خَبَرَيْن logo

كندا تصمد في وجه ضغوط أمريكا لحماية لغتها الفرنسية

رئيس الوزراء الكندي يرفض التنازل عن حماية اللغة الفرنسية في كيبيك وسط توترات تجارية مع الولايات المتحدة ويؤكد أن حقوق اللغة والثقافة خط أحمر في الهوية الوطنية الكندية خَبَرَيْن

رئيس الوزراء الكندي مارك كارني يتحدث أمام عدة أعلام كندية في مؤتمر صحفي بمدينة ليفي بكيبيك حول حماية اللغة الفرنسية في مواجهة الضغوط الأمريكية.
تحدث رئيس وزراء كندا مارك كارني مع الصحفيين في أوتاوا، أونتاريو، كندا، يوم السبت، بعد أن أوقف المفاوضات التجارية مع الولايات المتحدة. كريس تانوي/رويترز
التصنيف:العالم
شارك الخبر:
FacebookTwitterLinkedInEmail

في مدينة ليفي بمقاطعة كيبيك، وقف رئيس الوزراء الكندي Mark Carney أمام حشدٍ من الصحفيين وأعلن بالفرنسية أنّ بلاده "لن تمنح الولايات المتحدة ما طلبته". لم يكن الأمر مجرّد موقفٍ تفاوضي بل كان إعلاناً عن خطٍّ أحمر يتعلّق بهوية وطنية راسخة في الدستور منذ عقود.

في سياق تصاعد حدّة التوترات التجارية بين الولايات المتحدة وكندا، عقب انهيار محادثات الأسبوع الماضي، برزت قضيةٌ جديدة زادت النار اشتعالاً بين الحليفَين التاريخيَّين: قوانين اللغة الفرنسية.

حقوق اللغة في صميم الهوية الكندية

كندا دولةٌ ثنائية اللغة، تحمي قوانينها الرسمية لغتَيها المعتمدتَين: الإنجليزية والفرنسية، التي تُمثّل اللغةَ الأمّ لنحو خُمس السكان، وتشمل ما يقارب 85% من سكان مقاطعة كيبيك الناطقة أساساً بالفرنسية.

تشترط هذه القوانين أن تُكتب ملصقات المنتجات باللغتَين معاً، كما تُلزم منصّات البثّ الأمريكية بدعم المحتوى الكندي والترويج له بما فيه المحتوى الفرنكوفوني ومحتوى الشعوب الأصلية أمام الجمهور الكندي.

وقد اعتبرت الولايات المتحدة منذ أمدٍ بعيد أنّ هذه الاشتراطات اللغوية تُشكّل عائقاً أمام التبادل التجاري، غير أنّها تُمثّل بالنسبة لأوتاوا خطّاً أحمر لا تفريط فيه. وهو ما جسّده Carney حين انسحب من صفقةٍ قال إنّها تضمّنت "تهديداً للغة الفرنسية وثقافتها".

يوم الاثنين، أكّد Carney أنّ كندا "لا تستطيع قبول" الاتفاق المقترح الذي كان من شأنه إضعاف الحماية المكفولة للغة الفرنسية، مشيراً إلى أنّ حكومته "لن تمنح الولايات المتحدة ما طلبته".

وقد تضامن كثيرٌ من الكنديين مع قرار Carney، ولا سيّما تصريحاته المتعلّقة بحماية الثقافة الفرنسية التي تُعدّ ركيزةً أساسية في الهوية الوطنية الكندية.

وبعد أن وصف المندوب التجاري الأمريكي Jamieson Greer مخاوف أوتاوا بشأن اللغة الفرنسية بأنّها "قصّةٌ مضحكة ومزيّفة"، ردّ الزعيم الكندي بحزم، مؤكّداً أنّ المسألة ليست موضع سخرية، وأنّ ثمّة "هوّةً هائلة بين منظورنا ومنظور الولايات المتحدة".

وقال Carney بالفرنسية في مؤتمرٍ صحفي بمدينة ليفي بكيبيك: "بالنسبة للأمريكيين، اللغة الفرنسية والثقافة الفرنكوفونية والثقافة الكندية هذه كلّها مُزعجات". ثمّ أضاف: "أمّا هنا في كيبيك، وهنا في كندا، فهذه حقوق"، وسط تصفيقٍ من الصحفيين الحاضرين.

في المقابل، لم يتطرّق الرئيس Donald Trump مباشرةً إلى مسألة اللغة، لكنّه عاد إلى هجماته القديمة على كندا، واصفاً إيّاها بأنّها "متعجرفة" و"من أسوأ الدول في العالم للتعامل معها"، وذلك في منشور على منصة Truth Social.

