زيادة محيط الخصر تهدد كبار السن والوزن الزائد يحمي
دراسة تكشف أن كبار السن الذين يعانون من زيادة في محيط الخصر أكثر عرضة للوفاة المبكرة بينما الوزن الزائد وفق مؤشر كتلة الجسم قد يقلل الخطر. تعرف على تفاصيل هذه المفارقة الصحية مع خَبَرَيْن.

-في دراسةٍ نُشرت في 19 أغسطس في مجلة الجمعية الأمريكية لطبّ الشيخوخة (Journal of the American Geriatrics Society)، ظهرت نتيجةٌ لافتة: كبار السن فوق الخامسة والستين الذين يعانون من زيادة في محيط الخصر كانوا أكثر عرضةً للوفاة المبكّرة، في حين أنّ من صُنِّفوا بوصفهم «زائدي الوزن» وفق مؤشّر كتلة الجسم (BMI) كانوا أقلّ عرضةً لها. نتيجةٌ تبدو متناقضة للوهلة الأولى، وتستحقّ وقفةً تحليلية.
نعرف جيّداً أنّ السمنة ترتبط بمخاطر متعدّدة، منها أمراض القلب والسكري من النوع الثاني. لكنّ العلاقة بين الوزن والصحة لدى كبار السن قد تكون أكثر تعقيداً ممّا توحي به أرقام الميزان. فكيف يفهم كبار السن وأطبّاؤهم هذه النتائج المتشعّبة؟
للإجابة عن هذا السؤال، تم التحدث مع الدكتورة Leana Wen، الطبيبة المتخصّصة في طبّ الطوارئ وأستاذة سريرية مشاركة في جامعة George Washington، والمسؤولة الصحّية السابقة لمدينة Baltimore.
: ماذا وجدت الدراسة بشأن مؤشّر كتلة الجسم ومحيط الخصر وطول العمر لدى كبار السن؟**
د. Leana Wen: حلّل الباحثون بيانات ما يقارب 7,000 بالغٍ تجاوزوا الخامسة والستين، تمّ متابعتهم ضمن دراسةٍ وطنية تمثيلية واسعة ممّولة من المعاهد الوطنية الأمريكية للصحة (NIH)، وامتدّت المتابعة حتى 14 عاماً. درس العلماء كيف ترتبط التغيّرات في مؤشّر كتلة الجسم ومحيط الخصر بخطر الوفاة.
مقارنةً بالرجال ذوي مؤشّر كتلة الجسم الطبيعي، كان الرجال الذين يُصنَّفون زائدي الوزن أي مؤشّر يتراوح بين 25 و29.9 أقلّ عرضةً للوفاة بنسبة 46%. كذلك أظهر أصحاب السمنة من الدرجة الأولى والثانية (مؤشّر بين 30 وأقلّ من 40) خطراً أدنى للوفاة.
أمّا النساء اللواتي يُصنَّفن زائدات الوزن، فقد كنّ أقلّ عرضةً للوفاة بنسبة 27% مقارنةً بمن يقعن في النطاق الطبيعي. ولم تُظهر السمنة من الدرجة الأولى أو الثانية لدى النساء فارقاً ذا دلالةٍ إحصائية في خطر الوفاة. وفي كلا الجنسين، لم يكن لأصحاب السمنة الشديدة (مؤشّر 40 فأكثر) فارقٌ إحصائي معتدّ به.
تبدّل المشهد حين نظر الباحثون إلى محيط الخصر: الرجال الذين يتجاوز محيط خصرهم 40 بوصة (101.6 سم) والنساء اللواتي يتجاوز محيط خصرهنّ 35 بوصة (89 سم) كانوا أكثر عرضةً للوفاة المبكّرة بنسبة 24% مقارنةً بمن يقلّ محيط خصرهم عن هذه الحدود. والأهمّ أنّ هذه الزيادة في الخطر ظلّت قائمةً حتى بعد أن أخذ الباحثون مؤشّر كتلة الجسم بعين الاعتبار.
