أزمة الوقود العالمية تشتعل وأسعار النفط ترتفع بشدة
أسعار النفط ترتفع بسبب أزمة شح الوقود التي تضرب المصافي العالمية بفعل الحروب والقيود على التصدير. ارتفاع قياسي في أرباح شركات التكرير وتكاليف مرتفعة على المستهلكين مع تهديدات موسم الأعاصير في خَبَرَيْن.

أسعار النفط مرتفعةٌ بشكلٍ مقلق مجدّداً، غير أنّ الأزمة الحقيقية تختمر تحت السطح مباشرةً.
ما بدأ شرارةً أولى على شكل صدمةٍ في إمدادات النفط جرّاء إغلاق مضيق هرمز، يتحوّل اليوم إلى أزمةٍ شاملة في إمدادات الوقود. فالمصافي تواجه توليفةً قاتلة من الحرب وقيود التصدير، ما يُقيّد قدرتها على تحويل النفط الخام إلى البنزين ووقود الطائرات والديزل الذي يُحرّك الاقتصاد العالمي.
مؤشّرٌ رئيسي لقياس ربحية التكرير، يُعرف بـ"فارق تكسير الديزل" (diesel crack spread)، قفز إلى 102 دولار للبرميل يوم الاثنين للمرة الأولى في التاريخ، مُسجِّلاً ما يقارب ثلاثة أضعاف مستوياته قبل الحرب. ويقيس هذا المؤشّر هامش الربح الذي تجنيه المصافي من كلّ برميل نفطٍ خام تحوّله إلى ديزل.
قال بوب مكنالي، مؤسّس ورئيس Rapidan Energy Group: "هذا خبرٌ استثنائي بكلّ المقاييس. السوق يصرخ بأنّنا في شُحٍّ حقيقي."
إمدادات الوقود تبقى عند مستوياتٍ شحيحة قياسياً، إذ تعاني ثلاثة من أصل أربعة مراكز تكرير عالمية من اضطراباتٍ حادّة. فمصافي الشرق الأوسط تعرّضت لهجماتٍ في سياق الحرب مع إيران، فيما تعاني المصافي السليمة من صعوباتٍ في الشحن بسبب المواجهة في مضيق هرمز، حيث تتصارع إيران والولايات المتحدة على السيطرة.
عاصفةٌ مثالية تضرب قطاع التكرير
لكنّ المسألة لا تقتصر على الحرب مع إيران.
مصافي روسيا، المُصدِّر الكبير للوقود، تعرّضت بدورها لضرباتٍ موجعة من طائرات مسيّرة أوكرانية. نحو 40% من طاقتها التكريرية خارج الخدمة حالياً، ما يُعادل نحو 3% من الطاقة التكريرية العالمية، وفق ما رصدته مؤسّسة الأبحاث Capital Economics.
وفي مواجهة شُحّ الوقود داخلياً، حظرت موسكو صادرات البنزين والديزل حتى نهاية يناير 2027.
ثمّ هناك الصين، المُصدِّر الكبير الآخر للوقود. خفّضت بكين وارداتها من النفط بصورةٍ فاقت توقّعات كثيرين، وهو ما أسهم في الحدّ من ارتفاع أسعار النفط إلى 150 دولاراً للبرميل. لكنّ بكين في الوقت ذاته قيّدت صادراتها من الوقود تفادياً لأزمةٍ داخلية.
هذا يجعل ساحل الخليج الأمريكي الخيارَ الوحيد المتاح في السوق، والمصافي الأمريكية تعمل بأقصى طاقتها لاستثمار هوامش الربح التاريخية.
كتب محلّلو Bank of America في تقريرٍ الأسبوع الماضي: "النتيجة سوقٌ على وشك الدخول في أقوى موسم طلبٍ موسمي، مع هامشٍ ضيّق جداً لأيّ خطأ."
هوامش الربح القياسية تعني أنّ المصافي التي لم تتأثّر بالحرب تجني أرباحاً طائلة في هذه الأيام. وقال مكنالي، المستشار السابق للطاقة في عهد الرئيس جورج بوش: "المصافي تعمل بكامل طاقتها. هذا عيد الميلاد جاء مبكّراً وبسخاءٍ غير مسبوق."
أسهم Marathon Petroleum وValero Energy الأمريكيّتين تضاعفت أكثر من مرّتين منذ مطلع العام، فيما ارتفعت أسهم Phillips 66 بنسبةٍ تقارب 90%.
