موجة حرائق وموجة حر قاتلة تجتاح أوروبا
رجال الإطفاء يكافحون حرائق ضخمة في فرنسا وإسبانيا وسط موجة حر شديدة تقتل آلافاً وتؤثر على الطاقة والأمن الغذائي في أوروبا موجة حر غير مسبوقة تزيد من مخاطر الكوارث وتغيرات المناخ تتفاقم خَبَرَيْن

يُكافح رجال الإطفاء الفرنسيون حريقاً ضخماً اندلع في غابات تقع جنوبي باريس، فيما تمتدّ موجة حرٍّ شديدة في رقعتها الجغرافية لتُخلّف ضحايا في أرجاء واسعة من أوروبا.
وأفادت قناة BFMTV الفرنسية، بأنّ أكثر من 800 هكتار (ما يعادل نحو 3 أميال مربعة) من غابة فونتنبلو قد التهمتها النيران حتى يوم الاثنين، فيما لجأت طائرات الإطفاء إلى سحب المياه من نهر السين في إطار جهود السيطرة على الحريق.
وأعلن وزير الداخلية الفرنسي Laurent Nuñez أنّ الشرطة فتحت تحقيقاً للنظر في احتمال أن يكون الحريق متعمَّداً. وأشار Nuñez في منشور على منصة X يوم الأحد إلى اندلاع حرائق في مناطق أخرى من البلاد أيضاً.
حرائق الغابات ليست ظاهرةً غريبة على أوروبا، غير أنّ أزمة المناخ تُفضي إلى طقسٍ أشدّ حرارةً وجفافاً، ممّا يُهيّئ الظروف لمواسم حرائق أكثر ضراوة. وتبدأ هذه الحرائق في وقتٍ أبكر من العام وبحدّةٍ متصاعدة.
في معظم أنحاء فرنسا وإسبانيا، خلّف شتاءٌ ممطرٌ بشكلٍ استثنائي غطاءً نباتياً كثيفاً سرعان ما تحوّل إلى وقودٍ جاهز للاشتعال، حين دفعت ثلاث موجات حرٍّ متتالية درجات الحرارة إلى ما يزيد على 37 درجة مئوية.
وأسفر ذلك عن ارتفاعٍ حادّ في عدد الحرائق الكبرى، وفق بيانات النظام الأوروبي لمعلومات حرائق الغابات (European Forest Fire Information System).
الحرّ الشديد يقتل الآلاف
الحرارة المتطرفة قاتلةٌ بحدّ ذاتها. فقد سجّلت البيانات الصادرة عن شبكة EuroMOMO المدعومة من المركز الأوروبي للوقاية من الأمراض ومكافحتها ومنظمة الصحة العالمية أكثر من 10,000 حالة وفاة زائدة خلال موجة الحرّ في أواخر يونيو بغرب أوروبا. وتجاوز عدد الوفيات بين من هم في سنّ الـ65 فأكثر 9,000 حالة.
تُفضي الحرارة الشديدة إلى الوفاة بضربة الشمس، أو تُفاقم أمراضاً قلبية وتنفسية قائمة، وكبار السنّ الأكثر عرضةً لهذه المخاطر.
ومن المرجّح أن يستمرّ هذا النمط في السنوات المقبلة، إذ تُعدّ أوروبا القارّة الأسرع احتراراً في العالم؛ فدرجات حرارتها ترتفع بمعدّلٍ يفوق ضعفَي المعدّل العالمي، وفق ما يُفيد به برنامج Copernicus لرصد تغيّر المناخ التابع للاتحاد الأوروبي.
موجة الحرّ تجتاح أوروبا
في إسبانيا، لا يزال 10 أشخاص في عداد المفقودين إثر حريقٍ أودى بحياة 13 شخصاً في جنوب البلاد الأسبوع الماضي، وأعلن وزير الداخلية الإسباني Fernando Grande-Marlaska يوم الجمعة عن تعبئة أكثر من 460 عاملاً في الطوارئ لمكافحة الحريق قرب بلدة Los Gallardos على ساحل Costa de Almería.