** هل يعني ذلك أنّ زيادة الوزن وارتفاع نسبة الدهون قد يكونان مفيدَين في الكبر؟**
د. Wen: لا. هذه الدراسة رصدت ارتباطاً بين فئاتٍ معيّنة من مؤشّر كتلة الجسم وانخفاض معدّل الوفيات، لكنّها لا تُثبت أنّ اكتساب الدهون يُطيل العمر. وقد حرص المؤلّفون صراحةً على التحذير من تفسير نتائجهم بوصفها دليلاً على أنّ الدهون الزائدة مفيدةٌ بيولوجياً.
ثمّة تفسيراتٌ محتملة لما يُعرف أحياناً بـ«مفارقة السمنة»: كيف تزيد السمنة من خطر أمراضٍ خطيرة، ومع ذلك تبدو مرتبطةً بانخفاض خطر الوفاة المبكّرة لدى بعض كبار السن؟
أوّل هذه التفسيرات هو العلّية العكسية (Reverse Causation): فقد يفقد المرضى وزنهم بسبب السرطان أو أمراض القلب أو غيرها، ممّا يجعل انخفاض الوزن يبدو مرتبطاً بارتفاع خطر الوفاة، في حين أنّ المرض الكامن هو من يتحكّم في الأمرَين معاً. ويرتبط بذلك تحيّز النجاة (Survivorship Bias): فمن يبلغ سنّ الشيخوخة رغم إصابته بالسمنة قد يختلف جوهرياً عمّن أصيب بمضاعفاتها وتوفّي في سنٍّ أصغر. يُضاف إلى ذلك أنّ مؤشّر كتلة الجسم ليس مقياساً دقيقاً للدهون في الجسم.
** لماذا يصبح مؤشّر كتلة الجسم أقلّ دقّةً مع التقدّم في السن؟**
د. Wen: يُحسَب مؤشّر كتلة الجسم من الطول والوزن فحسب. وهو أداةٌ مفيدة لرصد الأنماط على مستوى المجتمعات الكبيرة، لكنّه لا يُخبرنا بمكوّنات هذا الوزن.
تخيّل شخصَين متساويَين في الطول والوزن: أحدهما يتمتّع بكتلةٍ عضلية كبيرة ودهونٍ قليلة، والآخر يملك عضلاتٍ أقلّ ودهوناً أكثر. سيكون لهما المؤشّر ذاته رغم اختلاف تركيبة جسمَيهما اختلافاً جوهرياً.
ويزداد هذا الفارق وضوحاً مع التقدّم في السن: يميل الناس إلى فقدان الكتلة العضلية تدريجياً، وقد يفقد كبار السن بعض طولهم ويتغيّر توزيع الدهون في أجسامهم. فما يبدو مؤشّراً مرتفعاً لدى كبير السن قد يعكس في الحقيقة حفاظاً أفضل على الكتلة العضلية النحيلة. وعلى النقيض، قد يكون من يقع مؤشّره في النطاق الطبيعي قد فقد كثيراً من عضلاته مع احتفاظه بدهونٍ زائدة.
ما الذي يجعل دهون منطقة الخصر مختلفة؟ وهل يجب على الناس قياس محيط خصرهم إلى جانب مؤشّر كتلة الجسم؟
د. Wen: الدهون الحشوية (Visceral Fat) التي تُسمّى «الدهون الخفيّة» لأنّها تتراكم عميقاً في البطن حول الأعضاء الداخلية ترتبط بالالتهاب ومقاومة الأنسولين وتغيّراتٍ استقلابية أخرى تزيد من خطر أمراض القلب والسكري.
وقياس محيط الخصر هو أحد الأساليب البسيطة لتقدير هذه الدهون الحشوية. وقد نادى خبراءٌ كثيرون باعتماد مقاييس إضافية للدهون كمحيط الخصر، ونسبة الخصر إلى الورك، وقياسات ثنيات الجلد بمِلقط القياس (Calipers) إلى جانب مؤشّر كتلة الجسم لتحديد ما إذا كان الشخص يعاني من السمنة أو زيادة الوزن.
