قوة سندات الخزانة الأمريكية وتأثيرها على سوق الأسهم
سوق سندات الخزانة الأمريكية بقيمته الضخمة يواجه تحديات ارتفاع العوائد وتأثيرها على الأسهم وسط تزايد تمويل الذكاء الاصطناعي. هل ستتمكن الأسهم من الصمود أم أن المخاطر تلوح في الأفق؟ اكتشف التفاصيل على خَبَرَيْن.

ينبغي ألّا يستهين أحدٌ بقوة سوق سندات الخزانة الأمريكية البالغة قيمته 30 تريليون دولار. فقد أثبت هذا السوق متانةً كافية لدفع تدخّلات وزارة الخزانة إلى الوراء، بينما يبقى محلّ اهتمام وول ستريت. والسؤال الذي يطرحه المستثمرون اليوم: هل يملك سوق السندات من القوة ما يكفي لزعزعة استقرار سوق الأسهم المتصاعد؟
ارتفعت عوائد السندات خلال العام الجاري، مدفوعةً بمخاوف المستثمرين من عجز الميزانية الحكومية، وتزايد إصدارات السندات الشركاتية لتمويل البنية التحتية للذكاء الاصطناعي. ويطالب المستثمرون بعوائد أعلى مقابل مواصلة تمويل الإنفاق الحكومي ومشاريع الذكاء الاصطناعي لدى الشركات.
ارتفاع العوائد يعني ارتفاع أسعار الفائدة على امتداد الاقتصاد، وهو ما يرفع تكاليف الاقتراض على المستهلكين والحكومة على حدٍّ سواء. كما يؤثّر ذلك مباشرةً على الأسهم: فالعوائد المرتفعة تُعيد رسم معادلات تقييم الأرباح المستقبلية للشركات. فضلاً عن ذلك، تُغري العوائد المرتفعة على السندات الحكومية الموثوقة المستثمرين بالابتعاد عن الأصول الأكثر مخاطرة كالأسهم.
وفق مسح أجراه Bank of America هذا الشهر على مديري الصناديق، يُصنَّف «الارتفاع الفوضوي في عوائد السندات» باعتباره ثاني أكبر مخاطر الأسهم بعد فقاعة الذكاء الاصطناعي.
يتصاعد قلق المستثمرين من تركّز سوق الأسهم بشكلٍ مفرط في قطاع الذكاء الاصطناعي. وارتفاعٌ حادٌّ ومستدام في العوائد يُمثّل خطراً إضافياً قادراً على تفريغ أيّ فقاعة محتملة.
لا شيء يضمن أن ترتفع العوائد بما يكفي لتعطيل مسار الأسهم، غير أنّ المشهد بات أكثر تعقيداً. فبعد أن بلغت عوائد السندات العالمية أعلى مستوياتها في سنواتٍ متعددة الأسبوع الماضي، أنهى مؤشر S&P 500 الأسبوع على انخفاض، مُنهياً سلسلة مكاسب امتدّت ثلاثة أسابيع متتالية.
تراجعت العوائد في مطلع هذا الأسبوع، ممّا أسبغ دعماً على الأسهم. بيد أنّ عائد السند لأجل 30 عاماً لا يزال قريباً من أعلى مستوياته في ما يقارب عقدين من الزمن، فيما يتداول عائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل 10 سنوات قرب أعلى مستوياته خلال أكثر من عام.
في نهاية المطاف، يتوقّف أثر العوائد على الأسهم على ثلاثة عوامل: سرعة الارتفاع، ومداه، والأسباب الكامنة وراءه.
لماذا تصمد الأسهم؟
ارتفع مؤشر S&P 500 نحو 12% منذ مطلع العام، وهو في طريقه لتحقيق مكاسب مزدوجة الرقم للعام الرابع على التوالي. تعافت الأسهم من تراجعٍ ارتبط بالتوترات مع إيران في مارس، قبل أن تُسجّل سلسلة من الأعلى على الإطلاق، وصل مجموعها إلى 27 مستوىً قياسياً حتى الآن خلال العام الجاري.