رفوف في متجر تعرض منتجات غذائية مع ملصقات ثنائية اللغة بالفرنسية والإنجليزية، تعكس قوانين حماية اللغة الفرنسية في كيبيك ضمن النزاع التجاري بين كندا والولايات المتحدة.
Loading image...
علامة تجارية أمريكية والإصدار الكندي في متجر بقالة في مونتريال، كندا، في 3 فبراير 2025. أندريه إيفانوف/وكالة فرانس برس/صور غيتي

منذ أن تعثّرت المفاوضات يوم الجمعة، فرضت الولايات المتحدة رسوماً جمركية بنسبة 50% على ما يقارب 20 مليار دولار من البضائع الكندية. وكان Carney قد تعهّد في البداية بالردّ "دولاراً بدولار"، غير أنّه أعلن يوم الاثنين أنّ حكومته قد تلجأ إلى نهجٍ أكثر استهدافاً لتعظيم الأثر، مراعاةً لحجم الاقتصاد الأمريكي، مؤكّداً أنّ "كلّ الخيارات مطروحة على الطاولة".

ومن المقرّر أن يُعلن وزير المالية François-Philippe Champagne وثلاثة وزراء آخرين يوم الثلاثاء عن الردّ الكندي على الرسوم الجمركية، بما يشمل تدابير لحماية العمّال والشركات الكندية ودعمها، وفقاً لبيانٍ حكومي رسمي.

قوانين اللغة: تاريخٌ متجذّر وحاضرٌ مشتعل

حقوق اللغة راسخةٌ في الدستور الكندي منذ عقود، وتحتلّ مكانةً بالغة الأهمية في كيبيك التي خاضت نضالاً طويلاً للحفاظ على هويّتها اللغوية والثقافية المتميّزة في قارّةٍ يهيمن عليها الإنجليز.

وقد أفضى هذا النضال في مراحل معيّنة إلى توتّراتٍ بين المقاطعة وبقية أجزاء كندا، إذ أجرت كيبيك استفتاءَين على الاستقلال عن الاتحاد، كان آخرهما عام 1995، وانتهى برفضٍ شعبي بهامشٍ ضيّق للغاية لم يتجاوز 1.16%.

تشمل هذه القوانين اللغوية طيفاً واسعاً، من حقّ المواطنين في الحصول على الخدمات الرسمية باللغتَين، إلى اشتراط أن تُدرج شركات العناية بالشعر كلمة "shampooing" الفرنسية إلى جانب النصّ الإنجليزي على عبواتها. وبالنسبة للشركات الأمريكية الراغبة في دخول السوق الكندية، يعني ذلك أعباءً إضافية تتمثّل في إعادة تصميم التغليف وتكاليف إنتاجٍ مرتفعة.

وفي هذا السياق، قال Stewart Prest، المحاضر في قسم العلوم السياسية بجامعة British Columbia، إنّ مطالبة كندا بالتنازل عن هذه القواعد "ليست طلباً معقولاً في سياق مفاوضات تجارية"، وإنّها مسألةٌ "لا خيار أمام كندا سوى الرفض". وأضاف: "الناس في كندا يتحدّثون الفرنسية. هذه ليست دولةً يتكلّم فيها الجميع الإنجليزية ويتذوّق بعضهم الفرنسية. لا يختلف الأمر كثيراً عن مطالبة فرنسا بالتخلّي عن اشتراط وجود الفرنسية على التغليف."

أمّا Stéphanie Chouinard، أستاذة الدراسات السياسية المشاركة في Royal Military College وجامعة Queen's في كينغستون بأونتاريو، فقد أشارت إلى أنّ أيّ تراجعٍ من جانب Carney في هذه المسألة سيكون بالغ الضرر عليه سياسياً، لا سيّما أنّه بنى حضوره الدولي على أساس التصدّي لضغوط Trump. بيد أنّ المسألة تكتسب حدّةً استثنائية في ظلّ اقتراب كيبيك من انتخاباتٍ إقليمية تشهد صعوداً لافتاً لحزب Parti Québécois الانفصالي في استطلاعات الرأي.

وأوضحت Chouinard أنّ أيّ تنازلٍ في ملفّ القوانين اللغوية قد "يُذكي مشاعر الانفصال" في مقاطعةٍ كانت فيها نقاشات الاستقلال خافتةً في الآونة الأخيرة.

خلافٌ متجذّر مع واشنطن

طبّقت كيبيك في السنوات الأخيرة سياساتٍ قومية صارمة لتكريس الفرنسية بوصفها اللغةَ الوحيدة للمقاطعة، وأبرزها القانون اللغوي المثير للجدل Bill 96، الذي يفرض اشتراطاتٍ أكثر صرامة للغة الفرنسية على المنتجات والأجهزة والتغليف واللافتات. وقد أُدرج هذا القانون ضمن قائمة عوائق التجارة العالمية لعام 2025 التي يُصدرها مكتب الممثّل التجاري الأمريكي سنوياً.