ميزة قياس محيط الخصر أنّه لا يحتاج إلى أجهزةٍ متخصّصة، إذ يمكن للمرضى متابعته في المنزل. للقياس الصحيح، يُوضع شريط القياس حول البطن بين أسفل الأضلاع وأعلى عظام الحوض، مع الحرص على أن يكون الشريط مستوياً ومحكماً دون أن يضغط على الجلد. وتُشكّل هذه النتيجة معطىً يمكن للمريض وطبيبه مناقشته جنباً إلى جنب مع مؤشّر كتلة الجسم ومؤشّراتٍ صحّية أخرى كضغط الدم وسكّر الدم والكولسترول واللياقة البدنية.
** وجدت الدراسة أيضاً خطراً مرتفعاً بشكلٍ لافت للوفاة لدى كبار السن الذين يعانون من نقص الوزن. لماذا؟**
د. Wen: نعم، في هذه الدراسة كان الرجال والنساء الذين يعانون من نقص الوزن أكثر عرضةً للوفاة المبكّرة بما يقارب الضعف مقارنةً بمن يقع مؤشّلهم في النطاق الطبيعي. وهذا منطقيٌّ، لأنّ انخفاض الوزن قد يُفضي إلى الهشاشة الجسدية. يحتاج كبار السن إلى قوّةٍ عضلية لأداء أنشطتهم اليومية والحفاظ على حركتهم وتقليل خطر السقوط. فمن يفقد وزنه بسبب فقدان الكتلة العضلية قد يصبح أكثر هشاشةً حتى لو كان مؤشّره يتحرّك نحو ما يُعدّ تقليدياً نطاقاً «أكثر صحّة».
غير أنّنا يجب أن نتحلّى بالحذر أيضاً في تفسير العلاقة السببية هنا: فنقص الوزن قد يكون نتيجةً للمرض لا سبباً له. الأمراض المزمنة قد تؤدّي إلى فقدان الوزن والعضلات، وفقدان الوزن غير المقصود قد يكون إشارةً تحذيرية لمشكلةٍ صحّية كامنة.
إذا كان تتبّع مؤشّر كتلة الجسم وحده غير كافٍ، فعلى ماذا ينبغي لكبار السن التركيز لتقييم صحّتهم وتحسينها؟
د. Wen: أنصح كبار السن بالتركيز على الصحة والوظيفة الجسدية أكثر بكثيرٍ من السعي لبلوغ رقمٍ بعينه على الميزان. هل أنت نشيطٌ بدنياً وقادرٌ على أداء أنشطتك اليومية باستقلالية؟ هل تحافظ على قوّتك العضلية؟ ضع أهدافاً للنشاط البدني وأولِ التمارين الرياضية أهمّيةً قصوى، بما يشمل التمارين الهوائية كالمشي السريع وركوب الدرّاجة والسباحة، إلى جانب تمارين تقوية العضلات. والتغذية الجيّدة بما فيها كمّيةٌ كافية من البروتين أمرٌ بالغ الأهمّية أيضاً.
ينبغي الانتباه جيّداً للتغيّرات التي تطرأ مع الوقت: توسّع الخصر قد يدلّ على تراكم الدهون البطنية حتى لو ظلّ الوزن ومؤشّر كتلة الجسم مستقرَّين. وعلى النقيض، فإنّ فقدان الوزن غير المبرَّر ينبغي أن يدفع إلى التحدّث مع مقدّم الرعاية الصحّية. ومن الأهمّية بمكان دائماً أن تناقش مع طبيبك ما يعنيه الوزن الصحّي بالنسبة لك أنت تحديداً وهو تقييمٌ لا يأخذ في الحسبان الرقمَ على الميزان فحسب، بل أيضاً تركيبة جسمك، وأماكن تراكم الدهون فيه، وقدرتك الوظيفية، ومؤشّراتٍ أخرى كضغط الدم وسكّر الدم والكولسترول وهي جميعاً تُعطي صورةً أشمل وأدقّ لصحّتك الفعلية.
أخبار ذات صلة

الأشخاص الوحيدون الذين يبثّون عن السعادة: ماذا نتعلّم من تجربتهم؟

سرطانُ الأمل: رحلةُ عائلةٍ بين الفقدان والعطاء

مهندسٌ مكسيكي يكرّس حياته لتمكين الأشخاص ذوي الإعاقة