هذا التضافر من الأحداث دفع أرباح كبرى شركات النفط كـChevron وExxonMobil إلى مستوياتٍ قياسية؛ إذ حقّقت ExxonMobil وحدها 160 مليون دولار يومياً خلال الربع الأخير.
بيد أنّ استمرار المصافي الأمريكية في هذا الأداء القصوى ليس مضموناً. فذروة موسم الأعاصير باتت وشيكة، وسبق أن شلّت أعاصير عاتية مصافيَ ساحل الخليج في مناسباتٍ سابقة. فضلاً عن ذلك، تستغلّ المصافي عادةً فترة انخفاض الطلب في الخريف للتوقّف عن العمل وإجراء أعمال الصيانة.
البنزين والديزل ووقود الطائرات في ارتفاعٍ حادّ
أسعار الوقود أعلى بكثيرٍ ممّا كانت عليه في الفترة ذاتها من الصيف الماضي، وإن ظلّت دون المستويات التي خشيها كثيرون حين اندلعت الحرب مع إيران. بلغ المتوسّط الوطني لسعر البنزين العادي 4.07 دولار للغالون يوم الثلاثاء، بارتفاعٍ 30% على أساسٍ سنوي.
أمّا الديزل، الوقود الحيوي للاقتصاد العالمي، فقد ارتفع بنسبة 48% مقارنةً بالفترة ذاتها من العام الماضي.
ارتفاع أسعار الديزل تكلفةٌ خفيّة يتحمّلها المستهلكون، لأنّه يُشغّل الجرّارات الزراعية والقطارات والشاحنات التي تنقل البضائع عبر البلاد. والشركات كثيراً ما تُحمّل المستهلكين جزءاً من هذه التكاليف الإضافية في صورة ارتفاعٍ في الأسعار.
وقد كلّف ارتفاع أسعار الديزل المستهلكين الأمريكيين ما يقارب 40 مليار دولار منذ اندلاع الحرب، وفق أبحاث مختبر حلول المناخ في جامعة Brown.
وقود الطائرات من جهته قفز بأكثر من 70% خلال العام الماضي. وردّت شركات الطيران على ذلك مستندةً إلى متانة الطلب على السفر وانسحاب الناقلة الاقتصادية Spirit من السوق في مايو برفع أسعار التذاكر ورسوم الأمتعة وخفض الرحلات الأقلّ ربحية.
كتب محلّلو Rystad Energy في تقريرٍ الأسبوع الماضي: "الأثر المباشر على المستهلك يتجلّى عند محطّات الوقود وفي المطارات، وهذا هو المكان الذي ستتصاعد منه الضغوط."
لا بدّ أن يتغيّر شيء
بينما تجني شركات النفط الكبرى ثمار اضطرابات الإمداد، يتصاعد استياء المواطن العادي من الأسعار المرتفعة.
الخطر الحقيقي يكمن في أن تُبقي أزمة المصافي أسعار البنزين والديزل ووقود الطائرات مرتفعةً لفترةٍ أطول، مُغذِّيةً بذلك موجة التضخّم.
قال Bank of America: "ما لم تُحلّ الاضطرابات في الشرق الأوسط والصين وروسيا، فمن المرجّح أن تظلّ أسعار الديزل قرب ذرواتها الدورية، مع مخاطر ارتفاعٍ إضافي إذا واصلت المخزونات انخفاضها مع اقتراب فصل الشتاء."
الأسعار بلغت من الارتفاع حدّاً بات يُثبّط الاستهلاك، وهي ظاهرةٌ يُطلق عليها المختصّون "تدمير الطلب" (demand destruction). غير أنّ Bank of America أشار إلى أنّ هذا التراجع في الطلب لم يكن كافياً بعد لإعادة توازن السوق.
وتوقّع مكنالي، رئيس Rapidan، أن يلحق سعر النفط الخام بالضغوط المتراكمة في سوق الوقود، أو أن تشهد الحرب مع إيران اختراقاً دبلوماسياً. وختم بقوله: "إمّا أن تُذعن إيران، وإمّا أن يتراجع الرئيس. لا أستطيع أن أجزم أيّهما سيأتي أوّلاً."
أخبار ذات صلة

ارتفاع العائدات العالمية يهدّد أرباح الأسهم

كيف قد تؤثر ردود كندا على الشركات والمستهلكين الأمريكيين

الحرب التجارية بين أمريكا وكندا قد ترفع أسعار السلع اليومية