كذلك أبدت الولايات المتحدة قلقها إزاء قانون البثّ الإلكتروني الكندي، الذي يُلزم منصّات الفيديو والموسيقى عبر الإنترنت كـ Netflix وSpotify بالاستثمار في المحتوى الكندي والترويج له. وعارضت واشنطن أيضاً لائحةً أخرى تتعلّق بالبثّ، تُعرف بـ Bill 109، أقرّتها كيبيك في ديسمبر الماضي، وتُلزم منصّات البثّ بإيلاء الأولوية للمحتوى الناطق بالفرنسية، وقد صنّفتها الولايات المتحدة في مارس الماضي ضمن العوائق التجارية المحتملة.

وفي مقابلةٍ يوم الاثنين، أكّد Greer أنّ الولايات المتحدة لا تعترض على اللغة الفرنسية في حدّ ذاتها، بل على ما وصفه بـ"الضريبة التمييزية المفروضة على الشركات الأمريكية". وقال: "أنا أُحبّ الكيبيكيين وأُحبّ أنّهم يتحدّثون الفرنسية. ما لا نقبله هو أن تُجبر الحكومة الفيدرالية الكندية شركاتٍ تقنية أمريكية على منح نسبةٍ من أرباحها لمنافسيها."

بيد أنّ كثيراً من الكنديين يرون في هذا النزاع تدخّلاً أمريكياً سافراً في الهوية الوطنية الكندية. وقالت رئيسة وزراء كيبيك Christine Fréchette إنّ Carney اتّخذ القرار الصائب حين انسحب من طاولة المفاوضات. وأضافت في مؤتمرٍ صحفي:"ثقافتنا ولغتنا جوهرٌ لا يتجزّأ من هويّتنا، ومن الضروري إبعادهما عن طاولة التفاوض. حتى لو تعرّضنا لتعريفاتٍ جمركية مختلفة، فلن يتغيّر شيء. سنبقى على ما نحن عليه."

في ليفي، حيث وقف Carney أمام الصحفيين وأعلن موقفه بالفرنسية، كانت الرسالة أوضح من أيّ نصٍّ قانوني: بعض الخطوط لا تُرسمها الاتفاقيات التجارية، بل تُرسمها الهويّة.

أخبار ذات صلة

Loading...
مبنى وزارة العدل الأمريكية في واشنطن مع لافتة كبيرة لترامب تحمل شعار "اجعل أمريكا آمنة مجدداً"، في سياق كشف حملة تجسس إلكتروني صينية على وكالات أمريكية.

الولايات المتحدة تتهم جواسيس صينيين بمهاجمة مستشفيات وجهاتٍ حكومية عسكرية

كشف جديد يفضح حملة تجسّس إلكتروني صينية استهدفت وكالات أمريكية بارزة مثل NASA والاحتياطي الفيدرالي عبر شركة تقنية غطاءً للجيش الصيني. تعرف على تفاصيل الهجوم وأساليب القراصنة وسبل الحماية. اقرأ المزيد الآن!
العالم
Loading...
جون راتكليف مدير وكالة المخابرات المركزية الأمريكي خلال اجتماع رسمي، في سياق زيارته غير المعلنة إلى موسكو لمناقشة قضايا استخباراتية ودبلوماسية.

اجتماع سري: مدير CIA يزور موسكو للقاء مسؤولين روس

زيارة مفاجئة لمدير وكالة المخابرات الأمريكية إلى موسكو تثير تساؤلات حول مستقبل العلاقات والتوترات الدولية. اكتشف التفاصيل وتأثيرها على الأمن العالمي الآن!
العالم
Loading...
اجتماع لجنة 4+4 الليبية في تونس لمناقشة الاتفاق الأولي حول قوانين الانتخابات وإعادة هيكلة المفوضية الوطنية للانتخابات.

الفصائل الليبية تصيغ اتفاقاً انتخابياً أولياً وسط شكوكٍ متجذّرة

اتفاق ليبي أولي يفتح باب الأمل لإنهاء الانقسام السياسي المستمر منذ 2014، لكنه يواجه تحديات تنفيذية وصراعات داخلية قوية. اكتشف تفاصيل هذه المرحلة الحاسمة وكن جزءاً من الحل.
العالم
Loading...
جندي كونغولي يحمل سلاحاً ثقيلًا ويرتدي زيًا عسكريًا أمام حشد من المدنيين، في سياق مراقبة وقف إطلاق النار بين الجيش وحركة M23 بشرق الكونغو.

بعثة مراقبة وقف إطلاق النار تصل إلى جمهورية الكونغو الديمقراطية

في شرق الكونغو، فريق مراقبة دولي يتابع وقف إطلاق النار بين الجيش وحركة M23 وسط اتهامات بالانتهاكات. هل تنجح الهدنة أم يستمر النزاع؟ اكتشف التفاصيل وتابع آخر التطورات الآن.
العالم
الرئيسيةأخبارسياسةأعمالرياضةالعالمتكنولوجيااقتصادصحةتسلية