وتُصنَّف هذه الكارثة حتى الآن بوصفها أشدّ حرائق الغابات فتكاً في إسبانيا منذ عام 2005، حين لقي 11 رجل إطفاء حتفهم في مقاطعة Guadalajara الوسطى جرّاء حريقٍ اشتعل من شواية.
وفي الشهر الماضي، سجّلت إسبانيا أرقاماً قياسية على المستوى الوطني، إذ تجاوزت درجات الحرارة في بعض الأيام معدّلاتها الطبيعية بـ7.1 درجة مئوية (ما يعادل 12.8 درجة فهرنهايت)، وفق الهيئة الوطنية للأرصاد الجوية AEMET.
وفي إنجلترا وويلز، يُعتقد أنّ أكثر من 2,700 شخص لقوا حتفهم بأسبابٍ مرتبطة بالحرّ خلال موجات الحرارة في مايو ويونيو، وفق ما أعلنه المكتب الوطني البريطاني للأرصاد الجوية يوم الاثنين.
كما أفضت موجات الحرّ إلى ارتفاعٍ ملحوظ في حوادث الغرق؛ ففي ألمانيا، غرق ما لا يقلّ عن 99 شخصاً خلال يونيو وحده، وهو أعلى معدّل وفيات شهري منذ عام 2003.
تداعيات تتجاوز الخسائر البشرية
تمتدّ تأثيرات موجات الحرّ إلى ما هو أبعد من الخطر المباشر على الأرواح، لتطال قطاعاتٍ حيوية.
فعلى صعيد الطاقة، تُؤثّر درجات حرارة الأنهار المرتفعة على المحطّات النووية الفرنسية التي تعتمد على المياه في التبريد. وأعلنت شركة EDF الفرنسية أنّها ستخفّض إنتاج محطّة Nogent النووية على نهر السين هذا الأسبوع، وهي المرّة الثانية خلال هذا الصيف. كما أوقفت محطّةٌ أخرى على نهر Garonne في جنوب غرب فرنسا إنتاجها بعد أن بلغت درجة حرارة المياه 28 درجة مئوية.
وعلى صعيد الأمن الغذائي، أسفرت موجات الحرّ عن تراجعٍ حادّ في توقّعات محاصيل الحبوب، ولا سيّما الذرة. فقد خفضت رابطة تجارة الحبوب الأوروبية Coceral توقّعاتها لإنتاج الذرة في دول الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة مجتمعةً إلى 52.7 مليون طن، بعد أن كانت تُقدّرها بـ57.2 مليون طن في الشهر الماضي.
ومن المتوقّع أن يُسجّل محصول الذرة الفرنسي أدنى مستوياته خلال عقدين، إذ لن يتجاوز 10 ملايين طن. كما خفّضت Coceral توقّعاتها لإنتاج الشعير والقمح في أرجاء أوروبا.
وعلى صعيدٍ آخر، يُسهم التحوّل نحو مناخٍ أكثر استوائيةً في جنوب أوروبا في تنامي الأمراض التي تنقلها الحشرات. وكشفت دراسةٌ إيطالية حديثة أنّ خطر تفشّي حمّى الضنك (Dengue) في أوروبا ارتفع بنسبة 56% خلال الفترة بين 2013 و2022 مقارنةً بالفترة الممتدّة بين 1951 و1960.
وقال مؤلفو الدراسة: "إنّ أمراضاً كالملاريا وحمّى الضنك، التي كانت حكراً على المناطق الاستوائية، باتت تظهر اليوم في المناطق المعتدلة والحضرية."
أخبار ذات صلة

موجات الحرّ والحرائق تُفاقم الأزمات المتزامنة في جنوب أوروبا

تكييف الهواء في فرنسا: نقاشٌ بين الضرورة والهوية

كأس العالم يجب أن يدفع فاتورة الكربون
