التجسس الصيني الإلكتروني يكشف خفايا الهجمات المتطورة
كشف مسؤولون أمريكيون عن حملة تجسس إلكتروني صينية تستهدف وكالات حكومية وشركات حيوية عبر شركة تقنية في نانجينغ تستخدم كغطاء للاختراق والتسلل. تفاصيل وأساليب الهجوم في تقرير خَبَرَيْن.

كثيراً ما تبدأ قصص التجسّس الرقمي بالكشف عن ثغرةٍ تقنية، غير أنّ ما كشفه مسؤولون أمريكيون يوم الأربعاء يتجاوز الثغرة إلى ما يشبه البنية التحتية المتكاملة للتجسّس الإلكتروني. فقد أعلن هؤلاء المسؤولون عن حملة تجسّس إلكتروني واسعة النطاق يُنسبونها إلى الصين، طالت عدداً كبيراً من الوكالات الفيدرالية الأمريكية، من بينها وكالة NASA، والاحتياطي الفيدرالي، ووزارتا العدل والطاقة، فضلاً عن مجلس الشيوخ الأمريكي.
القناع التقني: شركة صينية في خدمة الاستخبارات
وفقاً لما أوردته وزارة العدل الأمريكية، لجأ قراصنة مرتبطون بالجيش الصيني وأجهزة استخباراته إلى شركة تقنية صينية بوصفها غطاءً عملياتياً؛ إذ وظّفوا خدماتها للتخفّي داخل حركة الإنترنت الاعتيادية، والتغلغل في شبكات الأهداف المستهدفة، وتحسين كفاءة هجماتهم. وامتدّت قائمة الأهداف لتشمل شبكات عسكرية أمريكية، ومستشفيات، وشركات طاقة، ومقاولين في قطاع الدفاع.
وفي محاولةٍ للحدّ من الأضرار، أقدمت وزارة العدل على مصادرة 3 نطاقات إنترنت مرتبطة بالشركة الصينية المعنية، فيما أعلنت الوكالات الفيدرالية عزمها إصدار نشرة تقنية تُفصّل أساليب القراصنة، حتى تتمكّن الجهات المتضرّرة من طرد المتسلّلين من شبكاتها.
والشركة المقصودة هي Nanjing Xinjiuwei Network Technology Company، ومقرّها مدينة نانجينغ شرقي الصين. تأسّست عام 2018، وكان يعمل فيها 17 موظفاً حتى العام الماضي وفق سجلات الأعمال الصينية. وقد استخدم كلٌّ من الجيش الصيني ووزارة أمن الدولة خدمات هذه الشركة للاندماج في حركة الإنترنت العادية وتمرير عملياتهم دون إثارة الشبهات.
وفي هذا الصدد، أوضحت شركة Lumen Technologies الأمريكية المتخصّصة في البنية التحتية للإنترنت، في تدوينةٍ نشرتها الأربعاء، أنّ القراصنة انطلقوا إلى «رصد البنية التحتية للأهداف والتفاعل معها على نطاقٍ عالمي، مع البقاء في مأمنٍ تامّ داخل حركة شبكات المستهلكين الاعتيادية».
ورقة مزدوجة الحدّين
غير أنّ اللجوء إلى هذه الشركة كان سلاحاً ذا حدّين. فبينما أتاح للقراصنة إخفاء هويّتهم، فإنّه خلّف في الوقت ذاته أثراً ورقياً يمكن للمحقّقين تتبّعه. يقول Damon Rouse، كبير مهندسي الأمن في وحدة Black Lotus Labs التابعة لـ Lumen، والذي أمضى أشهراً في تحليل هذا النشاط: «حين تتعامل مع عملاء يدفعون، فإنّك تترك أثراً ورقياً».
وأضاف Rouse، الذي درس على مدار سنوات أساليب القراصنة الصينيين المشتبه بهم في إخفاء نشاطهم الإلكتروني، أنّ ما قدّمته هذه الشركة الصينية هو الأكثر شمولاً مما رآه في مسيرته المهنية: «لم أصادف في حياتي المهنية منظومةً مكتفيةً بذاتها بهذا الشكل».
نمطٌ متكرّر وتصعيدٌ متراكم
