ستكون حالنا بخير.
أخبار ذات صلة

مؤشر كتلة الجسم قد لا يعكس الصحة الحقيقية لدى كبار السن

الأشخاص الوحيدون الذين يبثّون عن السعادة: ماذا نتعلّم من تجربتهم؟

مهندسٌ مكسيكي يكرّس حياته لتمكين الأشخاص ذوي الإعاقة