أسهمت في هذه المتانة عواملٌ ثلاثة: أرباح شركاتية قوية، وموجات متتالية من الحماس تجاه الذكاء الاصطناعي، وثقافة «اشترِ عند الانخفاض» التي يقودها المستثمرون الأفراد.
تراجعت الأسهم الأسبوع الماضي مع ارتفاع العوائد العالمية، لكنّ S&P 500 لا يزال قريباً من مستوياته القياسية، إذ لم يتراجع سوى أقلّ من 2% عن آخر ذروةٍ له قبل أسبوعين. أمّا مؤشر Nasdaq Composite المثقَل بأسهم التكنولوجيا، فلم يتراجع سوى أقلّ من 4% منذ ذروته في مطلع يونيو.
أسهم موسمٌ قوي للأرباح في إبقاء السوق فوق الماء. ثمّة تذبذبٌ في أسهمٍ بعينها، لكنّ المشهد العام يكشف عن ربعٍ آخر من الأرباح اللافتة.
وفق بيانات FactSet، تتّجه نسبة نموّ الأرباح لشركات S&P 500 نحو تسجيل أعلى معدّلاتها منذ عام 2021. ارتفاع العوائد لم يكن بالحدّة الكافية لزعزعة الأسهم في خضمّ موسم الأرباح.
منذ تسجيل مستوى قياسي في 13 أغسطس، لم يتجاوز تحرّك S&P 500 صعوداً أو هبوطاً 1% في أيٍّ من الجلسات. ومؤشر VIX مقياس الخوف في وول ستريت يتداول عند 15، أي دون عتبة الـ20 نقطة التي تُشير عادةً إلى توتّر في الأسواق.
قالت Melissa Brown، الرئيسة العالمية لأبحاث قرارات الاستثمار في SimCorp: «نحن نُبدي حذراً من أنّ الهدوء الراهن في التقلّبات يُوهم المتعاملين بإحساسٍ زائف بالأمان».
لماذا قد تُشكّل العوائد خطراً على الأسهم؟
تدخل العوائد في صميم تقييم المستثمرين للأسهم. فالارتفاع الحادّ في العوائد، أو التقلّب الشديد في سوق السندات، كفيلٌ بإزعاج سوق الأسهم. حين أعلن الرئيس Donald Trump عن رسوم جمركية شاملة في أبريل 2025، قفز عائد سندات الخزانة لأجل 10 سنوات فجأةً، وتراجع S&P 500 أكثر من 10% في يومين فحسب.
ما الذي يختلف هذه المرة؟ ارتفعت العوائد بصورة تدريجية على مدار العام، والأسهم لا تزال قرب مستوياتها القياسية. يرى المحلّلون أنّ التدرّج في الارتفاع قد حدّ من وطأة الأثر على الأسهم، غير أنّ استمرار الصعود أو نوبات التقلّب قد تبدأ في إثارة إشكاليات أعمق للمستثمرين.
العتبة الفاصلة هي 5% لعائد السند لأجل 10 سنوات، وهو ما يُمثّل أعلى مستوىً منذ أكتوبر 2023. وصف Sam Stovall، كبير استراتيجيي الاستثمار في CFRA Research، هذا المستوى بأنّه «خطّ الرمال» النفسي الذي يبدأ عنده القلق الحقيقي لمستثمري الأسهم.
وتساءل Stovall: «السؤال الجوهري هو: إلى متى ستواصل أسعار الفائدة ارتفاعها، وإلى أيّ مستوىً ستصل؟»
أخبار ذات صلة

كيف قد تؤثر ردود كندا على الشركات والمستهلكين الأمريكيين

الحرب التجارية بين أمريكا وكندا قد ترفع أسعار السلع اليومية

الدين الوطني يتجاوز 40 تريليون دولار: ماذا يعني هذا الرقم فعلاً؟