لا يمكن فهم هذا الكشف بمعزلٍ عن السياق التاريخي المتراكم. فالأمن السيبراني يُشكّل منذ سنواتٍ مصدراً للتوتّر الكامن في العلاقات الأمريكية الصينية، يتفجّر كلّما طفا على السطح اختراقٌ بارز. ففي عام 2023، بدأ مسؤولون أمريكيون باتّهام الصين باختراق شبكات نقل عسكرية ومحطات مياه وشركات طاقة، في ما وصفوه بأنّه تهيُّؤٌ محتمل لتعطيل أيّ ردٍّ أمريكي على غزوٍ صيني محتمل لتايوان. وفي عام 2024، أمضت الحكومة الأمريكية وكبرى شركات الاتصالات أشهراً في معالجة تداعيات اختراقٍ صيني مزعوم لشبكات الاتصالات، طال حتى المرشّح الرئاسي آنذاك Donald Trump ونائبه JD Vance.
وفي السياق ذاته، كشف تسريبٌ واسع عام 2024 لوثائق شركةٍ صينية أخرى عن قائمة عملاء تضمّ أجهزة شرطة واستخبارات وجيشاً صينيين، وضحايا من بينهم جماعات سياسية تبثّ من المنفى التبتي ومستشفيات في تايوان.
الاحترافية المتصاعدة لقراصنة الدولة
يرى Dakota Cary، المحلّل المتخصّص في الشأن الصيني لدى شركة الأمن السيبراني SentinelOne، أنّ المشهد تغيّر تغيّراً نوعياً: «لقد احترف قراصنة الصين بصورةٍ ملحوظة خلال العقد الماضي. الشركات التي تقدّم خدماتها للدولة تكاثرت وباتت تقدّم خدماتٍ متخصّصة. هذه الشركات لا تجعل القراصنة الصينيين أكثر فاعليةً فحسب، بل تجعل تتبّع نشاطهم وتصنيفه أصعب على المدافعين».
وأضاف Cary أنّ الإجراءات الأمريكية التي أُعلن عنها الأربعاء «ضروريةٌ لتعطيل عمليات الصين على نطاقٍ واسع، غير أنّ السوق المزدهرة للخدمات الهجومية في الصين تضمن عودتها إلى العمل».
موقف واشنطن وحدود الدبلوماسية
حين سُئل المدّعي العام Blanche على قناة Fox News عمّا إذا كان Trump سيُثير هذا الملفّ مع الرئيس الصيني Xi Jinping خلال زيارته المرتقبة للولايات المتحدة الشهر المقبل، جاء ردّه: «لن أُملي على الرئيس Trump ما يحتاج إلى مناقشته مع القيادة الصينية».
بيد أنّ Blanche أضاف بوضوح: «هذا الأمر ناقشناه مع نظرائنا في الصين لسنواتٍ وسنوات. ونحن نعلم أنّه يحدث. وهم يعلمون أنّنا نعلم. ولا بدّ أن يتوقّف».
في المقابل، لم يصدر ردٌّ فوري عن السفارة الصينية في واشنطن، علماً بأنّ الحكومة الصينية تنفي عادةً اتهامات القرصنة الأمريكية، وتردّ بالمثل باتّهام أجهزة الاستخبارات الأمريكية بشنّ هجمات إلكترونية.
والسؤال الجوهري الذي يطرح نفسه هنا ليس تقنياً بل استراتيجياً: حين تعلم كلتا القوّتين بما تفعله الأخرى، وحين يُقرّ المدّعي العام الأمريكي علناً بأنّ الصين «تعلم أنّنا نعلم»، فهل نحن أمام فشلٍ في الردع، أم أمام شكلٍ من أشكال التوازن الضمني الذي تقبله الدولتان بصمتٍ؟ الإجابة عن هذا السؤال ستحدّد طبيعة السياسة الأمريكية في هذا الملفّ أكثر ممّا ستحدّده أيّ مصادرة لنطاقات إنترنت.
أخبار ذات صلة

اجتماع سري: مدير CIA يزور موسكو للقاء مسؤولين روس

الفصائل الليبية تصيغ اتفاقاً انتخابياً أولياً وسط شكوكٍ متجذّرة

الفرنسية تصبح عقدة الخلاف بين كندا والولايات المتحدة
